مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الباكستاني الأصل نافيذ مصدق أحمد. وهو يشغل منصب المدير التنفيذي لمعهد البحوث السياسية والتنمية في جامعة برايتون بانجلترا. وكان قد نشر سابقاً كتاباً مهماً لقي نجاحاً كبيراً في المكتبات هو: »الحرب على الحرية. كيف هوجمت أميركا يوم 11 سبتمبر ولماذا«. وقد نال عليه أكبر جائزة أدبية في إيطاليا: جائزة نابولي. ثم نشر بعده كتاباً هاماً أيضاً بعنوان: »فيما وراء الحرب على الإرهاب: الاستراتيجية الغربية السرية والصراع على العراق«. وهو الآن ينشر كتاباً ثالثاً لكي يواصل أبحاثه السابقة ويكملها عن هذا الموضوع المعقد والمتشعب.
نلاحظ أن الكتاب، في هيكليته العامة، مؤلف من مقدمة وستة أجزاء وهوامش عديدة في النهاية. وكل جزء يتفرع إلى عدة فصول أو فقرات. الجزء الأول يحمل العنوان التالي: الجغرافيا السياسية للإرهاب. وفيه يتحدث المؤلف عن أفغانستان بصفتها معقلاً للإرهاب الدولي منذ سنوات عديدة: أي منذ احتلال الجيش السوفييتي لها وتقاطر أفواج المجاهدين عليها من شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي.
كما يتحدث المؤلف هنا عن الإرهاب وفن الحكم، ثم عن المحور الانجليزي ــ الأميركي الذي حمى أسامة بن لادن في أفغانستان ومده بالمعونة التكنولوجية. ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن المملكة العربية السعودية بصفتها قاعدة للجهاد ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ثم بصفتها لبن لادن وعائلته وامبراطوريته المالية. وبعدئذ يتحدث المؤلف عن باكستان بصفتها القاعدة السياسية والسلطوية التي دعمت بن لادن بالرجال والعتاد. ومعلوم أن المخابرات العسكرية الباكستانية هي التي كانت توجهه بالتعاون مع المخابرات المركزية الأميركية.
وأما الجزء الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة سبب فشل المخابرات الأميركية في الاستباق على ضربة 11 سبتمبر وتحاشيها. وهنا يرى المؤلف أن الفشل كان ذريعاً بالنسبة لأكبر جهاز مخابرات في العالم. والسبب هو ثقته العمياء بحلفائه العرب والباكستانيين. فما كانت أميركا تتوقع أن تجيئها الضربة من حلفائها السابقين أثناء حرب أفغانستان. ولهذا السبب نجحت الضربة كل النجاح. »فمن مأمنه يؤتى الحذر« كما يقول المثل العربي. ثم يربط المؤلف بين فشل المخابرات الأميركية وفشل السياسة الخارجية الأميركية بالذات.
أما الفصل الثالث من الكتاب فقد كرسه المؤلف للتحدث عن فشل الدفاع الجوي الأميركي صبيحة 11 سبتمبر. فقد بدا أن النظام الأمني لأكبر قوة عظمى في العالم مشلولاً.
وفي الجزء الرابع من الكتاب يتحدث المؤلف عن الحرب التي لا نهاية لها ضد الإرهاب. ثم يستعرض الخطوط العريضة للاستراتيجية الأميركية الجديدة. ثم ينتقل في الجزء الخامس لكي يتحدث عن فشل لجنة التحقيق التي أمر بها الكونغرس والبيت الأبيض لمعرفة الحقيقة عن 11 سبتمبر.
وفي الجزء السادس والأخير من الكتاب يتحدث المؤلف عن الإرهاب والاستراتيجية التاريخية.
ونلاحظ أنه ينتقد بعنف اللجنة الأميركية التي قدمت تقريراً عن ضربة 11 سبتمبر في آلاف الصفحات. وهو يرى أنها لم تقل الحقيقة بل أعلنت حرباً على الحقيقة لطمسها. وكل ذلك لكيلا تحرج أصدقاءها. فالواقع أن الذين ضربوها، بحسب أقوال المؤلف، ليس أعداءها وإنما أقرب الحلفاء إليها.
في كتابه السابق »الحرب على الحرية« كان المؤلف قد هاجم الحركات المتطرفة لأنها تعادي الحرية والقيم الإنسانية الحديثة. وهو هنا يهاجم الولايات المتحدة والغرب كله لأنهما تحالفا يوماً ما مع أعداء الحرية.
ثم يستعرض الباحث الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأميركية منذ عهد ريغان وحتى اليوم. وهو يرى أن هذه السياسة اليمينية التي تحالفت مع الدول الأصولية هي السبب في خراب أميركا أو في ضربة 11 سبتمبر لكي نكون أكثر دقة.
إنه يحمل حملة شعواء على هذه السياسة الهوجاء التي ساعدت الأصوليين والمتطرفين في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي بدلاً من أن تساند القوى التقدمية والتنويرية. هذه السياسة الخارجية الخاطئة من أساسها هي المسؤولة ليس فقط عن 11 سبتمبر وإنما أيضاً عن كل الضربات الإرهابية السابقة التي أصابت أميركا.
ويفتتح المؤلف كتابه بالحديث عن مؤتمر ضخم انعقد في مدينة القدس لمكافحة الإرهاب العالمي. وقد دعا إليه الإسرائيليون واجتمعت فيه النخبة السياسية والثقافية الأميركية والأوروبية والإسرائيلية بطبيعة الحال. وكان الهدف منه بلورة مشروع عريض لمكافحة الإرهاب العالمي. ومن بين المجتمعين يذكر المؤلف اسم جورج بوش الأب، وكان آنذاك مديراً للمخابرات المركزية الأميركية. هذا بالإضافة إلى شمعون بيريز وآخرين.
واتفق المؤتمرون كلهم على أن مصدر الإرهاب العالمي هو دولة وحيدة في العالم: الاتحاد السوفييتي. وقالوا: ينبغي أن نحارب هذه الدولة بكل الوسائل حتى ولو تحالفنا مع ألد أعداء الديمقراطية ومع أكثر الأنظمة قمعية ويمينية.
ومعلوم أن رونالند ريغان كان قد أعلن آنئذ الحرب على امبراطورية الشر، أي الاتحاد السوفييتي. ورفض أن يرى الإرهاب في أي مكان آخر إلا في ذلك البلد. ثم دعا الأجهزة الغربية إلى التحالف مع القوى الأصولية في كل البلدان العربية والإسلامية من أجل دحر الاتحاد السوفييتي وإسقاطه إذا لزم الأمر.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
والواقع أن تورط الجيش الأحمر في أفغانستان كان بمثابة نعمة كبيرة بالنسبة لليمين الحاكم في واشنطن. فقد استغل الفرصة لإيقاع الهزيمة المنكرة بالاتحاد السوفييتي هناك. ولهذا السبب تحالفت الأجهزة الأميركية مع القوى الأصولية على الرغم من الخلاف العقائدي الكبير بين الطرفين. ولكن بما أن العدو مشترك فإنهما نسيا خلافاتهما.
ثم سار جيمي كارتر على الخط نفسه بعد ريغان على الرغم من أنه ديمقراطي ليبرالي وليس يمينياً متشدداً على طريقة سلفه. ووضع زبينيو برزنسكي خطة محكمة لتوريط الاتحاد السوفييتي بشكل أكثر في أفغانستان.
وكانت هذه الخطة تقتضي بأن تدفع السعودية الأموال للمجاهدين، وأن تزودهم أميركا بأحدث أنواع الأسلحة وبخاصة صواريخ ستينجير لإسقاط الطائرات الروسية، وأن تتكفل باكستان بتقديم الدعم المخابراتي والعسكري واللوجستيكي.
وهكذا تحالفت ثلاث قوى كبرى على الاتحاد السوفييتي معتبرة أن الخطر الشيوعي هو أكبر الأخطار. وفي ذلك الوقت صعد نجم بن لادن وراح يؤسس القاعدة التي ستشعل العالم بعدئذ. وبالتالي فأميركا مسؤولة عن صعود هذا الرجل الخطير الذي وجه لها لاحقاً أكبر ضربة إرهابية في تاريخها.
ولا يحق لأميركا أن تلوم إلا نفسها وسياستها الرعناء في أفغانستان. والواقع أن بعض قادة المخابرات المركزية الأميركية انتبهوا إلى خطأ النهج الذي تتبعه حكومتهم في تحالفها مع الأصوليين المتطرفين. ورفعوا تقارير إلى الكونغرس بهذا الشأن. وعندئذ استجوب الكونغرس بعض أعضاء الحكومة عن الموضوع. فردوا عليه قائلين: هذه أشياء ثانوية ولا أهمية لها. المهم أن تنزل الهزيمة بعدونا التاريخي: الاتحاد السوفييتي. وكل ما عدا ذلك تفاصيل.. الأصولية ضعيفة، الأصولية ليست خطراً علينا.
ثم يردف المؤلف قائلاً: حقاً لقد عميت أميركا عن رؤية الخطر الذي يحدق بها. ولم تعرف الوجه الحقيقي لبن لادن أو قل لم تكتشفه إلا مؤخراً: أي بعد فوات الأوان.
والواقع أن مسؤول المخابرات المركزية الأميركية في أفغانستان شعر بهذا الخطر عندما قابل قلب الدين حكمتيار وبعض القادة المتشددين الآخرين. وعرف أنه يكره الغرب وحضارته كرهاً شديداً. وتساءل: كيف يمكننا أن نتحالف مع أشخاص متزمتين ومتطرفين كهؤلاء؟ أليست سياستنا كلها خطأ في خطأ؟ أليس هؤلاء أخطر علينا من الشيوعيين؟.
ولكنه لم يستطع أن يقنع حكومته بصواب رأيه بعد أن أرسل إليها عدة تقارير مفصلة عن الموضوع. كلهم قالوا له: هذه أشياء ثانوية تلهينا عن المعركة الأساسية والعدو المركزي. فنرجوك لا تشغلنا بهذه الاعتبارات الصغيرة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: إن الرئيس جورج بوش الابن هو الذي أعلن الحرب الشاملة على الإرهاب العالمي متمثلاً بالقاعدة وشخص بن لادن! وكان أبوه قبل ذلك التاريخ بثلاثين سنة قد أعلن الحرب على الإرهاب العالمي متمثلاً بالشيوعية والاتحاد السوفييتي ودعا إلى دعم بن لادن وكل الأصوليين في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي.. وهكذا انقلبت الآية رأساً على عقب.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
لم تنتبه أميركا إلى الخطأ الجسيم الذي ارتكبته إلا بعد أن غدر الأصوليون بها صبيحة 11 سبتمبر. عندئذ عرفت ماذا اقترفت يداها طيلة سنوات وسنوات. فالواقع أن دعم الولايات المتحدة للحركات الأصولية المتطرفة لم يستمر فقط طيلة الحرب الباردة وإنما بعدها أيضاً.
وعلى الرغم من الضربات الإرهابية التي أصابتها عام 1993 وفي مركز التجارة العالمي بالذات إلا أنها ظلت تتعامل مع المنظمات الأصولية. ويبدو أن بل كلينتون يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال.
فما دامت أسعار البترول معقولة، وما دامت صفقات الأسلحة الضخمة مع السعودية وسواها متواصلة، فإنه راح يغض الطرف عن دعم بعض الدول والجمعيات الخيرية للمتطرفين. وهذا ما أدى إلى قوتهم أكثر وتزايد شعبيتهم وإمكانياتهم.
وفي الختام يرى المؤلف أن على أميركا أن تغير سياستها الخارجية كلياً. لا ريب في أنها ابتدأت تفعل ذلك بعد ضربة 11 سبتمبر مباشرة. ولكن ذلك لا يكفي. فمحاربة الإرهاب لن تكون فقط بالحديد والنار وإنما أيضاً بالتنمية وتقليص شرائح الفقر والجوع في العالم.
وبالتالي فالحرب العسكرية أو المخابراتية لا تكفي للقضاء على هذه الظاهرة الضخمة التي أصبحت في حجم العالم. وإنما ينبغي أن ترافقها حرب شاملة على سوء التنمية والجهل والمرض والتخلف في كل أنحاء العالم الإسلامي. وعندئذ لن يعود الناس يتبعون المتطرفين أو يتعاطفون معهم كما يفعلون حالياً.
الكتاب: الحرب على الحقيقة
المعلومات الكاذبة عن 11 سبتمبر وتشريح بنية الإرهاب
الناشر: أريس بوكس ــ لندن 2005
الصفحات: 459 صفحة من القطع الكبير
THE WAR ON TRUTH
9/11, DISINFORMATION AND THE ANATOMY OF TERRORISM
NAFEEZ MOSADDEQ AHMED
ARRIS BOOKS – LONDON 2005
P. 459
