مؤلف هذا الكتاب هو الناقد الأميركي جون تشارلز تارفير المختص بدراسة الأدب الفرنسي. وهو هنا يقدم دراسة شاملة ومطولة عن أعمال فلوبير وحياته ومراسلاته. ومنذ البداية يقول بما معناه: ولد غوستاف فلوبير في مدينة روان عام 1821. وكان والده طبيباً ورئيساً لمستشفى المدينة. وكانت عائلته بورجوازية غنية ولذلك فقد وظفت خادمة للاهتمام به. وقد عاشت معه طيلة حياته كلها، بل وماتت بعده بثلاث سنوات.
وهي التي صورها أجمل تصوير في روايته: قلب بسيط. وفي عام 1829 عندما كان عمره ثمانية أعوام فقط ابتدأ يكتب نصوصه الأولى. وهي نصوص طفولية بالطبع ولها أهمية تاريخية فقط. وقد صور أجواء المدرسة عام 1832 على النحو التالي: كان زمناً من الضجر الذي لا يوصف. وفي عام 1833 قام برحلاته الأولى مع عائلته إلى منطقة النورماندي، ثم إلى فرساي العاصمة الملكية لفرنسا، ثم إلى باريس العاصمة الثانية.
وفي عام 1835 كتب نصاً بعنوان: رحلة إلى الجحيم. ثم أمضى عطلته الصيفية مع عائلته عام 1836 في مدينة ساحرة تقع على شاطئ البحر وتدعى تروفيل. وهي مجاورة لمدينة دوفيل الأكثر شهرة منها حيث يوجد الكازينو الشهير. وهناك التقى بالمرأة التي سيحبها طيلة حياته كلها. وقد خلدها في روايته «التربية العاطفية» تحت اسم: ماري آرنو. وقد تحدث عن هذا اللقاء التاريخي مرة واحدة في نص بعنوان: مذكرات مجنون.
وفيه يقول: لم أحب إلا مرة واحدة في حياتي بشكل عاطفي ولهان، كما قلت لك. وكان عمري خمسة عشر عاماً فقط.ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1839، أي في الثانية عشرة من عمره فصلوه من درس الفلسفة فكتب يقول لأحد أصدقائه: لا تتوهم أني حائر ومتردد فيما يخص اختيار مهنتي في المستقبل.
في الواقع أنه لن تكون لي أي مهنة! إني عاجز عن العمل. وذلك لأني أحتقر البشر إلى درجة أني لا أستطيع أن أفعل لهم خيراً أو شراً. وعلى أية حال فسوف أدرس في كلية الحقوق وأتخرج كمحام. ولكني لن أشتغل في مهنة المحاماة إلا إذا طلبوا مني الدفاع عن مجرم كبير. وأما فيما يخص الكتابة، فإني أراهنك على أني لن أصبح كاتباً ولن أطبع حرفاً واحداً.
ولكننا نعلم أنه طبع أجمل الروايات وأصبح أشهر كاتب في عصره. وبالتالي فمن هذه الناحية لم تصدق نبوءته.
وفي عام 1840 نال غوستاف فلوبير شهادة البكالوريوس فكافأه والده على ذلك عن طريق إرساله في رحلة إلى جزيرة كورسيكا الجميلة. وفي الطريق إليها توقف في مدينة مرسيليا. وهناك تعرف على امرأة أكبر منه سناً.. وقد خلَّد هذا اللقاء في نص بعنوان: ذكريات، ملاحظات، أفكار حميمية.
ثم سجل نفسه في كلية الحقوق في باريس لكي يصبح محامياً، ولكي يدخل في سلك الدولة والتوظيف. ومعلوم أن العائلات البورجوازية الفرنسية كانت ترغب في أن يتخرج أبناؤها من تلك الكلية الشهيرة الموجودة في الحي اللاتيني في جامعة السوربون.
ولكنه لم يكن متحمساً لهذا الاختصاص أبداً. وكان يشعر بالضجر باستمرار بسبب المواد الجافة لعلم الحقوق والقوانين والتشريعات. ولذلك كتب يقول في رسالة إلى أحد أصدقائه:
إني أحتقر دراسة الحقوق فعلاً. وكل ما يهمني الآن هو أن أدخن غليوني وأنا مستلق على ظهري وأراقب السحابات المارة في المساء. لا، لن أكون قاضياً، ولا وزيراً، ولا سفيراً ولا أي شيء.
وعندما سمع بزواج صديقه الحميم الفريد لوبداتفان كتب إليه يقول: أعتقد أنك ارتكبت خطأ كبيراً، تماماً كما يحصل عندما تقوم بعمل ما، أي عمل كان ... فهل أنت واثق، يا صديقي العزيز، من أنك لا تخون مبادئك في الحرية ولا تصبح بورجوازياً كبقية الناس؟ كنت دائماً أفكر فيك عندما أفكر في الفن. ولذلك فأنا حزين الآن لأنك تزوجت ودخلت في حياة الاستقرار.
ولكن ليكن ما يكون! وعلى أية حال فأنا موجود دائماً وبإمكانك أن تتصل بي في أي لحظة. ولكن هل أنت موجود؟ وهل أستطيع أن أراك عندما أريد؟ أشك في ذلك بعد الآن.
وبعد سنتين من ذلك التاريخ مات صديقه ... ولكن قبل ذلك كان أبوه الدكتور فلوبير قد مات هو الآخر أيضاً ومعه ابنته كارولين التي كانت متزوجة حديثاً والتي خلفت وراءها طفلة صغيرة رباها عمها الأديب.
وهكذا تراكمت الأحداث وتوالت على كاتبنا الكبير أو الذي سيصبح كبيراً عما قريب بفضل هذه الأحداث المأساوية بالذات.
فالمآسي هي التي تصنع الرجال والكتَّاب الكبار.
وفي أثناء ذلك كان قد تعرف على المرأة التي ستصبح عشيقته لسنوات طويلة: لويزكوليه. وكانت في السابق عشيقة الشاعر الكبير: الفريد دوموسيه.
ثم لا ينبغي أن ننسى حدثاً مهماً حصل له في تلك الفترة: وهو إصابته بأزمة نفسية أو عصبية خطيرة. وسوف يكون لها انعكاسات كبرى على حياته اللاحقة. وربما هي التي جعلت منه الكاتب الكبير الذي نعرفه. فالواقع أنه ستتلوها أزمات أخرى أو هزات على مدار حياته. وسوف تكون الكتابة العلاج الوحيد والدواء.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
وقد ابتدأ فلوبير كتابة روايته «إغراء القديس أنطوان» عام 1848: أي وعمره سبعة وعشرون عاماً فقط. وعندما أنهاها في العام التالي وقرأها على صديقيه الأثيرين مكسيم دوكامب ولويس بويهيه قالا له: من الأفضل أن ترميها في النار وألا تتحدث عنها بعد اليوم أبداً!
ومعلوم أنها أصبحت فيما بعد إحدى رواياته المهمة. ولكن لم يفهمها أحد في وقتها. وفي شهر أكتوبر من عام 1849 ابتدأ صاحب «مدام بوفاري» أول رحلة له إلى الشرق وآخر رحلة. وزار مصر، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، واسطنبول. وفي القاهرة تعرف على سيدة تدعى كشك هانم.
ثم كتب رسالة إلى أحد أصدقائه من هناك يقول فيها: لا شيء هناك غير غروب الشمس وضجيج الأمواج المتدفقة وحفيف الأشجار ... ولكن توقع أن تراني بعد عودتي وقد أصبحت أصلع الرأس بنسبة ثلاثة أرباع، مع وجه مزعج، ولحية كثيفة، وبطن متقدم ... لا ريب في أني أصبح قبيحاً أكثر فأكثر .. وعندما أنظر إلى نفسي في المرآة أصاب بالهلع ولا أفكر بعدئذ في النظر إليها مرة أخرى.
وفي عام 1851 عاد أديبنا الكبير من سفرته المشرقية إلى فرنسا عن طريق اليونان ماراً بنابولي، وروما، وفلورنسا، والبندقية، وميلان. وبعد عودته أعاد الصلة مع عشيقته لويز كوليه التي كان قد تركها من دون سبب واضح.
وفي نفس العام ابتدأ يكتب روايته الخالدة: مدام بوفاري. وسوف تستغرق كتابتها خمس سنوات. وفي أثناء ذلك حصلت القطيعة الثانية بينه وبين عشيقته. ثم حصلت القطيعة النهائية بعدئذ وكان قد أشرف على كتابة الجزء الثالث والأخير من مدام بوفاري.
وفي شهر ابريل من عام 1856 وكان فلوبير في الخامسة والثلاثين من عمره أُنجزت مدام بوفاري نهائياً. وابتدأ ينشرها في الصحافة على حلقات. ولكنهم أجبروه على حذف بعض المقاطع الجنسية التي تصور خيانة مدام بوفاري لزوجها. فقبل على مضض. ثم أعيدت هذه المقاطع إليها لاحقاً عندما زال عنها سيف الرقابة.
وفي عام 1857، أي بعد صدور الرواية بسنة واحدة أو حتى أقل ابتدأت محاكمة مدام بوفاري باعتبارها تسيء إلى الدين والأخلاق الحميدة وتشجع على الفسق والفجور ... وقد اضطر فلوبير إلى الدفاع عن نفسه بكل الوسائل. واتصل عن طريق بعض النافذين بأخت الامبراطور نابليون الثالث وكانت تدعى ماتيلد. فتدخلت عند الأجهزة العليا لمنع معاقبة فلوبير وإنهاء المحاكمة بالتراضي وبدون دفع أي غرامة.
وهكذا كان حظه أفضل من حظ بودلير الذي حاكموه أيضاً وفي الفترة نفسها تقريباً على ديوانه: أزهار الشر. وكانت التهمة مشابهة تماماً.ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1858 ابتدأ فلوبير رحلة إلى الجزائر وتونس للاطلاع عن كثب عن البيئة التي سيصورها أو يتحدث عنها في روايته المقبلة. وبعد عودته إلى فرنسا كان قد أصبح مشهوراً فاستأجر شقة في باريس لكي يكون قريباً من الأوساط الأدبية والثقافية.
ثم أصبح يعقد لقاءات دورية مع كبار الكتَّاب والنقاد من أمثال سانت بيف، وشارل بودلير، وغوتييه، إرنست رينان ... الخ. واشتهر فلوبير عندئذ بسخريته المرة وضحكاته المجلجلة وبعض العدمية في أقواله وآرائه عن الحياة العابرة التي لا تستحق كل هذا الاهتمام. ثم تعرف على الكاتب الروسي الكبير تورغينسين وأصبح صديقه.
وفي عام 1871 استقبل فلوبير ايلزا شيلزنغر التي كان قد أحبها في مراهقته عندما كان عمره خمسة عشر عاماً فقط. وكانت قد تزوجت أثناء كل تلك الفترة الطويلة بل وأصبحت أرملة. وكان قد التقاها لأول مرة عام 1836 كما ذكرنا.
وبالتالي فهو يراها أمامه بعد ستة وثلاثين عاماً تقريباً! لشد ما تغيرت الظروف وتطورت. وراح ينظر ملياً إلى هذه المرأة التي عمرت قلبه يوماً ما.
وراح يتساءل: ماذا يبقى من الحب يا ترى بعد مرور كل هذه السنوات؟ هل ينضب ويجف؟ هل يمكن أن يموت الحب؟
وفي عام 1872 ماتت أمه التي رافقته طيلة حياته وعاشت معه في ضواحي مدينة روان الجميلة لأنه لم يتزوج. وكانت تعتني به وتسهر عليه. وبموتها تذهب شرائح واسعة من عمره. شيء من عمره، بل زبدة عمره، ماتت معها.
ثم قدموا له شاباً مغموراً يريد أن يدخل عالم الكتابة ويدعى: غي دوموباسان. وقد اعتبره بمثابة ابنه وراح يوجه له النصائح الأدبية.
وفي إحدى المرات كتب له رسالة شهيرة يقول فيها: والآن لنتحدث عن مشاكلك. أخبرتني بأنك ضجرت من النساء. فأدر ظهرك لهن إذن، هذا هو الحل الوحيد.
واهتم بكتاباتك بدلاً من تضييع الوقت هنا أو هناك. يخيل إليَّ أنك كسول ولا تشتغل بما فيه الكفاية. الكتابة لا تجيء هكذا يا أخي! الفن لا يعطي نفسه بسهولة. وينبغي أن تنسى كل شيء، أن تضرب عرض الحائط بكل شيء، لكي يجيئك الفن. ينبغي أن تضحي بكل شيء في الوجود بما فيها حياتك الشخصية من أجل لحظة كتابة واحدة.
الكتاب: غوستاف فلوبير كما كان مرئياً
في أعماله ومراسلاته
تأليف: جون تشارلز تارفير
الناشر: كيسنغر بوبليشنغ نيويورك 2005
الصفحات: 388 صفحة من القطع المتوسط
GUSTAVE FLAUBERT AS
SEEN IN HIS WORK AND CORESPONDNCE
JOHN CHARLES TARVER
KESSINGER PUBLISHING NEW YORK 2005
KESS
