بغض النظر عن أن الكاتب والروائي النرويجي كنوت هامسون الذي فاز بجائزة نوبل للآداب في عام 1920، كان من المؤيدين والمناصرين للنازية وهتلر، إلا أن إبداعه الأدبي قبل نشوء النازية يبقى علامة فاصلة في الأدب الأوروبي والأميركي. ويكمن تأثيره الإبداعي على الحركة الأدبية من خلال رواياته «الجوع» والغموض» و«نمو الأرض» التي كانت بمثابة ثورة في عالم الرواية. وتتمثل هذه الثورة، في الحداثة وتقديمها لمفهوم جديد للطبيعة الإنسانية.
فللمرة الأولى تقدم شخصية رجل مستوحد يقوده قلقه عبر الحياة. ومن خلال بصيرته ذات الرؤيا المختلفة في الفكر والوعي عبر تحليلات فرويد ويونغ، يضع أسسا بمثابة امتداد لوعي وجودنا. وعلى صعيد الأدب تدخل الحيرة والتعقيدات، ففي بعض المواقف تكون ردود الفعل غامضة ومتشابكة. كما أضاف وصفه السردي، مهارة جديدة في الأسلوب، باتت نموذجاً جديداً يتبعه من أتى بعده من الأدباء. أمضى كنوت الذي ولد في 4 أغسطس عام 1859 طفولة سعيدة في الشمال الأقصى من النرويج في مدينة صغيرة تدعى هاماروي. وقد وصف لاحقا تلك المرحلة من حياته بكونها فترة مثالية بل نموذجية حيث عاش بصحبة أقرانه من الأطفال في انسجام ووحدة مع عالم الطبيعة من حولهم بما في ذلك المزرعة والحيوانات التي فيها.
سكن هامسون منذ البداية هاجس أن يصبح كاتبا، وأظهر شجاعة وقوة تحمل نادرتين في سعيه الحثيث لتحقيق حلمه ومواجهة العوائق الهائلة. كان على ثقة بوعيه الفني وحساسيته، وعلى يقين أيضا بأن محاولاته للوصول إلى مستويات من الإبداع والإدراك، تنبع من هدف أبعد منه، وربما متمثلا في قوى الطبيعة.
وحينما بلغ الثالثة والعشرين من عمره وبدافع الرغبة في اكتشاف نفسه، ذهب في رحلة إلى أميركا هي الأولى من رحلات عديدة تلتها، ساهمت في ترسيخ هويته وتبلور قناعاته سيما فيما يتعلق بالعرقية والحفاظ على نقائها.
وصاغ فلسفته الجديدة للحياة في روايته العظيمة «الجوع»، وهي محاولة لإظهار مدى إمكانية توسيع مدارك الوعي الإنساني لتحقيق المزيد من الطاقة الإبداعية. وبيّن أيضا أن تدهور قيم المجتمع التي كان هامسون يؤمن بأنها تتداعى وتتهالك، يمكن إعادة العمل عليها لتكون نحو الأفضل.
ويستمر في معالجة تلك القضايا من خلال كتابه الثاني «الغموض»، والثالث «بان» الذي نشر عام 1894، وتمحور حول ارتباط الهوية الإنسانية بالكون، وقناعته بأن بقاء الإنسان الغربي يعتمد على إعادة صلاته بالطبيعة، والعيش بوحدة كاملة مع عضوية الحياة. وفي عام 1916 بدأ العمل على كتابه الأهم الذي بات نموذجاً مثالياً للرواية، وهو «نمو الأرض»، وكما ذكرنا حقق له الفوز بجائزة نوبل.
وعلى غرار نيتشه لم يكن هامسون ليسعد أن يعيش مع فلسفته في برج عاجي، كان رجل يومه. فهو على الرغم من تقدمه في السن، كافح لتحويل أفكاره إلى واقع وحاضر. فقد كان يعمل في مزرعته مع جميع أفراد عائلته، وساهموا جميعا في نمو حركة الحزب الوطني النرويجي الاشتراكي الذي تأسس في عام 1933، وأصدر هامسون العديد من المقالات التي تناهض أعداء النازية والألمان.
ومع اندحار وهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، قدم أعضاء الحركة للمحاكمة أما هامسون فقد كان له معاملة خاصة، إذ عمدت اللجنة إلى وضعه في مصحة عقلية لكسر روحه ومعنوياته والتهرب من إدانته باتهامه بالجنون، في حين حكم على جميع أفراد عائلته بما فيهم زوجته بعقوبات السجن لفترات زمنية متفاوتة. وعلى الرغم من كل الضغوطات التي شملت منع جميع كتبه، استمر في الكتابة مدافعا عن قناعاته حتى وفاته في عام 1952 وهو في الثانية والتسعين من عمره.
وفي روايته «نمو الأرض» رسم فكرته المثالية عن الحضارة الراسخة المتمثلة في الأرض والزراعة، حيث لا يعتمد الإنسان على قيم سطحية عصرية متحولة كما في المجتمع الحديث، بل على العجلة الثابتة للفصول الأربعة في اعتمادها على سرمدية القوى الإلهية حيث يعيش الإنسان مع الطبيعة في انسجام.
وكان لسكان سيلانرا حظ طيب، حيث يمكنهم في كل خريف رؤية أسراب البجعات الرمادية تحلق فوق البراري، وسماع خفق أجنحتها في الهواء، حينها يبدو العالم كأنه توقف في تلك اللحظة، ليمر قطار السرب، وعندها تشعر أرواح الناس بضعف إزاء هذا الانسياب الماثل أمامهم، ليتابعوا بعدها عملهم، ولكن بعد أن يأخذوا نفسا عميقا، حيث يشعرون بأن ثمة من تحدث إليهم بشيء ما من وراء الأفق.
وتعكس هذه الرواية قناعة هامسون بأن الإنسان الغربي لا يمكن أن يحقق وجوده وتطوره في الحياة، إلا بعدما يتقبل تماما فكرة ارتباطه الحميم بقانون الطبيعة. وقد أوضح بأن النواة لهذا النمو تتمثل في الحاجة لإعادة صياغة هذا العرق البشري في مركزية وجوده. وتعكس الشخصية الرئيسية في العمل إيمان هامسون بالرجل الأوروبي الجديد، رجل نيتشه، الذي يعمل وفق القوى العليا للطبيعة، التي ستقود الشعب إلى مراتب عظيمة، وقد وصف ذلك بكتابه بقوله:
إن عجلة الأرض، الجسد والروح، العامل في الأرض بلا كلل، شبح ناهض من الماضي ليشير إلى المستقبل، رجل من الأيام الأولى للحراثة، المستقر في البرية، عمره تسعمائة سنة، والحي في رجل اليوم.
ومقولته هذه بمثابة صدى لفلسفة وقناعة نيتشه التي يذكر فيها، «من المستقبل، تحمل الريح عبر نبضات سرية مجنحة إلى الآذان المرهفة، أخبارا جيدة». وإسحاق الشخصية الرئيسية في قصته، هو رجل يتجه إلى الغابة حاملا على ظهره شيئا ما ثقيلا. يبدو ذلك في البداية مضحكا، ولكن البداية تتحول إلى تجربة مذهلة. فهذا الرجل يدخل الغابة ويبدأ معها حياته لتكون واقعا. والأمور التي تحدث في محيط حياته ومن حوله ساحرة وجميلة، وزاخرة بالحب والحقيقة. ومع مضي الزمن يطوع الغابة، وتبدأ الحياة المدنية بالامتداد من حوله. وجزء منها يبدو سيئا، وليس الكل.
ويرصد في روايته، التطور التدريجي للحياة منذ دخول اسحاق بإيقاع هادئ واتحاد الإنسانية، وذلك بعكس ما يجري في السهوب العليا للنرويج غير المزروعة. وتتلخص رسالته في ملحمة الأرض هذه بالعودة إليها، وبأن قوة الصبر، والبساطة، والعمل الدؤوب الشاق المرتبط بحب الأرض إنما تشكل جوهر سعادة الإنسان. وهذا الإنسان الذي يثق بنفسه وبأرضه، يمكن أن يحظى بالسعادة الروحية إن كان جديراً بها والتي ستمنحه إياها الحياة.
والإنسان الحديث الذي يواجه الطبيعة من خلال بدائل يستمدها إما من خلال الآخرين أو لأجلهم، يفقد رباط سكينة النفس والمودة. أما في البراري حيث يكون تواصل الإنسان مباشرا مع الأرض، فإن وطأة القدم، أو لمسة التراب لوحدها كفيلة بمنح الإنسان طاقة وقوة.
وإلى جانب شخصية اسحاق الرجل الطيب القوي الذي على معرفة بما هو مهم، وكيف يريد العالم أن يكون عليه، نجد شخصية إنغر، المرأة اللطيفة ذات الشفة المثلومة، التي يموت طفلها بصورة غامضة مثيرة للشك. وعلى الرغم من أن شخصيات العمل غير مثالية، إلا أنها شخصيات من واقع الحياة بكل مشاعرها وخلجاتها.
وهامسون يتعامل مع أشخاص رواياته بتعاطف وتفهم عميق، وفي بعض الأحيان بتغرب عنهم. ومن الصعب العثور على رواية أكثر موضوعية على الرغم من الأسلوب الشعري الذي سردت فيه أحداثها التي تعتمد على حبكة بسيطة.
رشا المالح

