مقتطف من مقابلة أجرتها صحيفة «الغارديان» اللندنية مع الروائي الأيرلندي «جون بانفيل «بمناسبة فوزه بجائزة، بوكر، البريطانية الرفيعة، عن رواية «البحر »2005. في لقائه مع بانفيل تطرق محرر «الغارديان» إلى عدد من الموضوعات المتعلقة بفلسفته ولغته الروائية وخروجه على الصيغة التقليدية للنص الروائي.
على الرغم من أن البعض يعتبره كاتباً «صعباً» لا يتجاوز عدد قرائه بضعة آلاف، إلا أن جون بانفيل خيب هذه التصورات بفوزه بأكبر جائزة للرواية. في هذه المقابلة يتحدث عن الأسباب التي تجعل من روايته «عملاً جاداً». في أعقاب الإعلان عن فوزه بالجائزة قال بانفيل في مقابلة تلفزيونية «مما يبعث على الشعور بالبهجة،
أن ترى عملاً فنياً جاداً يحصل على جائزة بوكر ». كان في روايته « البحر » ما يكفي لجعل قرار هيئة التحكيم يبدو شبيهاً بالتصريح الرسمي الحقيقي. أما هو فقد كان يتصور حدوث شيء كهذا. غير أنه ألمح في حديثه التلفزيوني فيما بعد إلى أن فوزه يعتبر انتصاراً حقيقياً للفن الراقي على ما يمكن اعتباره الابتذال مختتماً حديثه بقوله «إن المرء يسعى في واقع الأمر إلى تحقيق هذا الهدف من جانبه».
على الرغم من الاحتفالات التي شهدها اليوم التالي لحصوله على الجائزة، إلا أن بعض مشاعر الألم لا تزال مرتسمة على وجهه. وهو ما قد يكون جزءاً من تركيبته الشخصية،على أية حال. غير أن هذا الكاتب، الذي سبق له العمل كمحرر أدبي بصحيفة «آيرش تايمز» لا يزال معروفاً بلغته غير المتحفظة وأسلوبه الذي يميل إلى القسوة في التعامل مع الآخرين. يقول«الحقيقة هي أننا ككتاب كائنات ليلية، خجولة. نشعر بالأذى لو خرجنا إلى النور».
وعندما تلوح على وجهه ابتسامة باهتة يضيف «أخشى ألا أكون قد أوضحت لك ذلك بشكل جيد». يعرف بانفيل بأنه «كاتب صعب»، وهي عبارة ظل يحملها بشيء من الاستسلام المؤلم، خاصة بعد نشره 14 عملاً روائياً. رواياته هذه تغوص في جدل فلسفي عميق أما لغته فهي ملغزة: مزغبة، رمادية، وناعمة مخملية أحياناً، كل هذه الامور تحتوي عليها روايته الجديدة « البحر» التي تروي قصة رجل يعود بعد فقد زوجته إلى المكان الذي كان في يوم من الأيام مسرحاً لأحداث مأساوية كانت قد شهدتها طفولته.
هذه الرواية أشاد بها النقاد من جانب بالنظر إلى شاعريتها، الأوصاف الشاعرية التي تضمنتها ـ «بريق أرجواني» هو لون بشرة الرجل الضاربة إلى السمرة المكتسبة من التعرض للشمس؛ «فرو القطة الملحوس» شعر المرأة كما يبدو في أعقاب العلاج الكيميائي. غير أنها، في بعض جوانبها المتعلقة بالحبكة، والتشويق، والشخصيات وكل عناصر الرواية التقليدية، تبدو متهمة بالقصور.
على الرغم من صحة ما يقال من أن حجم التفاصيل المتعلقة بالمشاهدة في رواية« البحر» يميل في بعض الأحيان إلى ان يكون مفرطاً بالمقارنة بما يمكن أن تحتمله الرواية. إلا ان ذكاء بانفيل يكمن في قدرته على تمزيق عناصر الإثارة الصغيرة، الخارجية، التي يترتب عليها كم هائل من التحركات الداخلية ـ الصبي الذي يقع في حب امرأة بمجرد أن يتناول منها تفاحة ـ دون أن يترتب على هذا المشهد أي تمزق يطفو على السطح».
«إن عين أحدنا هي عين الآخر بشكل مستمر، بداخلها يربض ذلك القزم الصغير المجنون الذي يشعر باليأس» (هذه العبارة رغم أنها تبدو كالدعابة الخارجة عن سياق النص، إلا أنها تصبح مناسبة في داخل العمل الروائي نفسه).
«البحر» كما يقول بانفيل «ليست رواية عادية» ومن جانبه يأمل بأن يكون نجاحها بمثابة الرسالة التي تصل إلى الناشرين في وقت متأخر لكي تقول «بإمكان الرواية الجادة أن تجلب المال. وهو شيء في غاية الأهمية في هذا الزمن المهووس بالشكليات».
أجبته، بكل تأكيد، ولكن هل يمكن أن يكون كل الفائزين بجوائز بوكر من مؤلفي الرواية؟ يكشر «نعم على الرغم من أن الفائز بجائزة بوكر سيكون عملاً أدبياً جاداً. إلا أنني أشعر بأن هناك توجهاً مستمراً، على مدى الخمس عشر سنة الماضية، نحو اختيار الأدب الشعبي الرائج.
الحقيقة أنني أشعر ـ وأنا أقر بأنني متحيز هنا ـ بأن هذه السنة كانت تمثل العودة إلى تلك السنوات الطيبة، الثمانينات ومطلع التسعينات. لقد احتوت المسابقة على قائمة بمجموعة من الأسماء الجيدة ومجموعة نزيهة من المحكمين ، لم تكن تحتوي على شخصيات استعراضية، وأنا أعتقد بأنها كانت تجسد الصورة التي ينبغي لجائزة بوكر الظهور بها. إن هنالك العديد من الجوائز المخصصة للأدب الرائج.
ينبغي أن تكون هناك جائزة رفيعة مخصصة ل... يتوقف «... للأدب الجاد».
بانفيل لم يذهب إلى الجامعة. كان قد غادر مسقط رأسه، بلدة ويكسفيلد الأيرلندية فور بلوغه السن التي تمكنه من العمل كاتباً في شركة الطيران الأيرلندية الوطنية، الاسم الذي مكنه من مشاهدة العالم (أتذكر أنني كنت أسافر على الدرجة الأولى إلى أماكن كلندن وسان فرانسيسكو بمبلغ زهيد هو 2 جنيه).
أما أبوه فقد كان موظفاً يعمل في كراج للسيارات في حين كانت أمه ربة منزل ومربية لثلاثة أبناء ـ يقول عن عائلته «كنا أناس متواضعين ، طيبين، محترمين، وقد عاش كل منا حياة ملتزمة. كانت مغادرتي في وقت مبكر أمراً قاسياً بالنسبة لوالدي، غير أنني ما أن أتذكر هذا الموقف،حتى أدرك مدى قسوتي». عندما رحلا كان لا يزال شاباً. يقولون أن أفضل هدية يقدمها الآباء لأبنائهم هي رحيلهم المبكر.
عندما تتأمل هذه المقولة، تجدها صحيحة. كنت في مطلع الثلاثينات وكان رحيلهما يشعره بالحرية، وهو مما يبدو الاعتراف به مؤلماً». كان بانفيل قد أطلق على نفسه اسم الكلاسيكي الذاتي التعلم، وكان يرمي من وراء ذلك إلى «لفت الأنظار إلى كل التفاصيل المتعلقة بثقافته الشخصية«. وهو ما يبرر لغته المليئة بالإحالات الأدبية؛ في لقائنا الذي استمر مدة 40 دقيقة، أشار إلى بيكيت، وبنتر، وديستويفسكي، وروي فوستر، وهنري جيمس، وغور فيدال، وتوماس هاردي، وييتس، وجويس.
كان يدرك مدى ما يشير إليه الأمر من تباهي، على كل من المستوى الشخصي والإبداعي، إلا انه ختم ذلك بقول جاء على لسان بطل رواية «البحر» بعد تأمل طويل في جوهر الوجود «ربما أصبت بالجنون». . يصر بانفيل على أن الكتابة، تبدو في نهاية الأمر أقرب إلى المهنة «السخيفة».
«إنني في الواقع ضد نموذج الكاتب العظيم، الشخصية العظيمة التي ترشدنا إلى ما ينبغي لنا القيام به من سلوك ضدها تماماً. الكتاب مثلهم مثل الآخرين، وجه الاختلاف الوحيد بينهم وبين غيرهم من الناس هو أنهم إلى حد ما أكثر هوساً».
إن لفت الانتباه إلى ثقافتك الشخصية يعتبر من الأمور غير اللائقة لدى المثقفين، كما هو الحال بالنسبة للفت الانتباه إلى ما تتمتع به من ثراء، و، كما هو الحال بالنسبة لنجم موسيقى البوب المصنف من الدرجة الثالثة الذي لا يمكنه الادعاء بأنه «فنان». أنه يثور على هذه التنفجية؛ والواقع أن روايته تحتوي على إشارة قوية إلى الطبقية».
لقد خيل إلي حتى أن تعليق الناشرين على روايتي ربما كان «كلا، إننا لسنا بحاجة إلى هذه الرواية». وعلى الرغم مما تحتوي عليه هذه العبارة من الاستخفاف بالذات، مثلما يبدو واضحاً في خطاب القبول بالجائزة الذي شكر فيه ناشريه بسبب وقوفهم إلى جانبه أثناء نشره كل تلك الروايات التي «لم تحقق شيئاً على مستوى المبيعات».
إلا أن الاقتناع بأنه على صواب وأن من يشترون الكتب ليسوا كذلك يبدو راسخاً في ذهنه ـ حيث أنها معاناة أي فنان حقيقي. وهو ينتقص من قدر أولئك الذين يقرأن الرواية بسبب ضحالتهم الفكرية، وحاجتهم إلى الحساسية، كما يشير إلى تأثره بهارولد بنتر الذي تعود على الرد على ما يقوله النقاد بقوله بأن حركة البيع ليست المقياس الحقيقي لجودة العمل الأدبي.
يقول «ذات مرة، في الثلاثينات، أجرت إدارة الدخل الوطني تحقيقاً حول عائدات الضرائب التي كان يدفعها الشاعر الأيرلندي ييتس لأن أحداً لم يكن يتوقع أن تكون مبيعات كتب شخصية شهيرة مثله بذلك المستوى من التدني. لا ينبغي لمستوى المبيعات أن يصيبك بالإحباط مطلقاً. كما يقول بنتر «إنني ملتزم بما أقوله». والواقع أن ما يقوله بانفيل كان قد ظهر مؤخراً في مناوشة قصيرة نشرت في نيويورك ريفيو أوف بوكس، أثناء دفاعه عما قاله في مراجعة لرواية إيان ماكوين «يوم السبت» التي وصفها بأنها رواية رديئة إلى حد كبير».
في الوقت الذي انبرى فيه، جون ساذرلاند، رئيس محكمي جائزة بوكر للدفاع عن ماكوين مشيراً إلى أن ما قاله بانفيل كان يتضمن بعض الأخطاء في قراءته للرواية. بانفيل في نهاية الأمر، لا ينتمي إلى المشهد الأدبي اللندني، فهو على حد تعبيره مقيم في دبلن مع أسرته. ومن الطبيعي أنه لم يتوقع كذلك الفوز بجائزة بوكر.
على الرغم من بصيص الأمل الذي ظل يراوده طوال الوقت في أعقاب الإعلان عن الأسماء التي احتوت عليها القائمة النهائية والتي لم تكن بينها أسماء روائيين مرعبين من أمثال كويتزي، أو ماكوين.
مريم جمعة فرج
ـ ولد جون بانفيل في ويكسفيلد عام 1945، روائي أيرلندي حائز على جائزة بوكر للرواية لسنة 2005عن رواية «البحر» .
ـ تلقى تعليمه في مدرسة الأخوة المسيحيين وكلية القديس بيتر. وعمل بعد تخرجه في شركة الطيران الايرلندية ثم محرراً أدبياً لدى صحيفة «أيرش تايمز».
ـ سبق أن رشحت روايته «كتاب الأدلة» للحصول على جائزة بوكر في سنة 1989.
ـ نشرت له مجموعتان قصصيتان «لانكين» 1970 ، «ألعاب ليلية».
ـ صدر له أربعة عشر عملاً روائياً من أهمها «كوبرنيكوس» 1976، «نيوتن» 1982 ، «أشباح» 1993 ، «كسوف» 2000 ، «الكفن» 2002 ، «البحر» 2005.
ـ تتميز أعماله بفلسفتها العميقة وسردها المتأنق المثير للقلق إضافة إلى احتوائها على بعض عناصر الواقعية السحرية وما بعد الحداثة.
حقائق عن جونا
حقائق عن جون بانفيل
ـ ولد جون بانفيل في ويكسفيلد عام 1945، روائي أيرلندي حائز على جائزة بوكر للرواية لسنة 2005عن رواية «البحر» .
ـ تلقى تعليمه في مدرسة الأخوة المسيحيين وكلية القديس بيتر. وعمل بعد تخرجه في شركة الطيران الايرلندية ثم محرراً أدبياً لدى صحيفة «أيرش تايمز».
ـ سبق أن رشحت روايته «كتاب الأدلة» للحصول على جائزة بوكر في سنة 1989.
ـ نشرت له مجموعتان قصصيتان «لانكين» 1970 ، «ألعاب ليلية».
ـ صدر له أربعة عشر عملاً روائياً من أهمها «كوبرنيكوس» 1976، «نيوتن» 1982 ، «أشباح» 1993 ، «كسوف» 2000 ، «الكفن» 2002 ، «البحر» 2005.
ـ تتميز أعماله بفلسفتها العميقة وسردها المتأنق المثير للقلق إضافة إلى احتوائها على بعض عناصر الواقعية السحرية وما بعد الحداثة.
