تعتبر قضية المياه مثار صراع منذ الأيام الغابرة، حيث كان الحل والترحال بحثاً عن الماء والكلأ، ومع ظهور الدولة القومية والحدود السياسية، وبروز مشكلات متعددة ومتنوعة تبعاً لأهمية المكان وإمكاناته وقدراته وموارده، تطورت أشكال البحث عن المياه وتعددت أساليب السيطرة عليها، لذلك بات على الشعوب والدول ذات الحاجة أن تدرك أهمية المياه في حياتها ومستقبلها وتصرفاتها داخلياً وخارجياً، فالمياه عنصر استراتيجي قد يوظف لخدمة السياسة،

ومن يملك مصادره، يملك مصادر التأثير في ظل غياب منظمات وتشريعات وقوانين ومعاهدات دولية تحكم الدول النهرية مثلاً وتوضح حقها في المياه، وهذا ينطبق تماماً على مياه نهر النيل، إذ لا يزال بدون نظام قانوني ومؤسسي يستوعب كل دول الحوض.. مما يثير السؤال الأكبر، هل ما يطبق على النيل مجرد مبادئ من القانون الدولي العرفي؟ وألا يحتاج الاتفاق الذي أبرم بين مصر والسودان عام 1959 لإعادة النظر؟

الدكتور فيصل عبد الرحمن علي طه، مؤلف الكتاب، يعمل حالياً مستشاراً قانونياً بدولة الإمارات العربية المتحدة، حصل على الماجستير والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة كامبردج بإنجلترا، رئيس قسم القانون الدولي والمقارن بجامعة الخرطوم سابقاً، صدرت له كتب عدة كالقانون الدولي ومنازعات الحدود، نزاع الحدود السوداني الإثيوبي «باللغة الإنجليزية» الحركة السياسية السودانية والصراع المصري ـ البريطاني بشأن السودان..

وغيرها من الكتب والمقالات التي تخص في أغلبها المجالات القانونية والدولية ، وهذا ما يؤكد على أهمية الكتاب من حيث التناول والقدرة على البحث والتقصي، وبلورة الإجابات الدقيقة عن المناحي القانونية لقضية المياه.

وانطلاقاً من هذا كله، يؤكد المؤلف أن عدم وجود نظام قانوني متفق عليه بين دول حوض النيل لا يعني غياب القواعد القانونية الواجبة التطبيق على النيل، فكأي مجرى مائي دولي آخر تنطبق على النيل مبادئ القانون الدولي العرفي المقررة لمثل هذا النوع من المجاري.

وقد دونت بعض المبادئ في اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 مايو 1997، وفي أول نزاع بشأن مجرى مائي دولي يعرض عليها.

أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مشروع غابتشيكوف ـ ناغيماروس كمبدأ من مبادئ القانون الدولي العرفي، الحق الأساسي لكل دولة مجرى مائي دولي في حصة منصفة ومعقولة من موارد المجرى المائي الذي تشاطئه.. ومع هذا يؤكد الدكتور فيصل في كتابه أن مياه النيل لا تزال محل خلاف وتنازع،

وهو خلاف قانوني يتمحور حول المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمت بشأن النيل إبان فترة النفوذ الأوروبي في إفريقيا، وأيضاً حول الاتفاق الذي أبرم بين مصر والسودان في عام 1959 «للانتفاع الكامل بمياه النيل» إذ تعيب دول المنابع على هذا الاتفاق أنه تم بدون استشارتها، وقسم كل إيراد النيل بين مصر والسودان دونما اعتبار لاحتياجاتها.

ولكن للإنصاف يوضح د. فيصل إن الاتفاق ترك الباب مفتوحاً أمام هذه الدول للمطالبة بتخصيص حصص مائية لها.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فالكتاب يعالج السياق التاريخي والقانوني لمياه النيل في تسعة فصول إضافة للمقدمة وملاحظات ختامية، يعرض في الفصل الأول وصفاً عاماً لمنابع النيل الإثيوبية والاستوائية

وفي الفصل الثاني المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمت ابان فترة النفوذ الأوروبي إفريقيا لحماية منابع النيل، كما يبين موقف دول الحوض المستقلة من تلك الاتفاقيات والمعاهدات ومدى اتساق تلك المواقف مع مبادئ القانون الدولي المتعلقة بخلافة الدول في المعاهدات.

الفصل الثالث أفرد لبيان وجهات النظر التي طرحت في المفاوضات التي دارت بين مصر والسودان بشأن مياه النيل في الفترة من سبتمبر 1954 إلى إبريل 1955م، ويعرض هذا الفصل أيضاً للأزمة الحادة التي نشبت بين مصر والسودان في عام 1958 حول ري الامتداد الجديد لمشروع الجزيرة «امتداد المناقل» تلك الأزمة التي أوصلت العلاقات النيلية بين البلدين إلى طريق مسدود بسبب إلغاء السودان من طرف واحد لاتفاق عام 1929.

يتناول الفصل الرابع اتفاق عام 1959 بين مصر والسودان «للانتفاع الكامل بمياه النيل بالتفصيل، ويتطرق إلى موقف دول الحوض الأخرى من الاتفاق، ويغطي الفصل الخامس الاجتماعات الفنية غير الرسمية التي عقدتها اللجنة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل مع ممثلي حكومات شرق إفريقيا في الستينات بينما يتطرق الفصل السادس إلى النظريات الأربع التي تطرح عادة كأساس لقانون المجاري المائية الدولية.

خُصص الفصل السابع لعرض تاريخ اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997، وتوضيح صفتها الإطارية وتعريفها للمجرى المائي وأثرها على اتفاقات المجاري المائية القائمة، كما ينظر هذا الفصل في أحكام حماية النظم الأيكولوجية، وأحكام تسوية المنازعات التي نصت عليها الاتفاقية.

ويناقش الفصل الثامن المبادئ العامة المنصوص عليها في الاتفاقية، وهي مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، والالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والالتزام بالإخطار المسبق بشأن التدابير المزمع اتخاذها على مجرى مائي دولي، والالتزام بالتعاون.

الفصل التاسع والأخير يتتبع المراحل التي مرت بها مسيرة التعاون بين الدول المتشاطئة للنيل، وتشمل هذه المراحل مشروع الأبحاث الهايدرومترولوجية بحوض البحيرات الاستوائية، وتجمع الأندجو «الإخاء» ولجنة التعاون الفني لترقية التنمية والحماية البيئية لحوض النيل، ومبادرة حوض النيل.

تضمنت الملاحظات الختامية أهم القضايا التي عالجها الكتاب وبعض الآراء والنتائج المستخلصة، كما تضمنت الملاحق وثائق يكشف عن بعضها النقاب لأول مرة، كالمذكرات التي تم تبادلها في 18 مارس 1902 بين المعتمد البريطاني في أديس أبابا ومستشار الإمبراطور منليك الثاني، واشتملت على تعهد الإمبراطور بعدم التدخل في مياه النيل الأزرق وبحيرة تانا إلا بعد التشاور مع الحكومة البريطانية وحكومة السودان.

وكذلك المذكرة البريطانية بتاريخ 11 أغسطس عام 1959 بشأن مطالبة أقاليم شرق أفريقيا بحصة من مياه النيل. كما تضمن الكتاب مجموعة من المراجع تم ذكرها بالتفصيل الأمين والدقيق، إضافة إلى خرائط تدعم البحث.

محمود أبو حامد

الكتاب: مياه النيل.. السياق التاريخي والقانوني

الناشر: مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي الخرطوم 2005

الصفحات: 276 صفحة من القطع الكبير