الذين عاشوا تجربة النصف الثاني من القرن العشرين، يحلمون بأوطان حرة ونشيد قومي وعدالة اجتماعية، كانت شعاراتهم أطول من برج إيفل، وكانت طموحاتهم تفوق ما قاله الشعراء العرب في شأن الحرية والكرامة.
هؤلاء الذين لا يزالون بيننا، نراهم بتجربتهم المرة مع الحياة، وقد تحولوا إلى قطيع من المخدوعين المساكين، يطرقون أبواب الشيخوخة بقبضات واهنة، مدركين هباء سنواتهم التي أمضوها خلف سراب الشعارات، وقد وقر في نفوسهم أنهم ينتمون إلى وطن أورثهم اليأس والانكسار.
هؤلاء بدورهم أورثونا أنظمة عقيمة وبؤساً عظيماً، وعلينا أن نسدد فاتورة طويلة من شعاراتهم في الكتب المدرسية التي حشوا بها عقولنا، وكأننا نتاج كواكب أخرى، فما قالوه في المدرسة لم ينطبق بحرف واحد على أرض الواقع.
هؤلاء بيننا اليوم نكن لهم مشاعر الاحترام، نقرأ أدبهم ونحفظ حكمهم وأشعارهم، ونعطيهم مساحة واسعة من وجداننا، ونترك لهم حبلاً على غارب السياسة، ليفعلوا ما يشتهون بوطن أراد ذات يوم أن يكون حراً فأصبح أشد أسراً، وأراد أن يكون كريماً فتحول إلى سجن أحراره في الداخل وأشراره في الخارج.
منذ أكثر من نصف قرن ونحن نعيد ذات العبارات ونكرر نفس المعاني ونقلب أوجه اللغة وبلاغتها لنقول ذات الجمل وكأن العالم توقف ذات يوم عند من اخترع المبادئ وصاغ الدساتير، لتخدم مرحلته السياسية، أو طموحاته الشخصية، ولم يطرأ تعديل عليها، رغم شدة دوران العالم في فلك الحداثة، سياسياً، واجتماعياً، واقتصادياً.
منذ منتصف خمسينات القرن الماضي تحول الطموح العربي إلى وهم لا يصدقه سوى أولئك الذين حشوا عقولهم بماضٍ مجيد، ومستقبل تليد، وعلى ذلك الوتر عزف آباء القومية والوطنية ألحانهم ليرقص عليها جيل من المحيط إلى الخليج.
ذلك الجيل الذي يقف في طوابير المطارات العربية ينتظر تأشيرة دخول أو مرور إلى بلد عربي غني أو فقير لا فرق، يدفع اليوم فاتورة طويلة من الالتزامات الأخلاقية تجاه جيل الآباء الذين سنوا له القوانين ومنعوا عنه هواء الجوار كلما أراد أحدهم الذهاب إلى بلد مجاور.
بينما على الضفة الأخرى من المتوسط تقوم أوروبا على كتلة أمم لا رابط بينها من تاريخ أو لغة حتى أنهم يختلفون في مذاهبهم الدينية اختلافاً عميقاً، لكنهم ينامون في عربة القطار المنطلقة من باريس ويستيقظون في روما دونما يزعجهم شرطي أو تنهرهم هراوة أو يسألهم أحد عن وجهتهم.
هناك لا توجد شعارات أو أوهام، بل توجد حرية تطير مع الريح من بلد إلى آخر.
في تلك البلاد التي فقدت 40 مليون شخص في حروبها الكونية خلال النصف الأول من القرن الماضي، يمكن للمرء أن يموت سعيداً أو أن يعيش حراً كريماً لقد أدرك آباؤهم أن وهم الشعارات سيقود الأبناء إلى تسديد فواتير لا تنتهي، ولذلك اختاروا المستقبل وطووا صفحة الماضي بكل ألوانه.
حقاً إن الآباء يأكلون والأبناء يضرسون.
hussain@albayan.ae