تعمل مؤلفة هذا الكتاب صحافية اقتصادية في وكالة الصحافة الفرنسية، وهي مختصة تحديداً بالتجارة وبعمليات التوزيع على نطاق واسع. هذا الكتاب هو ثمرة سلسلة من التحقيقات والمقابلات التي قامت بها المؤلفة ما بين صيف 2004 وربيع 2005 مع «شراة» قطاع الاستهلاك الكبير، أي «شراة» الماركات الكبرى ومخازن التوزيع الموجودة في العديد من بلدان العالم تحت الاسم نفسه وشركات البيع بالمراسلة.. الخ.

منذ البداية تحذر المؤلفة قارئها بانها لا تبحث أبداً عن تحميل «الشاري مسؤولية النتائج المترتبة على المنظومة السائدة القائمة على المنافسة بين الشركات وبين الدول في عالم مفتوح على المبادلات الدولية. انها تعتبر بأن الجميع مسؤولون عن آلية عمل أية «سلسلة اقتصادية».

لكن هذا لا يمنع واقع ان «الشراة» هم الذين يلعبون دور المحرك في انتقال هذا المنتوج أو ذاك من بلد إلى آخر ويبحثون عن أفضل الأسعار من منظور الوصول إلى «إرضاء المستهلك»« باعتباره «المستهدف» في نهاية الدورة التجارية.

وتروي المؤلفة حادثة تعود إلى مطلع عام 1999 جرت في مقر إدارة مجموعة «ألان أفليلو» لبيع النظارات في فرنسا، وهي إحدى المجموعات الأكثر شهرة في فرنسا، بل وفي أوروبا. في ذلك اليوم اجتمع الفريق الإداري بكامل أعضائه لبحث موضوع واحد هو إيجاد مفهوم قادر على حثّ الفرنسيين لامتلاك نظارات عدة وإلى استبدالها كما يفعلون بالنسبة لقمصانهم وأقلامهم.

كانت الإحصائيات غير مشجعة إذ دلّت على أن الفرنسيين لا يلجأون إلى تغيير نظاراتهم إلا مرة واحدة كل أربع سنوات. لذلك كان مطلوباً معالجة المشكلة من جذورها وإقناع المستهلكين بأنه ينبغي امتلاك نظارتين على الأقل مع الإلحاح على فكرة أن كسر واحدة لا أهمية له أبداً.

بالوقت نفسه اقترح «أفليلو» فكرة جريئة ترمي إلى سحق منافسيه وهي تقديم نظارة إضافية لكل من يشتري نظارة بحيث يكون ثمن الثانية فرنكاً فرنسياً واحداً؛ أي مجاناً «عملياً». كانت تلك أفضل طريقة من أجل ترويج مفهوم أن النظارات لم تعد من الكماليات وإنما أصبحت سلعة عابرة بل و«شبه قابلة للرمي بعد الاستخدام».

لكن كيف يمكن لمؤسسة أن تقدم هدية بقيمة نصف سلعها؟ إن التفسير قابل للتطبيق، كما تؤكد مؤلفة هذا الكتاب على أغلبية سلع الاستهلاك على مدى واسع، فمنذ عشر سنوات تتم صناعة إطارات نظارات مخازن «أفليلو»، وكذلك جميع متاجر بيع النظارات في أوروبا بأكملها ببلدان تتميز برخص اليد العاملة فيها.

وذلك بشكل رئيسي في آسيا وخاصة في الصيف. وكان «أفليلو» قد قال وكأنه يحلم يوم اجتماعه مع أركان مجموعته: «إذن لن نستطيع أن نبيع نظارات بقيمة فرنك واحد، فإن هذا بفضل الصين».

وقبل عشرين سنة كانت واجهات المخازن تعج بالسلع المصنوعة في المدن المجاورة والمصانع المجاورة والحقول المجاورة.. أما اليوم فقد أصبحت تصل إلى الأسواق من مناطق بعيدة لم يكن المستهلكون قادرين على تحديد موقعها على الخريطة.

ولكن اليوم غدا من المأمول أن يشتري المستهلك من السوق الفرنسية مثلاً أغطية لسريره من صناعة نيبال والنظارات وأحمر الشفاه صينية المنشأ، والملابس الداخلية تحمل اسم بنغلاديش والأحذية من صناعة الصين والملفوف من إنتاج غواتيمالا.. في كثير من هذه الحالات تحت اسم «ماركات» شهيرة.. إلخ.

هذه السلع كلها تصل إلى الأسواق المعنية بها بفضل «شراة محترفين» قد يصلون أحياناً إلى مناطق نائية في الصين أو الهند. وبفضل الأسعار التي يحصلون عليها يمكن عرض سلع ومنتوجات على المستهلكين بتخفيض 50% من السعر، أو شراء منتوجين بثمن منتج واحد أو تقديم «هدية» مثل الانتساب إلى أحد النوادي.

الأمر كله يتعلق بمهارة هذا «الشاري» المحترف أو ذاك وقدرته على اكتشاف أقل سعر من غيره ولو كان في الواقع أكثر بعداً. وكان أحد هؤلاء «الشراة» قد قال ذات مرة: «لو كانت هناك مصانع على القمر، فسوف نذهب إليها».. وهذا عنوان أحد فصول الكتاب.

وتشير المؤلفة إلى أنه منذ عشر سنوات فإن شركات عديدة في البلدان المتقدمة قامت بتغيير «منطق» نشاطها، إذ بدلاً من امتلاك المصانع قررت الاكتفاء بطلب شراء السلع والمنتوجات من مناطق أخرى. إن مثل هذا الإجراء يجنبها التعرض للتهديد بإضرابات ونزاعات اجتماعية.. وكذلك لم تعد هناك حاجة لرؤوس الأموال من أجل شراء الآلات ثم صيانتها..

المطلوب فقط «شاري متمرس يعرف كيف «ينبش المنتوج الجيد بأفضل سعر» ثم يضع عليه «ماركته».

لا شك بأن مثل هذا السلوك صعب بالنسبة لرجل صناعة «من الطراز القديم توجد بينه وبين آلاته علاقة «شبه عاطفية». لكن المسألة تختلف تماماً بالنسبة لمجرد إداري «خريج إحدى المدارس التجارية». لكن بكل الأحوال وكائناً ما يكون لمدير فإنه عندما يلجأ المنافسون إلى الحصول على المنتوجات نفسها بأقل سعر فإنه لا يستطيع سوى اتباع الحركة أو «أن يضع مفتاح مؤسسته تحت الباب».

فمثلاً إذا كانت كلفة تصنيع حذاء في فرنسا هي 31 دولاراً مقابل 5 دولارات فقط في الصين، مع استخدام الآلات نفسها والمواد الأولية نفسها و«الشكل» نفسه، والدقة نفسها كما يؤكد جميع الخبراء.. باختصار إنتاج الحذاء نفسه والمواصفات نفسها في هذه الحالة لا يمكن أبداً للحذاء «الفرنسي» أن ينافس الحذاء «الصيني» في إطار حرية التبادل التجاري، وكمؤشر على أسعار الإنتاج في الصين،

تذكر المؤلفة قياساً بالدولار عند الخروج من المصنع فإن كلفة إنتاج ساعة للأطفال هي 15 سنتيم، وساعة المنبّه 25 سنتيم، والنظارات الشمسية 70 سنتيم، وقلم الحبر الناشف ما بين 2 و3 سنتيم والثوب النسائي من النوع الجيد ما بين 4 و5 دولارات.

وفي محصلة المقارنة مع كلفة الانتاج في السوق الفرنسي تصل المؤلفة إلى القول: «بفضل الكلفة الرمزية لليد العاملة في بلدان الشرق ـ خاصة الصين ـ فإنه بالنسبة لمجموع منتوجات الاستهلاك الجماهيري من الأكثر بساطة حتى الأكثر تعقيداً ـ قارئ الـ دي.في.دي ـ

فإن فارق السعر بالنسبة إلى الانتاج يتراوح ما بين 2 و20 فمن يمكن ان يقاوم مثل هذا التوفير؟ ومن الملاحظ أن الانخفاض الكبير في كلفة الانتاج بالبلدان الآسيوية او بلدان الجنوب مثل المغرب وتونس قد تواكب مع انخفاض في القدرة الشرائية للمستهلك الأوروبي خاصة والغربي عامة..

وهذا ما يدفعه للبحث عن المنتوجات الأقل سعراً.. أي ما يصب عمليا في تنشيط البحث المستمر عن «الأرخص» الذي هو «الابعد» بالنسبة و«الشراء» التابعين لمجموعات التوزيع الكبرى. وهكذا شيئا فشيئاً ألغى دار «المستورد» ذلك ان العمليات التجارية اصبحت تتم مباشرة هنا تفتح المؤلفة قوسين لتلاحظ بأن المبادلات التجارية، حتى البعيدة منها كانت موجودة منذ الازمنة القديمة.

ذلك «ان تاريخ التجارة قديم قدم الانسانية». ثم ألم يكن المستوردون هم أول «المعولمين»؟ صحيح قد تم الآن تجاوز «دورهم» للذهاب والشراء مباشرة «من النبع». وترجع المؤلفة في تحليلاتها الرامية إلى تحديد تاريخية المنعطف الذي أدى إلى «البازار العالمي الكبير» إلى عام 1978 حيث قررت الفيدرالية الفرنسية لصانعي العاب الأطفال بأنه قد حان الوقت ليتوجه أعضاؤها.

أكبر صانعي لعب الأطفال آنذاك، إلى هونغ كونغ مباشرة ذلك انه كانت تأتي من هذا البلد أغلبية العاب الأطفال التي تباع «دون أية ماركة» في أوروبا بوساطة مستوردين يزودون بها المخازن والمعارض منذ ذلك التاريخ بدأت «العلاقات المباشرة»، واليوم ثلث الألعاب المباعة في أوروبا تأتي من جنوب شرق آسيا، منها 40% من الصين التي تقوم بتصنيع الألعاب الالكترونية كلها تقريبا. هكذا نقل أصحاب الماركات الفرنسية نشاطهم إلى البلدان الآسيوية حيث «أنقذوا» حضورهم في السوق وان كان ذلك فى أغلب الأحيان مقابل اضاعة مصانعهم.

والى نهاية حقبة السبعينات تعود أيضاً بدايات تشكل «مجموعات التوزيع الكبرى» التي أقامت «شبكات» لها في البلدان الآسيوية ذات الكلفة المنخفضة الانتاج. واذا كانت العملية قد لاقت في البداية بعض الصعوبات العائدة لحواجز ادارية وجمركية ولنوعية المنتوجات نفسها، فإنه اعتباراً من منتصف الثمانينات اصبحت مخازن شهيرة مثل «غاليري لافاييت» في باريس تتزود ببعض سلعها من الصين وحتى بالنسبة لمنتوجات «الموضة» أو الأغطية المنزلية..

وماذا عن اليوم؟ تقول المؤلفة: «ان غاليري لافاييت وكي تتزود بالسلع ذات الاستهلاك الواسع التي تباع تحت اسم ماركتها لم تعد تشتري عملياً أي شيء من فرنسا حيث لم يعد يوجد تقريبا أي صانع في الميادين التي تهمها. ان الغالبية العظمى من مشترياتها تأتي من آسيا،

خاصة من الصين والهند ولكن ايضا من لاوس وفيتنام وسريلانكا والباكستان».

وإذا كانت الألبسة الجاهزة هي في رأس قائمة السلع المتداولة في «البازار العالمي الكبير» فإنها ليست سوى قطاع «مهم» إلى جانب غيره.. بما في ذلك القطاع الغذائي.. وهكذا ليس غريباً أن يكون السوق الفرنسي «مغموراً» بالفاصوليا المقبلة من المغرب أو من كينيا..

ولم تقتصر مبيعات هذه المادة على المنتوج الطازج وإنما قامت شركات التوزيع الكبرى بإنشاء مصانع في بلدان الإنتاج كي تصّنع المعلبات. وتنقل المؤلفة عن مديري إحدى الشركات المعروفة لبيع المواد المعلبة قوله: «إذا كنا نخسر الأموال فهذا لكون أننا كنا نبيع بأرخص من قيمة الإنتاج. وإذا كان علينا إما أن ننتج بكلفة أقل أو نشتري بسعر أقل». ثم يضيف: «لقد قال لنا مسؤولو التوزيع الكبير:

«إذا بعتم الفاصوليا التي تنتجونها وتعلبونها بسعر باهظ فإننا سوف نذهب إلى المغرب من وراء ظهركم». والنتيجة؟ أصبحت الشركة تشتري الملفوف من بولندا والفلفل من إسبانيا أو البرتغال أو تركيا والذرة الصفراء من هنغاريا والطماطم أحياناً من الصين... إلخ.

ولكن من كان يمكنه أن يشك بأن منتوجات التجميل ومساحيق الوجه التي تباع في الأسواق الفرنسية بينها بنسبة كبيرة قادمة من آسيا و«حتى بالنسبة لأكبر الماركات».. وماذا بالنسبة للعطور؟ لا شك أن فرنسا ـ بلد العطور الأول ـ لا تزال تتفوق على الصين. إن المزيج العطري يأتي من فرنسا والعبوات هي من زجاج فرنسي والتلوينات مصدرها رسوم فرنسية والتعليب فرنسي..

لكن هذا لم يمنع أحد منتجي العطور الفرنسية من القول للمؤلفة: «ليس هناك أي شك بأنه خلال خمس أو عشر سنوات ستختفي جملة ـ صنع في فرنسا ـ عن الكثير من ملحقات اكسسوارات صناعة العطور كالزجاجات والتعليب وغيرها».. ثم إن الصين تهتم «عن قرب» بالعطور الفرنسية.

وما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن مستوى الأجور ليس السبب الوحيد الذي يدفع الشراة للتزاحم من أجل عرض طلباتهم على الورشات الصينية، ولتفضيل الصين على غيرها من البلدان بحيث إنها تصبح أحياناً بلد التصنيع الوحيد الذي يتعاملون معه، بل هناك ما تسميه بـ «الانجذاب الجماعي الهائل». وهذا يبدو من الحماس والاندهاش من مغالبة الشركات الصينية وسرعتها في الإنتاج وقدرتها الباهرة في التأقلم مع الحداثة واكتساب الدقة.

وتنقل المؤلفة عن أحد «شراة» قطاع الأحذية من بين الذين قابلتهم قوله: «إن الحوض الصناعي الوحيد الذي يتطور تكنولوجياً هو الصين التي تتعلّم خلال عام أو عامين ما يحتاج منتج فرنسي عشر سنوات لتعلمه».

وفي المحصلة ان «اقتصاد البازار» يعبر عن ظاهرة تمركز الاستهلاك على المنتوجات ذات السعر المتدني. لكنه يحمل خطورة استبدال «النموذج الصناعي» بـ «نموذج استهلاكي هجين» يحمل في طياته نوعاً من «التدمير الذاتي» بالنسبة لبلدان القارة الأوروبية القديمة. فهل نستعيد من التجار مفاتيح العالم؟ هذا هو العنوان الذي اختارته المؤلفة للصفحات الأخيرة من كتابها.

الكتاب: «البازار» العالمي الكبير

الناشر: بوران ـ باريس 2005

الصفحات: 239 صفحة من القطع المتوسط

LE GRANDE BAZAR MONDIAL

LAURENCE BENHAMOU

BOURRIN - PARIS 2005

P. 239