هذا الكتاب لمؤرخ إسلامي شهير يقدم رؤية مختلفة في النظر لتاريخنا الإسلامي يحاول من خلالها الدعوة إلى التدقيق والتمحيص في القبول بالكثير مما يقدم لنا على أنه أمور لا يمكن سوى القبول بها. وعلى مدى صفحات الكتاب يدقق الدكتور حسين مؤنس في روايات كتابنا القدامى ويقدم لنا أمثلة كثيرة من الكلام «المهين» لنا الذي يأتوننا به ويؤكد لنا أننا ينبغي أن ننقي أصولنا،
فالكثير من المؤلفين القدامى يقعون في أخطاء كبيرة وهي ظاهرة الخطأ ولابد من إصلاحها وهذه قاعدة أساسية ينبغي أن نسير عليها حتى نطمئن على صحة نصوصنا. ولا يشكك المؤلف في نوايا هؤلاء بل أن الكثير منهم فعل ذلك عن حسن نية أو عن فرط ثقة في الإسلام ولم يكونوا يتصورون أنه سيجيء يوم يظهر فيه أعداء لدودون للإسلام من أمثال بعض المستشرقين يأخذون هذه الأخبار ويستعملونها لكي يلحقوا بالإسلام أذى شديد».
ويشير إلى أنه لا يقصد من ذلك أن نراجع هذه الكتب لنشطب منها هذه الأخبار والإشارات، بل يجب إيضاح الأمر للناس لكي نحمي الإسلام من أعدائه باعتبار أننا نعيش في عصر خطر يتصارع فيه الإسلام مع أعدائه والقدامى كانت فيهم سذاجة وثقة في النفس تجعلهم يرددون كل ما يصل إليهم من الأخبار دون بعد نظر.
وفي سياق إشارته لنماذج مما يقصده يورد بعض الروايات التي وردت في تفسير الطبري يرى أنه ترد عليها ملاحظات حيث تكشف القراءة الدقيقة لهذه الروايات أنها تسيء للإسلام أكثر مما تضيف إليه، ومن ذلك ما أخذه المستشرقون من سياق روايته لما عرف بالآيات الشيطانية التي كانت وراء شهرة سلمان رشدي.
كما يشير إلى أن الطبري كان يعتمد في مناسبة فتنة عثمان والخلافة على رجال بعيدين عن الثقة والتدقيق من أمثال السري بن يحيى وشعيب بن إبراهيم الكوفي وسيف بن عمر الأسدي وحتى عندما كان يعتمد على رجال من أهل العلم والتدقيق والثقة من أمثال الواقدي لا يقول لنا من أي كتبه أخذ الخبر.
ثم يتطرق إلى سيرة ابن إسحاق مشيرا إلى أنه كان رجلا فاضلا ومؤرخا موهوبا وأن هذا لا يمنع من أن يكون قد وقع وفي أخطاء وكل الناس يقعون في أخطاء وكل خطأ يمكن إصلاحه لكن المشكلة، حسبما يشير المؤلف، فيما قام به ابن هشام مع سيرة ابن إسحاق حيث أنه عندما تناولها وأعاد كتابتها تصرف فيها على هواه فشطب وأضاف واختصر وأتانا بسيرة أخرى وهذا أمر يؤسف له.
ولذلك يقول الدكتور حسين مؤنس أننا كنا نتمنى أن تصلنا سيرة ابن إسحاق كما كتبها وكما أخذها من الأصول. وعلى هذا الأساس يرى أن السيرة التي يقدمها لنا ابن سعد في كتاب الطبقات نقلا عن الواقدي أولى بالثقة، لأن الواقدي كان مؤرخا صادقا دقيقا.
وفي محاولته التدليل على ما يذهب إليه يشير إلى أن الإدارة العباسية تولت صياغة سيرة الرسول على نحو يجعل العباس يبدو وكأنه من كبار المؤمنين لأن في ذلك تأييدا لبني العباس وإدعائهم بأنهم أحق بالخلافة من علي وأولاده.
من الفترة الأولى في تاريخ الإسلام ينتقل الدكتور حسين مؤنس إلى مرحلة أخرى تتعلق بموقف المؤرخين القدامى من بني أمية.
فيشير إلى أن مراجعنا القديمة بصورة عامة لا تنصف بني أمية بل إن المؤلفين في الغالب لا يرضون عنهم ويرون أنهم ظلمة وجبابرة ويذهب البعض إلى اتهامهم بالكفر وحتى أولئك الذين يذكرون فتوحهم وما أضافوه إلى أرض الإسلام وهو يزيد في مجموعه على ما تم فتحه في العصر الراشدي حتى هؤلاء يشتدون في الحكم على بني أمية ولا يخطر ببالهم أن يضعوا الحسنات إلى جانب العيوب والإيجابيات إلى جانب السلبيات ثم يكون حكمهم بعد ذلك على هذا الأساس.
وحسبه فإننا إذا وضعنا محاسن بني أمية أمام عيوبهم ازداد قدرهم في نظرنا فهم ـ دون شك ـ أكبر الأمم الفاتحة في تاريخ الإسلام، بل إن فتوحهم في مجموعها هي أبقى الفتوحات وأبعدها أثرا في اتساع نطاق العروبة والإسلام.
ثم ينتقل إلى موضوع آخر من موضوعات التاريخ الإسلامي الحافلة بما يسيء إلينا منبها إلى أننا يجب أن نفتح عيوننا عندما نقرأها لأن المسألة هنا على حد ما يشير المؤلف ليست مسألة الخطأ أو الكذب في الخبر بل إن هذه الأخبار تضر بعقولنا لأننا تعودنا قراءة الأخبار والحكايات الكاذبة الفارغة وقبولها مما يؤدي بعقولنا في النهاية إلى الهيافة والهشاشة ويعطي القارئ فكرة سيئة عن الإسلام والمسلمين.
ومما يذكره في هذا الصدد ما يقوله الفخري في كتاب «الآداب السلطانية» متحدثا عن الوليد ابن يزيد بن عبد الملك بن مروان عاشر خلفاء بني أمية (126هـ ـ 743 م) وقد بلغ من استهتار الوليد بالمعاصي أن قال له أخوه هشام يوما : والله لا أدرى ان كنت على الإسلام أم لا، مما يحكى عن الوليد أنه استفتح فألا في المصحف فخرج «واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد» فألقاه وجعله هدفا وأخذ يرشقه بسهامه وهو يقول :
تهددني بجبار عنيد نعم أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم بعث فقل يا رب خرقني الوليد
ويعلق الدكتور حسين مؤنس على ذلك بالقول بأنه من الممكن أن يكون هناك خليفة مستهتر أو جريء أو وقح أو سكير أو ما شئت أما أن يكون هناك خليفة كافر فمن المستحيل.
مضيفا: ومن المستحيل علينا أن نقبل هذا الخبر لأنه ليس إساءة إلى الوليد بن يزيد فحسب بل إهانة لعقولنا أيضا ومهما كانت كراهية الواحد منا لبني أمية فإن الأمر ينبغي ألا يصل بنا إلى احتقار عقولنا وإهانة أنفسنا وعند طبع كتاب الفخري ينبغي أن ننبه القارئ في الهامش إلى أن مثل هذا الخبر مستحيل وغير مقبول. ينتقل المؤلف إلى مناقشة كتابات الجاحظ وقضية الفكر السياسي مشيرا إلى أنه كان أستاذ العرب ويعرض لموقفه من بني أمية ووصفه إياهم بالنابتة مريدا بذلك القول أنهم جماعة نبتت دون أصل ووصلت إلى الخلافة دون وجه حق.
وهنا يشير المؤلف إلى ان المشكلة من وجهة نظره بشأن تلك الفترة هي أنه لم يتم إرساء قواعد محددة بشأن النظام السياسي وهذا هو السبب في أن الفكر السياسي عندنا أصيب بالشلل. وعلى هذا نجد أننا نستسهل التعلق بالماضي دون تمحيص وقد يصل الأمر ـ حسبما يشير الدكتور مؤنس ـ إلى الكذب أحيانا ويذكر في الدلالة على ذلك أنه ظنا منا أن في الأمر تمجيد للعرب أشار كاتب إلى أن البيروني قال أن الأرض تدور حول الشمس وتدور حول نفسها.
ويعلق المؤلف بأن هذا الكلام لم يقله البيروني وإنما قاله مفكر إيطالي هو كوبرنيكوس، والبيروني قال كلاما آخر لا يقل عبقرية عن كلام هذا الايطالي.. فلماذا نصغر من قدره ونسرق من الإيطالي ونضيف إليه؟ وإن ماضينا ـ كما هو ـ مليء بالمفاخر فلماذا نصغر أنفسنا ونكذب؟
وفي استعراضه النقدي لما يتعلق بما كتب عن العصر العباسي يشير إلى روايات تتعلق بأكذوبة العباسة أخت الرشيد مع جعفر البرمكي، وكذلك حكاية أخرى تتعلق بأخت أخرى لهارون الرشيد هي فاختة، مشيراً إلى أن الحكايات المتعلقة بهما حكايات أشبه بألف ليلة وليلة تناقلها الناس في الأسواق ثم اندست في كتب المؤرخين فرواها الطبري وابن قتيبة وغيرهما وقد اجتهد ابن خلدون في الدفاع عن العباسة ولكنه تمسك بمسألة الأصل ولم يكن دفاعه من جهة المعقولية.
وينتهي الدكتور حسين مؤنس إلى أن مثل هذه الحكايات مكذوبة تسيء إلينا والى خلفائنا دون مبرر لذلك، وأنه كان أولى بالمؤرخين أن يتحاشوا مثل هذه الإساءة إلينا وإذا كان ولابد أن يرووها فلينبهوا إلى أنها حكايات مما يجري على ألسنة العوام في الأسواق ويستبعدون صحتها.
ثم ينتقل إلى موضوع آخر من موضوعات التاريخ الإسلامي التي أفسدها المؤرخون بسوء الرواية أو برواية الأخبار دون تحقق ودون نظر إلى ما فيه خير المسلمين وهو موضوع خبر الأمين والمأمون وما كان بينهما من حروب. وحسبه فإن الفكرة السائدة لدينا تقول أن محمدا الأمين هو الذي بدأ بخيانة العهد الذي كتبه أبوه هارون الرشيد بينه وبين أخيه عبد الله المأمون وأنه هو الذي بدأ فعزل أخاه عبد الله المأمون عن خراسان وعن خلافته في العرش والمأمون في هذه الحالة رجل أمين معتدى عليه ولولا غدر أخيه به لما وقعت الحرب بينهما.
ويشير في هذا الخصوص إلى أن النصوص تكشف عن غير ذلك، فالمشكلة بين الأخوين تعود إلى رجال السياسة في ذلك العهد الذين لم يكن لهم ذمة أو ضمير ومع ذلك فقد كانوا هم رجال الرشيد ورجال أولاده موضحا ان الأمر تم بدسائس من قبل بعض هؤلاء الساسة ومنهم الفضل بن سهل الفارسي كبير رجال المأمون الذي كان يرى أن الخلافة يبنغي أن تكون للمأمون دون الأمين بحجة أن الأمين ليس بشيء.
ويعلق المؤلف بالقول إن الأمين لم يكن بالسوء الذي تصوره لنا المراجع ومعظم ما قيل عن أنه كان البادئ بالغدر بأخيه المأمون غير صحيح. وفيما يبدو محاولة لتقديم ما يمثل حصرا كاملا لما يراه أخطاء تتعلق بتقديم التاريخ الإسلامي يتعرض المؤلف لمحنة خلق القرآن، مستعرضا بالتفصيل الجوانب المختلفة للقضية
مشيرا إلى ان القول بخلق القرآن كان وسيلة للانتقام من الفقهاء، مؤكدا على الفكرة الأساسية التي تمثل محور الكتاب وهي ضرورة النظر بتفحص وتمعن في كتب التاريخ وخاصة الموسوعات من أمثال نهاية الارب في فنون الأدب لأبي العباس شهاب الدين أحمد النويري المتوفى سنة 732 هـ وشهاب الدين أحمد بن يحيي بن فصل الله العمري المتوفى سنة 748 هـ صاحب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، والقلقشندي صاحب «صبح الأعشى» قائلاً:
إن هذه كلها كتب عظيمة حافلة بالمعلومات ولكنها كتب تجميع، أي أن مؤلفيها جمعوا ما تيسر لهم من العلم بالماضي العربي الإسلامي وجمعوه في كتب ضخمة متعددة الأجزاء ولكن ليس فيها درس أو تمحيص وبعضها ينقل لنا فصولا من كتب ضاعت أو لم نجدها إلى اليوم.
ويضرب مثالا على ذلك بكتاب « مروج الذهب» للمسعودي الذي تقع نسخته المطبوعة في أربعة أجزاء تضم ألفا وخمسمئة صفحة على وجه التقريب وهذا الكتاب «يضم من شتى المعلومات ما يحار له العقل فإن في كل صفحة تقريبا خبرا مستقلا والرجل ينتقل من خبر إلى خبر بسهولة ويسر، وأنت لا تمل القراءة فيه أبدا فهو متنوع وهو جميل وطريف ولا بد أن الله سبحانه وتعالى قد يسر له ذلك لحكمة عنده، فهو سبحانه يريد أن نعلم ذلك كله حتى ننتفع به عندما تجيء ساعة نشر الإسلام في الأرض كلها».
ألفت عبد الله
الكتاب: تنقية أصول التاريخ الإسلامي
الناشر : الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2005
الصفحات: 247 صفحة من القطع المتوسط
