مؤلف كتاب «الميسر والقداح» هو العلامة «أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة» المولود في «الكوفة» سنة 213 هجرية، وقيل في «بغداد» وقد نشأ «ابن قتيبة» في بغداد، التي كانت حاضرة الخلافة العباسية وموئل العلماء ومنتدى الأدباء، وقد أغنى مدة شبابه بالتحصيل الجاد والأخذ من علماء الحديث وأئمة اللغة،

وأعلام الأخبار والأدب، حتى إذا ما اشتد ساعده واستقام له من فنون ثقافة ذلك العصر وعلومه نصيب وافر، نال حظوة عند أرباب الدولة، فاتصل بـ « ابن خاقان» وزير الدولة العباسية لذلك العهد، وصنف لهذا الوزير كتابه «أدب الكاتب».

وقد لزم «ابن قتيبة» مدينة «بغداد» عاصمة العلم ومدينة الحضارة في العالم كله لذلك العهد، فلم يبرحها إلا إلى «الدينور» مدة ولايته القضاء فيها، وكان ذلك سبب استشهاره بلقب «الدينوري» نسبة إليها.

وقد أجمع كل من درس هذا العالم، على أنه من العلماء والأدباء، وأنه كان رأساً في العربية واللغة والأخبار، وأيام العرب، وغريب القرآن الكريم ومعانيه، كما اتفق العلماء على أن مصنفاته ذات فائدة عظيمة، وقد ترك لنا «ابن قتيبة» قرابة ستة وأربعين كتاباً، لعل أشهرها: غريب القرآن ـ كتاب القراءات ـ أدب الكاتب ـ كتاب المعاني ـ عيون الأخبار ـ طبقات الشعراء ـ كتاب الميسر والقداح ويبدو أن «ابن قتيبة.

كان مدركا أن تاريخ القداح والميسر جزء من تاريخ العرب الاجتماعي قبل الإسلام، وقد نهج في تأليفه منهجاً علمياً حيث قال في مقدمته: «ولم أجد السبب إلى ما التمسته إلا جمع الأبيات في الميسر وتدبرها، والاستدلال على كيفيته باعتبارها، ففعلت ذلك وأودعت كتابي هذا منه، ما أدى إلى النظر ودل على الاستخراج».

على أن كتاب «الميسر والقداح» لو لم تكن له تلك الفائدة في فهم بعض المواطن من كتاب الله سبحانه، ولو لم تكن الحاجة ماسة إليه في معرفة جزء من التاريخ الاجتماعي في بلاد العرب، ولو لم تكن له مزية المنهج العلمي الذي اختاره «ابن قتيبة» لتأليف كتابه، فإن الكتاب في نفسه من أجل المصنفات في الأدب واللغة،

لأن «ابن قتيبة» قد ابان في تفسير أبيات«ابن مقبل والطرماح» وغيرهما في القداح والميسر، عن دقة نظر، وسعة علم، وحسن استخراج، وقد بدأ كتابه بذكر الميسر، فقال: الميسر الجزور نفسه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء، فكأنه موضع التجزئة، وكل شيء جزاته فقد يسرته.

ويقال للضارب بالقداح أيضا «يَسَرَ» والجمع أيسار، وهذا هو الميسر الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وحرّمه.

ثم ينتقل المؤلف إلى باب الاستقسام بالأزلام، والأزلام القداح وأحدهما زلم ـ وهي الأقلام أيضا وأحدها قلم، وكانوا اذا أرادوا ان يقتسموا شيئاً مختلفا بين قوم، تساهموا عليه، فما خرج لكل امرء جعلوه حظا له، فقيل «الاستقسام. أي طلب القسم وهو النصيب، وإذا تشاحنوا في أمر من الأمور، جعلوه عن خرج قدحه، واذا ارادوا الخروج إلى وجهة، ضربوا بالقداح والاستقسام أشبه بالقرعة، ولكن استقسام العرب في الجاهلية كان عند أنصابهم، وفي بيوت أصنامهم، وكانوا يظنون أنها هي التي تخرج لهم في القدح وما يمتثلونه.

ثم ينتقل المؤلف إلى باب نفع الميسر، قال الله عز وجل: «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما»، وأما نفع الميسر، فإن العرب كانوا في الشتاء عند شدة البرد، وجدب الزمان، وتعذر الأقوات على أهل الضر والمسكنة، يتقامرون بالقداح على الابل، ثم يجعلون لحومها لذوي الحاجة منهم والفقراء، فإذا فعلوا ذلك، اعتدلت أحوال الناس. قال الأعشى يمدح قوماً

المطعمو الضيف إذا ماشتو

والجاعلو القوت على الياسر

أي يجعلون أقوات الفقراء منهم على الياسرين بالقداح،وهم أهل الثروة.

محمد سطام الفهد