السفن والريح ـ الكتاب النقدي الأول للقاص والروائي السوري عبد الإله الرحيل، بعد عدد من الروايات والمجموعات القصصية، إذ يقدم فيه قراءة نقدية لعدد من الروايات العربية، لكل من حنا مينا وغادة السمان وحيدر حيدر وعبدالرحمن منيف وفارس زرزور وأحمد إبراهيم الفقيه وواسيني الأعرج ومحمود سلامة وحليم بركات ورشاد أبو شاور وفاضل العزاوي وفتحي غانم ومحيي الدين زنكنة وغائب طعمة فرمان وإلياس الديري.

إلا إنه في هذه القراءة التي يسميها (انطباعية) يحاول أن يبين الارتباط الحتمي بين رؤية الروائي لواقعه وللحياة وللوجود، وبين تعبيره الفني عن تلك الرؤية، ففي قراءته لثلاثية حنا مينا (حكاية بحار ـ الدقل ـ المرفأ البعيد) يتابع سير بطلها «سعيد حزوم» الذي لا تثنيه أية مصاعب في عملية بحثه عن أبيه الذي فُقد في ظروف غامضة، ومن تعلقه بامرأة كانت في ما مضى عشيقة أبيه، هذه السيرة التي يسميها عبد الإله الرحيل مسيرة مريرة عبر أكثر من أربعين سنة، أرّخ لها حنا مينا روائياً من أواسط ثلاثينات القرن العشرين وحتى تخوم السبعينات منه.

إنها بعبارة أخرى، مسيرة تأكيد لوجود الإنسان في خضم الحرب والأزمات والمجاعة والضياع النفسي الذي هو محصلة لضياع سياسي سببه الاستعمار في سوريا، لقد كان الهم الكبير لثلاثية حنا مينا أن تطرح فكرياً وفنياً قضيتين على غاية من الأهمية. 1ـ البحث عن الأب أولاً، بما يحمله من رموز ودلالات. 2 ـ الصراع حول المرأة ثانياً، بما تحمله أيضاً من رموز ودلالات.في قراءته لأدب غادة السمان يعتبر أن نقطة الانعطاف الكبيرة كانت مع روايتها «بيروت 75» وإن قال بعضهم إنها توقفت عندها ولم تستطع أن تتعداها.

لتجيء روايتها الكبيرة «كوابيس بيروت» فتنفي ذلك، بل تؤكد تطورها في عالم الرواية والأدب بوجه عام، حيث اعتمدت في روايتها على حضور التجربة ومعايشتها بكل أحاسيسها أو بكل ذرة من أحاسيسها ووجدانها، إذ تبدأ كوابيس بيروت بحركة سريعة، وهي إخراج الأطفال والعجائز من البيت إلى الحديقة، ثم إلى بيت بعض الأقارب بواسطة سيارتها العتيقة التي قد ثقب الرصاص زجاجها الأمامي عند موضع رأس السائق.

ولما تمّ ذلك عادت مع أخيها شادي إلى البيت لتلعب دور السجناء. لقد جاءت روايتها للواقع موازية للأساطير، ومن هنا فإن الكابوس (الغاديوي) جزء لا ينفصل عن نسيج الواقع قبل أن يتحول على صعيد الذاكرة والمخيلة، أو الشعور واللاشعور، أو الفعل والجنون، أو النوم واليقظة. أما البنية الفنية لكوابيس بيروت فإن هيكلها المأساة التي تعتمد على شفافية النثر وصدق المعاناة.

بعكس حيدر حيدر الذي بنى روايته «الزمن الموحش» على المباشرة السياسية، رغم أنها جاءت محمولة بعمل روائي ولغة شاعرية، كان حيدر فيها يسعى وبإخلاص إلى التغيير الثوري الحقيقي في كل مناقب الحياة التي نعيشها. حيث لا يمكن تبويب الرواية ضمن أي منهج من المناهج المتعارف عليها.

فلقد أراد أن يغيّر في الشكل الروائي انسجاماً مع التغيير الحياتي، فإذا كان قد بدأ روايته بمراسيم الدفن مستعيراً ذلك من أحد الشعراء الأفارقة، فلقد أنهاها بولادة طفل من «منى» حيث جاء «كتلة من اللحم والدم الممزق لا علاقة له بالآدميين. قد ولدت الأرض المطعونة طفلاً عليل الجسد عليل النفس».

فإذا كانت البداية مراسيم دفن من القارة الإفريقية، وفي آسيا ولادة عليلة. فإن السؤال الذي يصرخ في وجوهنا جميعاً دون استثناء: متى تكون الولادة حقيقية وصحيحة؟

ربما عبدالرحمن منيف في «هنا الآن.. شرق المتوسط مرة أخرى» يستطيع الإجابة عن مثل هكذا سؤال حين يقول بطله السجين السياسي بعد أن صدئ الجسد وليس الروح وراء القضبان: حين بدا موتي وشيكاً أطلقوا سراحي. يقول الرحيل: أظهر المنيف أبطاله لنا وهم في لحظة حرجة، لا يحملون سلاحاً، وليس في استطاعتهم أن يقاوموا حتى بأيديهم، إنهم في لحظة العراء أمام الآخرين، وليس أمام الذات.

وهذه الحالة هي الأكثر تعقيداً والأكثر صعوبة، فحالة العراء التي وجدت شخصيات الرواية نفسها في دائرتها، ولم تخترها، وإنما فرضت عليها ـ وهم لهذا ـ حافظوا على صلابتهم، على الرغم مما خضعوا له من صنوف التعذيب، ولذا فإنهم لم يكونوا عراة أمام ذواتهم.

وهذا ما يؤكد عليه الرحيل في قراءته لرواية «حسن جبل» لفارس زرزور حين يعتبر أن الحدث الروائى في «حسن جبل» يتركز أو يكاد، في أن الإنسان ما زال مركز الكون، وعلى هذا يصبح الرصاص والدم والتشرد عناصر تضيء الجانب الآخر من الإنسان العادي في مجتمعنا والذي يفكر ويعمل من أجل الحرية. إن التنهيدة التي تخرج من قلب حسن جبل، أو قلب محمد قاديش، أو حسن الخراط، أ، أي ثائر آخر، ما هي إلا تنهيدة تعني التخفف من المأساة بعد خروج المستعمر وتأميم المعامل.

أي خروج المستعمر ـ والرحيل قد تتبع آثاره في ثلاث روايات لواسيني الأعرج هي: وقائع من أجل أوضاع رجل غامر صوب البحر، وما تبقى من سيرة لخضر حمروش، ونوار اللوز. وهي روايات حسب رأيه تندرج في التصنيف النظري لمعنى الثورة، تحاول جاهدة أن تزاوج بين النظرية الثورية والممارسة الثورية، اعتماداً على المبدأ الشهير أن لا ممارسة ثورية دون نظرية ثورية، إذ وصلت الجزائر ـ بلد الكاتب إلى حالة من التدهور في ظل الاستعمار الفرنسي، وهو يراقب هذه الحالة أنه قضى نهائياً على الشخصية القومية.

لكن إلى جانب هذا هناك ثمة هاجس يكاد يكون وحيداً في روايات الأعرج هو الشهداء، شهداء الثورة الجزائرية الذين استطاعت الجزائر بفضل دمائهم أن تنال حريتها واستقلالها. وذلك لا ينضوي تحت مقولة التاريخ لهؤلاء الشهداء، وبطولاتهم، إذ أن ذلك يمكن للبحث الوثائقي أن يعنى بهم،

ولكن بمعنى الانعطافة التاريخية التي انتقلت بالجزائر من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الحكم الوطني، ثم التركيز الذي يصل إلى حدود البحث الميكروسكوبي إلى الآخرين الذين استطاعوا أن يستفيدوا بطريقة أو بأخرى من الثورة الجزائرية ومكاسبها، دون أن يكون لهم شرف المشاركة في الثورة الجزائرية إبان قيامها.

ومع ان هذه القضية تأخذ حيزاً كبيراً من وجدان الكاتب، إلا انها لا تصل به إلى مقولتي الصراع الطبقي والمرأة التي ترمز إلى الوجود بكافة ابعاده. وهنا يؤكد الرحيل على ان روايات الأعرج تمتح أحداثها من المنحى الذهني، لكنه المنحى الذي يتمتع بالخصوبة والغنى، بخلاف تلك الرواية التي كتبها محمود سلامة بعنوان (البوح المر) التي كتب د. فيصل دراج في مقدمتها: انها رواية وثيقة تحتضن الزمن الوطني في ذاكرة مؤرقة وتخبر عن الإنسان ـ عنه تجربة الإنسان العادية الذي يجرب الكتابة الروائية بعيداً عن الكتابة الصنعة.

ولكن الصحيح حسب الرحيل، ان الروائي قدم تجربته الأولى ليؤكد لنا ان الحياة دون حب حقيقي انما تعني الموت، أو ان أردنا التخفيف من اللهجة القاسية فإننا نقول: انها حياة هامشية، وساكنة مثل الموت. لكن ليس اي موت حين يصنعه الانتهازيون الذين يملأون رواية (زينب والعرش) لفتحي غانم فيتساءل الرحيل بأن فتحي غانم ماذا أراد ان يقول في ثورة تموز من خلال روايته «زينب والعرش» وعبدالناصر كان لا يزال في الحكم.

ان فتحي غانم في هذه الرواية كان يحاول ان يركز على شريحة معينة من الناس ليصف عالمهم الانتهازي، وكيف يلبسون لكل طقس ثيابه، ويتخذون لكل حفلة عطورها. فإذا كان عالم رواية (زينب والعرش) يريد ان ينقد عالم الانتهازية، فانه يتوسل حتى بالأشواك ليهدم الانتهازيين في عالم الصحافة، وإذا كانت مقولة: ان الانتهازي كالقرد، حين يصل يعطيك قفاه ـ صحيحة. فإنها ستبدو ساطعة أكثر عندما نتابع مسيرة عبدالهادي نجار في الرواية، حيث يمكن ان نصفه بالرجل المخضرم، الذي استطاع ان يقطف ثمار البرجوازية في عهد الملكية في مصر،

وان يقطف ثمار الثورة في عهد ثورة تموز، وكأني بـ «بول إيلوار» عندما قال: أنهم يبذلون قصارى جهدهم ليبقوا وحدهم على الأرض ـ فإنه لم يقل ذلك إلا لأمثال عبدالهادي النجار، هذا النموذج المتألق للمقولة المشهورة: أنا ومن بعدي الطوفان. فلقد تنكّر لشقيقه، وكذلك لإخوته، ولكنه بدافع الخجل توسّط لإخراج شقيقه من المعتقل السياسي. إنه ابن لرجل عشق المظاهر، لكن ذلك الأب مات، وعبدالهادي ارتمى في أحضان البرجوازية ليكون صحافياً تدرج في عمله حتى أصبح رئيس تحرير لجريدة «العصر الجديد».

إلا أنه بقي تابعاً ـ فهو مثقف إن صحّت التسمية، لكنه تقليدي يخدم الطبقة التي صنعته، وبالتالي يخدم نفسه بعالم المال والليل والنساء. إنه نموذج متألق يلعب بكل الأوراق، لكنه يظل محتفظاً بورقة أخيرة عليها أن تربح، إن هبّت الريح لمصلحة مدكور باشا فهو معها، وإن كانت ضده، فإنه ينحني لتمر العاصفة، وبعدها يخرج من العاصفة مزهواً بانتصاره. ترى، هل يحق لنا بعد ذلك أن نتساءل بحسرة: أنه كلما كان المرء أكثر تفاهة كان أسرع في بلوغ أهدافه؟

أنور محمد

الكتاب: السفن والريح/ دراسة نقدية

الناشر: دار الرائي ـ دمشق 2005

الصفحات: 264 صفحة من القطع الكبير