أعلن في أميركا، مؤخراً، عن وفاة الكاتب المسرحي »أوغست ويلسون« (1945ــ2005) الحائز على جائزة بولتيزر للدراما 1987 و1990 يعتبر ويلسون أحد أهم كتاب المسرح الأميركي المعاصرين إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.

وبينما يأتي اسمه في مرتبة قريبة من أسماء مهمة في المسرح الأميركي المعاصر منها أوجين أونيل و آرثر ميللر وتينيسي وليامز، تأتي أهمية أعماله من كونها نقطة تحول في تاريخ المسرح الأميركي خلال القرن الماضي لاسيما في تناولها لموضوع الهوية وتجسيدها الحي لتفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها مواطنوه الأميركيون السود، يرتبط اسم هذا المؤلف بعدد من الأعمال المسرحية المهمة من بينها مجموعة "أوغست ويلسون: ثلاثة أعمال مسرحية".

أمضى ويلسون ستين عاماً من حياة مليئة بالإبداع المسرحي وعلى العكس من غيره من كتاب المسرح الأميركيين الذين لم يستمتعوا بالشهرة في حياتهم تسنى له الاستمتاع بقدر وافر منها وهو ما يعود الفضل فيه إلى موهبته التي أضافت بعداً جديداً للمسرح الأميركي استطاع أن يختزل من خلاله ملحمته الدرامية الشخصية الأكثر تأثيراً في الثقافة الأميركية المعاصرة.

تضم مجموعة، "ثلاث مسرحيات"، أهم ما قدمه هذا المؤلف من أعمال هي "عودة وذهاب جو تيرنر" و"ماريني" و"الأسيجة" الحائزة على جائزة بولتيزر للدراما.

في هذه المسرحيات الثلاث تأمل عميق وبحث في التجربة والموروث الاجتماعي والثقافي الأميركي يمتد ليشمل مساحة كبيرة من بداية القرن العشرين إلى منتصفه مما يستشف من عنوانها ترمز مسرحية عودة وذهاب جو تيرنر، إلى حالة القهر التي ظل يمارسها النظام الاجتماعي الأميركي فترة طويلة من الوقت أما جو تيرنر في حد ذاته فيرمز إلى الإنسان، والعبودية والقهر.

تبدأ أحداث، جو تيرنر، بمغادرة هيرالد لوميس السجن الذي ظل محتجزاً فيه مدة سبع سنوات وبعد خروجه يسعى إلى البحث عن زوجته وابنته وخلال تلك الرحلة تبدأ مغامرته إلى الشمال على أمل الانعتاق من تجربته المقيتة السابقة.

بالتوسع في الأحداث تطال الحبكة عددا من الشخصيات التي يلتقيها بطل ويلسون ومنها بينوم وولكر الشخصية المحافظة التي تتخصص في سرد حكايات الرجال الفقراء الذين يصيبهم الثراء جراء سعيهم الحثيث إليه وغيره من الشخصيات التي تضيف إلى العمل بعداً حقيقياً بجعله يسلط الضوء على الحياة ووعي الذات.

كما يلقي هذا العمل الضوء على مرحلة متقدمة من تاريخ أميركا هي مطلع العشرينات من القرن الماضي، ومرحلة العنصرية الأولى، العبودية والفقر والبحث عن الهوية والهجرة داخل أميركا من الجنوب إلى الشمال. في حين يختار ويلسون بتسبيرغ المكان الذي يقيم فيه ليكون مسرحاً للأحداث.

أما مشكلات الهجرة من الجنوب الزراعي الذي ينوء بمشكلات الفقر والعبودية إلى الشمال الصناعي، الجنة الأكثر رخاءً حيث يتحقق كما تروي الأسطورة حلم الفارين بالثراء والحرية والهوية فهي الموضوعات التي يتناولها ويلسون في كل أعماله تقريباً بالإضافة إلى كونها الموضوعات التي تناولها الكثيرون.

غير أن ما يمتاز به عمله هذه المرة هو إسقاطاته الكثيرة وجنوحه إلى الرمزية حيث الدين وموسيقى الجاز والتاريخ الأشياء الأكثر إشارة إلى الهوية في المجتمع الأميركي الأسود.

مسرحية الثانية "ماريني" تدور في العشرينات عندما يرفع الستار تشاهد مجموعة من الشخصيات تقوم بتجسيد دور فرقة لعزف موسيقى الجاز، يجتمع أفرادها برئاسة ماريني في شيكاغو في أحد الاستوديوهات لتسجيل إحدى أغنيات موسيقى البلوز السوداء.

غير أن هذا المكان يتحول إلى حلبة للصراخ والتشابك بالأيدي بين أعضاء الفرقة وبين المتعهد الأبيض الذي يكتشفون بشكل مفاجئ أنه كان يسعى إلى استغلالهم من خلال تقنياته الموسيقية المتطورة.

نشرت مسرحية "أسيجة" للمرة الأولى في سنة 1986 تقع أحداثها في خمسينات القرن الماضي، حيث تبدأ مأساة بطلها تروي ماكسون الذي يهرب من بيت عائلته في الجنوب.

ماكسون شاب مولود أصلاً في الشمال لأب يعمل في المحاصصة الزراعية إلا أن عائلته تهاجر كغيرها إلى الجنوب سعياً وراء أسطورة الحلم الأميركي.

رغم أن ماكسون يطوف، في أعقاب هروبه من الجنوب ، في أنحاء كثيرة من أميركا سعياً وراء حلم يراوده هو الآخر إلا أن شبح العزلة والرفض يطارد هذا الشاب الذي لا يعتقد أحد بامتلاكه أي نوع من الذكاء أو الموهبة ليعيش متنقلاً من مدينة إلى أخرى إلى لحظة ارتكابه جريمة قتل مدفوعا برغبته الشديدة في البقاء على قيد الحياة.

على الرغم من تدربه على لعبة كرة القدم الأميركية، ومهارته العالية فيها وانتسابه إلى إحدى رابطات اللعبة التي يديرها السود، إلا أن الحلم بصعوده إلى قمة التفوق بالانضمام إلى إحدى الروابط الأميركية الكبرى يظل مستعصياً على التحقق بسبب لون بشرته هنا يعود بطل ويلسون إلى الوراء لكي يسترجع علاقته المتذبذبة مع أبيه الذي لم يستوعب طموحه على الإطلاق على نحو جعله لا يتذكر سوى ضربه الموجع.

تلقي هذه المسرحية الضوء على مرحلة مهمة من تاريخ أميركا، على الصعيد الداخلي في تلك المرحلة لمع نجم لاعب كرة القدم الأميركي، بيب روث، الذي توفي في الثالثة والخمسين، وفي حين تبدو المقارنة بينه وبين ماكسون واضحة تماماً فإن نجم هذا الأخير يلمع عندما يصل إلى سن الثالثة والخمسين، ومع ذلك تحتفظ هذه المقارنة برونقها وقوة تأثيرها عندما يغوص ويلسون في تفاصيل أكثر إثارة.

بينما يمثل روث الشخصية المثالية، يجسد بطل ويلسون شخصية متواضعة أو أقل من العادية، فهو شاب مدمن على الخمر، شهواني محب للنساء، ذو مظهر خارجي خادع وكسول. بالنسبة لويلسون تبدو هذه المفارقة مهمة ومحرضة على المقارنة التاريخية والأخلاقية.

المرحلة التي يتحدث عنها ويلسون، أواخر الخمسينات وبزوغ فجر حركة الحقوق المدنية تتيح الفرصة لبروز تجربة أخرى أكثر مرارة في حياة الأميركيين يتمخض عنها الصراع بين المفاهيم القديمة والجديدة.

إن ماكسون كما يصوره لنا ويلسون شخصية تشعر بالمسؤولية تقف في مواجهة مجتمع لا يشعر بالمسؤولية تجاه مواطنيه، وتحت وطأة الضغوط الكثيرة التي تفرض عليه في هذا المجتمع يتحول إلى شخصية غير مسؤولة متخصصة في إيذاء الآخرين وإن كان هؤلاء من المقربين إليها.

شخصية ماكسون هذه تبدو في حالة تآمر مستمر مع شعوره بالظلم المترتب على خلفيته الاجتماعية وهو ما يتجسد في صورة مرعبة لمجرم سيئ الخلق لا يتوانى حتى عن الإساءة إلى نفسه لا طعم للحياة، أيها الزعيم!.

تفتقت موهبة ويلسون في التأليف المسرحي في السبعينات ومنذ بداياتها شكلت أعماله تحدياً كبيراً للمسرح الأميركي على نحو أكثر شمولاً إذ لم يقتصر ذلك على مناقشة قضايا اجتماعية ذاتية كما نلمس من إلقائه الضوء على حياة المجتمع الأميركي الأسود بل تتجاوز هذه الحدود إلى الانفتاح على قضايا تاريخية وأخلاقية شاملة.

غير أن ما يقدمه ويلسون من شخوص في مسرحياته الثلاث لا يعبر عن الخصوصية المنغلقة على الذات بقدر ما يعبر عن مشكلات إنسانية حيث حياة أبطاله التي ترمز إلى حياة الإنسان العادي وسلوكياته.

كما أنه لا يمكن أن يعبر عما قد يسميه الآخرون ضحايا أو شهداء بقدر ما هو تغلغل عميق في داخل هذه الشخوص، فهو يقتل ماكسون عندما تقترب الأحداث من نهايتها، ثم يترك الكلمة الأخيرة مكتوبة على قبره في حين يترك لنا المجال من أجل التفكير فيما يمكن أن يحمله القبر من كلمات.

* صديقان

عام 1957 تروي وبونو يدخلان الفناء الكبير وهما مستغرقان في النقاش. تروي في الثالثة والخمسين، ضخم الجثة، يداه كبيرتان، غليظتان؛ يبدو أثر كل من جسمه الضخم ولون بشرته واضحاً في وعيه وفي الخيارات التي يفضلها في حياته.

أحد الرجلين، وهو بونو، يلعب دور التابع الذي تفرض عليه العلاقة الطويلة التي ظلت تربطه بصديقه تروي مدة ثلاثين سنة نوعاً من الشعور بالالتزام الذي يعبر عنه من خلال إعجابه الشديد بالوفاء الذي يتمتع به صديقه والصبر الذي يعينه على تحمل أعباء العمل والقوة الجسدية التي يسعى إلى محاكاتها.

كعادته تروي هو الأكثر ثرثرة، والأكثر عدوانية وسوقية في بعض الأحيان، على الرغم من أن لديه القدرة على الترفع عن ذلك. يحمل كل من الرجلين في يده وعاءً لحفظ الطعام ويحمل أو يلف وسطه بمريلة من الخيش ويرتدي بدلة مناسبة للوظيفة التي يقومان بها كعاملي قمامة.

*مشهد من مسرحية "الأسيجة"

الكتاب: ثلاث مسرحيات

الناشر: مطبعة جامعة بتسبيرغ ــ نيويورك 2005

الصفحات: 336 صفحة من القطع الكبير

Three Plays

August Wilson

University of Pittsburgh Press

hardcover 336