على الرغم من مرور اكثر من مائة عام على وفاة الإمام محمد عبده، إلا اننا لا نزال أحوج ما نكون إلى الدروس القيمة المستفادة من تراثه العظيم، إن افكاره الاصلاحية الرائده لاتزال تعبر عن الكثير من اوضاعنا الثقافية، وكأنه لا يزال يعيش بيننا يشخص أمراضنا الفكرية ويصف لها العلاج، وتلك سمة افكار العظماء التي تظل باستمرار نابضة بالحياة تنشر اضواءها في كل مكان.

يتحدث المؤلف د. محمد البهي الباحث المصري في الشؤون الاسلامية في البداية عن نشأة محمد عبده مشيرا إلى انه ولد في بلدة «محلة نصر» بالبحيرة في سنة 1848 وفي سنوات عمره الاولى الحقه والده بكتاب القرية، ثم ارسله بعد عامين من التعليم إلى طنطا للالتحاق بالمسجد الاحمدي.

وصبر محمد عبده على الاقامة والدراسة وقتا قصيرا، وذلك لأن مناهج التعليم آنذاك لم تكن مثمرة وكانت الاحوال المعيشية بالنسبة للتلاميذ بدائية جداً. وعاد محمد عبده مرة ثانية إلى قريته، وهناك أعرب لوالده عن رغبته في أنه لا يريد التعليم في المدارس ثانية، بل وأخذ يعين والده في زراعة الارض مثل أخوانه لان التعليم في المسجد الاحمدي لم يفده بشيء، وهنا بدأ في مرافقة احد الصوفية، اجتذبه إليه لكي يعيش حياة الصوفية،

كما عرض عليه ان يقرأ له كتابا عن الصوفية، وقرأ محمد عبده كثيراً ثم وجد نفسه فجأة يحيا حياة الوجد والانفصال تماما عن عالم الواقع إلى عالم تجريدي آخر، وكان لذلك تأثير كبير عليه ان جعله ينسى انطباعاته عن التعليم العقيم الذي تلقاه في المسجد الاحمدي. وبسبب هذه الحالة التي وصل اليها، قرر والده ان يرسله مرة ثانية إلى طنطا لكي يبعده عن حياة المتصوفة، وطاعة من محمد عبده على غير رغبة منه توجه إلى طنطا ثم سافر بعد ذلك بقليل إلى القاهرة لكي يلتحق بالازهر الشريف.

ولم يجد محمد عبده هناك الجاذبية التي كان يتوقعها لكي يرضي بها طموح روحه الشابه، كما لم يجد حافزا للتخلي عن حياة المتصوفة، وعلى العكس من ذلك فقد استغرق في عشقه لحياة التصوف لدرجة ان معلمه الصوفي خشى ان يكلفه الانقياد الاعمى ثمنا كبيرا. وحاول فصلة تدريجيا عن هذا الوجد بالتصوف وإرجاعة إلى الحياة الاجتماعية.

وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن مرحلة جديدة في حياة محمد عبده، بدأت عندما قابل جمال الدين الافغاني لأول مرة في عام 1871، حيث تردد عليه محمد عبده من حين لآخر، وتلقى العلم على يده.

وبدأ محمد عبده يرغب من جديد في التعليم لانه وجد في منهج جمال الدين ما يحفزه على طلب العلم، وشعر انه على اعتاب حياة جديدة مليئة بالمتعة التحولية، وهكذا أخذ اهتمامه بالحياة الصوفية في التضاؤل شيئا فشيئا إلى ان عاد إلى الحياة العامة والاختلاط بالناس. وبين جمال الدين لمحمد عبده اسس الدين الاسلامي ومناهج الفلسفة ايضا، والى جانب هذا استمر محمد عبده في التردد على الازهر ولكنه لم يقبل من العلم الا ما كان متفقا مع العقل، اما التقاليد التي كانت المبادئ الاساسية للتعليم والثقافة والتربية في الازهر فلم تلق منه قبولاً.

وقد لمس جمال الدين موهبة محمد عبده العقلية الكبيرة، وشمله برعايته وعطفة وعلق عليه آمالا كبيرة، ونصحه ان يقف امام الجمهور ويلقى المحاضرات والدروس ويكتب مقالات في العلوم الاجتماعية في الصحف والمجلات. واتبع محمد عبده نصيحة استاذه وبدأ بالرغم من حداثة سنه في التفاعل مع الرأي العام،

وان كان في إطار محدود في بداية الأمر.

ولم يكن جمال الدين ذا معرفة تقتصر على مجالات الدين والفلسفة والعلوم الانسانية والطبيعية والطب، بل كان سياسيا محنكا ذا رؤى وتوجهات محددة عن النهضة الاسلامية، وقد نشر آراءه بين تلاميذه واقاربه.

وقد وصف محمد عبده سياسة جمال الدين الافغاني مؤكدا ان هدفها الاساسي اعتمد على: نهضة الامة الاسلامية من ضعفها وإحياء قدراتها لكي تهتم بشؤونها الخاصة وتستطيع بذلك ان تصنف نفسها في صفوف الامم القوية، والقضاء على السيطرة الانجليزية في البلدان الشرقية وتحييد تأثيرها الذي خيم بظلاله على الشعوب الشرقية.

ويوضح المؤلف ان حياة محمد عبده العملية بدأت في عام 1878 حيث شرع في معركته الاصلاحية، بدأ الامام بالشباب.

ومن منصة التدريس حيث كان يلقي عليهم دروسه، ويستحث الشباب للتضحية فداءً للأمة المقهورة التي يقتسم الاجانب إرثها علانية امام اعين الشعب، وطالب الامام محمد عبده الشباب بالاستعداد من أجل الوفاء باصلاح الوطن، فهم اليوم شباب الامة وغدا رجالها.

وهكذا كان يدعو في مدرسة دار العلوم ايضاً. وقام محمد عبده بالتدريس كذلك في الأزهر، مركز الحركة الوطنية، وكان منهجه التعليمي دائما يركز على التحرر من قيود التقليد والتمسك الشديد بها، وألمح الى ان الفلسفة هي وسيلة التحرر من التقليد.

وحارب في المدرسة الخديوية طغيان اللغات الاجنبية، وطالب بتركيز الاهتمام باللغة الام، وقد كانت دعوة محمد عبده بالرغم من هدوئها فعالة ومؤثرة بدرجة أزعجت السيادة الاستبدادية. ولم يمارس محمد عبده مهام وظيفته سوى عام واحد، ثم نصح بتقديم استقالته ومغادرة القاهرة والعودة إلى مسقط رأسه ثانية والبقاء هناك، وقد اعاقه هذا القرار عاما عن المضي قدما في طريقه الاصلاحي الذي بدأه.

وفي عام 1880 عاد رئيس الوزراء رياض باشا من أوروبا، وسعى من اجل اسناد وظيفة جديدة إلى محمد عبده، وهي محرر أول، ثم رقي رئيسا لتحرير الجريدة الرسمية للحكومة «الوقائع الرسمية». ولم يثن العمل الجديد محمد عبده عن الاستمرار في رفض السيادة الاستبدادية، بل انه وجد فيها فرصة سانحة للمضي قدما في نهجه بعزم لان هذه الوظيفة الجديدة جعلته قويا وصلبا.

ويشير المؤلف إلى مجلة «العروة الوثقى» الذي أسسها محمد عبده بالتعاون مع جمال الدين الافغاني، تلك المجلة التي انتشرت في مصر والهند وكل البلاد الاسلامية، وكان هدفها الذي عملت من اجله هو حق الحرية للشعوب الاسلامية، ومكافحة الاستعمار والسيطرة الاجنبية واستعباد البشر الذين ولدوا جميعا احرارا ولهم الحق في العيش بحرية. ولكن بعد عشرة أشهر من صدورها تم تحريمها ومنعها من الصدور، وبعد ذلك افترق محمد عبده عن معلمه جمال الدين الافغاني.

وتوجه معلمه إلى روسيا بينما سافر محمد عبده إلى تونس للتعرف على العالم الاسلامي عن قرب.

وهناك حاول ايضا الكفاح من اجل نهضة العالم الاسلامي، وقد أشار في محاضراته واحاديثه إلى المنفعة الكبيرة التي ستعود على الشعوب الشرقية اذا تعاونت، إلا انه لم يبق وقتا طويلاً في تونس، بل ذهب إلى بلاد الشام وعمل معلما وخطيبا حتى عام 1888، وحصل على تصريح بالعودة ثانية إلى مصر من اللورد كرومر المندوب السامي في مصر.

وقد وافق الخديوي توفيق باشا بنفسه على قرار العودة، وكان هو الذي نفاه من قبل بايعاز من المندوب السامي.

ويتوقف بنا المؤلف في النهاية عند المرحلة الاخيرة في حياة محمد عبده والتي بدأت بتعيينه قاضيا في محكمة اهلية ابتدائية خارج القاهرة، ثم مستشارا في محكمة من الدرجة الثانية بالقاهرة.

وقد قبل محمد عبده العمل في القضاء على غير رضا لانها لم تتح امامه امكانية الاتصال المباشر بالشعب، وكان يفضل التدريس على ذلك، ولكن خوفه من ان يقوم الخديوي توفيق بابعاده ظل دائما هو السبب الذي جعله بعيدا عن التدريس.

وبالرغم من انه شعر بأنه منوط بواجبات مهمة تنتظره، إلا انه وجد الفرصة ليكشف عيوبا كثيرة في نظام القضاء ويحاول اصلاحها، حيث تحرر من التقليد وحرفية القوانين، فقد كان القانون بالنسبة اليه هو ضمير القاضي الذي يجب ان يخدم الحقيقة، وهو احد المبادئ المهمة في المسائل القانونية.

وتطلب هذا منه ان يتحلى القضاة بالشجاعة والثقة بالنفس خاصة مع القوانين ذات القداسة، وكان هذا من ناحية اخرى غاية في الاهمية من أجل استمرار صلاحية العقل البشري الذي يصيغ القوانين. وفي عام 1889 وجد محمد عبده فرصة اخرى من أجل التوجه إلى الامة، لكن هذه المرة من خلال تولي اعلى منصب في مصر، وهو منصب مفتي البلاد، وعين في العام نفسه عضواً في هيئة كبار العلماء، وعضوا في مجلس شورى القوانين.

وقد حاول محمد عبده من خلال هذه الوظائف تحقيق افكاره الوطنية، إلا ان المنية عاجلته في 11 يوليو 1905.

مصطفى علي محمود

الكتاب: الامام محمد عبده

الناشر: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ـ القاهرة 2005

الصفحات: 144 صفحة من القطع المتوسط