يناقش هذا الكتاب لمؤلفيه د. أحمد ثابت وخليل العناني التغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأميركية بشكل عام وتجاه العالم العربي خاصة ، وتبلور هذه السياسة في شكل جديد يسعى إلى الهيمنة والسيطرة على دول العالم ككل أو ما أطلق عليه المؤلفان في كتابهما «التوجه الإمبراطوري»

ولكن منذ متى بدأ هذا التوجه ومَنْ ورائه وما علاقته بالمنطقة العربية ؟ يشير المؤلفان الى أن هذا التفكير في تغيير السياسة الخارجية الأميركية بدأ مباشرة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وإحساس الولايات المتحدة بأنها القوة الأعظم في العالم. وعزز هذا التوجه سيادة ما يعرف بمجموعة المحافظين الجدد في هذا الوقت ضمن دوائر صنع القرار وصياغة السياسات في الولايات المتحدة ومن أمثلتهم ديك تشيني ورامسفيلد وريتشارد بيرل وإليوت إبرامز وبول وولفوويتز وكريستول صاحب مشروع القرن الأميركي وغيرهم ،

ولم يكن عمل هؤلاء في إدارة بوش الابن أول بروز لهم على الساحة السياسية الأميركية حيث سبق لهم العمل في ثلاث إدارات أميركية مختلفة هي إدارة ريغان وبوش الأب وبوش الابن . وتكمن أهمية وجود هذا الفريق في أهم مواقع صنع القرار الأميركي في تبنيهم لفكر متشدد يغلب عليه صبغة التطرف ، فهم يرون أن الولايات المتحدة وبعد أن أصبحت القوة الوحيدة المسيطرة في العالم لابد أن تتخلى عن سياسة الاحتواء التي اتبعتها في ظل وجود الاتحاد السوفييتي وتأخذ بدلا منها بسياسة الاستباق والتوسع.

وتعني سياسة التوسع أنه بما أن الولايات المتحدة أصبحت القوة الوحيدة المسيطرة في العالم فعليها أن تعمل على توسيع مناطق نفوذها ـ بشقيه الاقتصادي والعسكري ـ في العالم ككل، إما عن مبدأ الضربات الاستباقية ، وخير مثال على وجود هذا المبدأ لدى هذه المجموعة من المحافظين الجدد هو ما حدث في حرب الخليج الثانية .

فبينما رأى رئيس الأركان آنذاك «الجنرال كولن باول» أنه يجب وقف الحرب بعد أن تم إخراج القوات العراقية من الكويت ثم التركيز على احتواء العراق ، كان رأي هذا الفريق أن الحرب يجب أن تستمر حتى يتم القضاء نهائيا على قوة العراق حتى لاتقوم القائمة لعراق قوي مرة أخرى يناهض المصالح الأميركية في المنطقة.

ويسيطر على فكر هؤلاء المحافظين الجدد ضمن مجموعة الأفكار السابقة فكرة خطيرة للغاية وتعتبر الأساس التي يبني عليها هؤلاء معتقداتهم وتوجهاتهم وهي فكرة «الاستثنائية»، وتستند هذه الفكرة إلى الاعتقاد بأن العناية الإلهية هي التي تمد الإدارة الأميركية بيقين أخلاقي مما يجعلها محصنة ضد أي تأثير خارجي ومن هنا فإن هذه المجموعة تعتقد في الجانب الخير والمقدس الموجه لها وفي قداسة أفكارها وبالتالي لا يوجد مجال عندئذ لأي حلول وسط أو توفيق.

واستنادا لهذا الاعتقاد فإن «المحافظين الجدد» يعتقدون بأن تصدير النموذج الأميركي في الحكم الذي يقوم على الليبرالية ورأسمالية السوق هو في صالح العالم ككل وأن ذلك يعد مصدرا مهما لممارسة النفوذ على مستوى العالم.

ويبدو هذا التوجه واضحا من خلال وثيقة استراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها بوش في سبتمبر 2002 والتي كان أهم أهدافها تدشين عصر جديد من النمو الاقتصادي العالمي ـ على غرار النمط الأميركي وبما يخدم المصالح الأميركية بالطبع ـ عبر التجارة والأسواق الحرة، وتطوير مؤسسات الأمن القومي الأميركي ـ بما يعزز السيطرة العالمية للولايات المتحدة بالطبع ـ للتعامل مع تحديات وفرص القرن الحادي والعشرين.

و قد عبرعن هذا التوجه الفكري العديد من المشروعات الفكرية التي قام بإعدادها أعضاء هذا الفريق من «المحافظين الجدد» مثل الاستراتيجية الأميركية المتجددة والتي قام بإعدادها بول ولفوويتز عقب حرب الخليج، ومشروع القرن الأميركي والذي قام بإعداده كريستول وريتشارد بيرل والذي تمثلت أهدافه في:

استخذام القوة العسكرية للسيطرة على منطقة الخليج سواء في ظل وجود صدام أو في غيابه، وأهمية أن تفوق القوة العسكرية الأميركية نظيراتها في العالم، الى جانب إبقاء واشنطن على القواعد والتسهيلات العسكرية للمساهمة في تقويض أية قوة إقليمية مناوئة، مع العمل في الوقت ذاته على المضي قدما في مشروع الدرع الصاروخي حتى تكتمل السيطرة الأميركية.

وعن علاقة هذا التوجه الفكري ـ فكرة الإمبراطورية ـ بالمنطقة العربية، يبدأ د. أحمد ثابت برصد الخلفية المهنية التي أتى منها معظم أعضاء فريق المحافظين الجدد ، فمعظمهم سبق له العمل ضمن مجالس إدارات كبرى شركات البترول أو في المجال النفطي عامة ومنهم نائب الرئيس الحالي ديك تشيني ووزير الدفاع رامسفيلد .

وبالتالي فهذه الشخصيات بالذات تدرك أكثر من غيرها أهمية البترول للولايات المتحدة والذي يتوقف عليه أن يكون القرن الواحد والعشرون قرنا أميركيا كما كان سابقه أو يكون غير ذلك ، ومن هنا جاء التوجه نحو المنطقة العربية بشكل خاص والشرق الأوسط عامة بهدف السيطرة على أكبر مصدر للبترول بالنسبة للولايات المتحدة خاصة وأن المنطقة تموج بالقلاقل السياسية بين الحين والآخر ولذا كان سعي الولايات المتحدة لدخول المنطقة والسيطرة على منابع النفط فيها أمرا بديهيا.

ورغم أن الغاية الأميركية كانت دائما واضحة تماما للناظر إلى الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع المنطقة وقضاياها والتي تمثلت بالدرجة الأولى في ضمان تدفق بترول المنطقة بأسعار رخيصة للولايات المتحدة، إلا أن الوسائل التي استعملتها السياسة الأميركية على مر العقود الماضية لبلوغ هذا الهدف تعددت وأخذت أشكالا عديدة منها:

التواجد العسكري المباشر في المنطقة والذي كانت بدايته الفعلية في حرب الخليج الثانية.

حيث مثل احتلال العراق للكويت فرصة ذهبية للولايات المتحدة لدخول المنطقة من أوسع الأبواب تحت غطاء الشرعية الدولية التي منحته إياها الأمم المتحدة، ولم تكتف الولايات المتحدة بهذا بل انتهى الأمر بالاحتلال العسكري للعراق والعمل على تغيير هويته حتى يمكن تطويعه ليكون خاضعا بالكامل للإرادة الأميركية، بل إنه حتى الهوية الثقافية لأبناء العراق يجري الآن تغييرها من خلال تغيير مناهج التعليم !!

يأتي بعد ذلك الجانب الاقتصادي ليمثل أحد أهم الوسائل التي تستخدمها الولايات المتحدة في تعزيز تواجدها وسيطرتها في المنطقة العربية سواء بشكل مباشر من خلال المبادرات التي تقوم بها الولايات المتحدة مع دول المنطقة «مثل اتفاقيات التجارة الحرة وغيرها» أو بشكل غير مباشر من خلال ما تقوم به المؤسسات الاقتصادية الدولية الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي من ضغوط على دول المنطقة للتغيير من النمط الاقتصادي لها والتوجه نحو تحرير التجارة وفتح أسواقها ومزيد من الخصخصة.

وأخيرا كان ما يعرف بمحاولات «دمقرطة» المنطقة العربية والتي تعد أحدث الوسائل التي استعملتها الولايات المتحدة لتعزيز سيطرتها في المنطقة ، غير أن الدوافع الحقيقية وراء هذه المبادرات الأميركية من أجل التغيير والإصلاح في المنطقة مازال يحيط بها العديد من علامات الاستفهام.

وفي محاولة منه للاقتراب من مغزى هذه المبادرات يجمل خليل العناني الأسباب الكامنة في عدة أسباب أو دوافع أساسية:

أولها: أن الولايات المتحدة تسعى بالفعل لتغيير الأوضاع المترهلة ـ على حد تعبير المؤلف ـ في المنطقة ولكن ليس حبا في العرب وإنما من أجل إرساء مزيد من الاستقرار بما يخدم المصالح الأميركية.

ثانيا: إن قيام الولايات المتحدة بمثل هذه المبادرات يمثل السوط الذي تشهره في وجه حكومات المنطقة!!

وعلى الرغم من تعاون هذه الحكومات مع الولايات المتحدة إلا أن هذا التعاون ليس كما ترتضيه واشنطن لذا كان لابد أن يكون هناك العصا التي تلزم الجميع بمزيد من التعاون.

ثالثا: أن التشجيع على تداول السلطة ومزيد من الحرية والديمقراطية من شأنه أن يقوم بتحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة.

وهكذا تظل السياسات الأميركية رهن التنوع والتغير بحسب ما تقتضيه الحاجة والهدف الأول والأخير هو السيطرة والهيمنة على العالم ومقدراته دون أن نشغل بالنا كثيرا بماهية الوسائل المستخدمة لبلوغ هذا الهدف!

ألفت عبد الله

الكتاب: العرب والنزعة الإمبراطورية الأميركية

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2005

الصفحات: 311 صفحة من القطع المتوسط