مقتطفات من حوار أجرته مجلة "ذي باريس ريفيو" مع الكاتب المسرحي الأميركي الراحل "أوغست ويلسون" في عددها 153 تناول خلاله المحرر الثقافي عددا من الموضوعات المهمة في قضايا المسرح وهمومه المعاصرة وتجربته في الكتابة عن المشكلات الاجتماعية والثقافية في المجتمع الأميركي.
٭ هل ترمي مسرحياتك إلى إحداث تغيير على مستوى الحياة الاجتماعية؟
ــ أنا لا أكتب من أجل أن يحدث ذلك على وجه التحديد فعلى الرغم من إيماني الراسخ بدور الكتابة في التغيير، إلا أن هذا ليس هو السبب الذي يحملني على الكتابة إنني فنان.
وأنت تعرف أن الفن ينطوي على رسالة سياسية بمعنى أنه يخدم غاياتنا السياسية وهنا في أميركا مثلاً هناك إشكالية في نظرة البيض للسود لذا فأنا أعتقد بأن مسرحياتي تقدم لهم منظوراً مختلفاً يمكنهم من خلاله النظر إلى هؤلاء.
في مسرحية "أسيجة" على سبيل المثال، يظهر عامل قمامة، وهو شخص لا ينظر الآخرون إلى وجهه في الواقع، على الرغم من أنهم يشاهدونه كل يوم من خلال التعرف على "تروي" عامل القمامة يكتشف الناس مضمون حياة هذا الرجل.
هذه الحياة يظهر فيها أثر الأشياء التي يتعامل معها في حياته اليومية، هناك مفاهيم كالحب، والاحترام، والجمال، والخيانة، والواجب ومن خلال إدراكهم أن هذه الأشياء التي يتعامل معها هي ذاتها ما يتعاملون معه فإن ذلك سيغير نظرتهم إلى السود وتعاملهم مع هؤلاء.
٭ ولكن كيف سيؤثر هذا العمل المسرحي نفسه في مشاهديه من السود؟
ــ هذه المسرحية ستمكنهم من مشاهدة الأشياء التي تحتوي عليها حياتهم أثناء تحولها إلى فن جميل أعتقد بأنهم لا يدركون إمكانية حدوث هذا الشيء باستمرار، وهو ما أجده مهماً بالنسبة لهم.
٭ هل يساورك الشك تجاه إمكانية اندثار الثقافة السوداء؟
ــ كلا، فأنا أعتقد بأنها قوية وعلى الرغم من ذلك فأنا أشعر بالقلق تجاه أي انفلات قد تتعرض له تقاليدها، هناك متعة كبيرة أشعر بها أثناء حضوري الاحتفالات الدينية في جامعات السود العريقة حيث لا ينشد هؤلاء الأناشيد الدينية المعتادة وبدلاً من ذلك ينشدون أناشيدهم الخاصة.
هذه الأناشيد لها علاقة بموسيقى الجاز والراب ذات العلاقة القوية بموروثهم الجمالي والأخلاقي وذات مرة تلقيت اتصالاً هاتفياً من ابنتي التي تدرس في إحدى هذه الجامعات، كانت تشعر بالبهجة وهي تقول "أبي، لقد انضممت إلى جماعة الحفاظ على الثقافة السوداء و ها نحن نتلقى دروساً عن تمبكتو".
قلت لها هذا حسن، ولكن لماذا لا تدرسين ثقافة جداتك أولاً ثم تعودين إلى هذه الأصول بعد ذلك ؟
الواقع أنه لا يمكنك تجاوز هذه الأصول القريبة بالقفز إلى الأصول البعيدة، إلى الممالك الإفريقية دون أن يكون لديك من الوعي ما يكفي لمعرفة ذاتك لا يتحتم عليك الذهاب إلى إفريقيا لكي تثبتي أنك تنحدرين من أصول أفريقية لأن أفريقيا موجودة هنا، في الأجزاء الجنوبية من أميركا، إنها أرض أجدادنا. وبالتالي فلا حاجة لك إلى الذهاب إلى إفريقيا وعبور المحيطات«.
٭ تصف أعمالك المسرحية المكتوبة في فترة مبكرة بأنها شاعرية. ترى ما الذي دفعك إلى تغيير هذا الأسلوب؟
ــ عندما بدأت الكتابة المسرحية لم تكن لدي، في تلك المرحلة المبكرة، الأدوات اللازمة للسيطرة على الحوار حيث لم يكن لدي الوعي أو التقدير الكافي للكيفية التي يتحدث بها السود، وكان يخيل إلي بأن تغيير هذه الحوارات وإضفاء شيء من الشاعرية عليها، أو جعلها تبدو مختلفة تماماً عما هي عليه في الواقع هي الوسيلة الوحيدة التي ستحول لهجة هؤلاء إلى فن.
إلا أنني ما أن أدركت الحقيقة وأصبحت أملك الوعي الكافي بها حتى علمني ذلك أن أحترم وأقدر شخوصي التي أتعامل معها، أصبحت قادراً على الإصغاء إليها صرت أتيح لها فرصة التحدث والتعبير عن ذاتها.
إن الشيء الأكثر أهمية هو ألا تفرض على شخوصك هذه الرقابة الصارمة ربما تراءى لك أن الموضوعات التي يتحدثون عنها مختلفة تماماً عن تلك التي تتحدث عنها أنت كمؤلف إلا أن ثمة علاقة موجودة بينكما في واقع الأمر.
اترك لهذه الشخصيات حرية التعبير لكي تكتشف أنها ستتواصل معك لأن الأمر كله، في نهاية الأمر، متروك لك أنت كمؤلف، أنت ستقوم بهذه المهمة والواقع أنه كلما تكلمت هذه الشخصيات أكثر، تسنى لي اكتشافها بشكل أكبر وبالتالي فإنني أحرضها، أعمد إلى تشجيعها على ذلك أنا أقول لها "هيا تكلمي أكثر عن نفسك".
كل ما أفعله بعد ذلك هو نقل هذه الحوارات التي تبدأ بدورها عملية التواصل عندما كنت مستغرقاً في كتابة مسرحية "درس البيانو" شعرت كما لو أن، بوي ولي، يهرع إلى لكي يبلغني بأن، ستر، قد سقط في البئر.
كان ذلك هو الخبر الذي تلقيته من هذه الشخصية، أما ما يتعلق بمن هو ستر أو كيف سقط في البئر فإن ذلك من الأشياء التي لم أكن على علم بها من قبل ينبغي لك أن تتيح لهذه الشخصيات فرصة التعبير عما بداخلها، دعها تتكلم فترة من الوقت، ضع ثقتك فيها، ولتكن لديك الثقة بأنك ستتمكن من صياغة موضوعك لاحقاً.
٭ من الممتع كثيراً أنك بدأت بكتابة الدراما ذات اللغة الشاعرية، لأنك كما أتصور تحوزعلى إحساس مرهف تجاه الحوار.
ـ الحقيقة أن من يحدد اللغة التي يكتب بها الحوار هو من يتكلم بها هنالك مكان في بتسبيرغ يعرف باسم، باتس بليس، عبارة عن متجر لبيع السيجار، قرأت عنه في رواية كلود ماكي "منزل هارلم".
إنه المكان الذي يجتمع فيه الحمالون الذين يعملون في السكك الحديدية لكي يقوموا بسرد القصص. قلت لنفسي ذات مرة هيا أنت تعرف هذا المكان جيداً لقد مررت بهذا المكان بالفعل، كنت في حينها في الحادية والعشرين ولم أتخيل أنني سأكتب عنه في فترة لاحقة من حياتي.
كنت وعلى الرغم من أنني لم أسجل تلك القصص في تلك الأثناء، إلا أنني كنت مغرماً بالاستماع إلى ما كان يقوله هؤلاء في أحد الحوارات المتبادلة التي أصغيت إليها قال أحدهم بلهجته الزنجية "لقد وصلت إلى بتسبيرغ في 42 في قطار بي أند أو "فرد عليه رجل آخر" كلا، أنت لم تصل إلى بتسبيرغ في 42 … لأن بي أند أو لا يتوقف في بتسبيرغ في 42، قال الأول هل ستخبرني أنت باسم القطار الذي أقلني إلى هنا. … فيما بعد ثار الجدل حول المسافة التي يبعدها القمر عن الأرض.
قال أحدهم هل تدري يا رجل أن القمر يبعد عنا مسافة مليون ميل كانوا ينادونني باسم الابن الصغير، وهنا سألني أحدهم أنت أيها الصغير، كم يبعد عنا القمر ؟
قلت له "مئة وخمسين ألف ميل" عندها أجابوا كلهم هذا الصبي لا يعرف أي شيء ! إن القمر يبعد عنا مسافة مليون ميل فقط.
كنت مغرماً بمخالطتهم، إذ أن هؤلاء كانوا مصدراً للفلسفة التي يمكنني اكتسابها عن الحياة، أسئلة كثيرة كانوا يجيبون عليها، من هو الإنسان، ما هي وظيفته في الحياة، مسؤولياته وعندما يموت أحدهم كنت أشارك في عزائه حال قراءتي اللافتة المعلقة على الباب، كما كنت أزورهم في منازلهم. غير أن ذلك قد تغير بمرور الزمن.
٭ هل كان لديك أي إدراك بحبك للكتابة ؟
ـ لا، لم يكن لدي إدراك بالفعل. إلا أن أحد الجيران تنبه إلى هذا الشيء فقد وقف بالباب ذات يوم وعرض علي أن أشتري طابعته، كنت أعلم أنها مسروقة وكنت أعلم كذلك أنه لم يجد من يشتريها منه، إذ أنها لم تكن جهاز تلفزيون لكي يشترونها إلا أن أحدهم أخبره بأن لدي كتباً وأوراقاً وما إلى ذلك وبالتالي فقد اشتريها اشتريتها بعشرة دولارات وصرت أشعر بالامتنان تجاهه فقد بقيت لدي مدة عشر سنوات.
**حقائق عن أوغست ويلسون
* أوغست ويلسون أو ( فريديريك أوغست كيتل ) ولد عام 1945 وتوفي في أكتوبر 2005، كاتب مسرحي أميركي يعتبر منذ ثمانينات القرن الماضي أحد أهم علامات المسرح الأميركي المعاصر وأهم كتابه المعاصرين. ويلسون من مواليد بتسبيرغ من أب ألماني وأم سوداء.
٭ تلقى تعليمه في سن متأخرة واهتم بتثقيف نفسه بصورة كبيرة، التحق بعدد من المهن البسيطة في بداية حياته العملية قبل نشره مجموعة من القصائد في مجلة جامعة بتسبيرغ ثم تأسيسه لمسرح بلاك هورايزونس سنة 1968، تجسد كتاباته المسرحية بقوة تجربة الحياة الأميركية المعاصرة انطلاقا من تجربته الشخصية في المجتمع الأميركي الأسود.
٭ من أعماله المهمة مجموعة »أوغست ويلسون: ثلاث مسرحيات هي »عودة وذهاب جو تيرنر«، "ماريني" "الأسيجة"، و"درس البيانو" 1987، و"قطاران منطلقان" 1990.
* مريم جمعة فرج
أوغست ويلسون (1945ــ2005)م
