مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الأميركي من أصل أوكراني ياروسلاف تروفايموف. وكان قد اشتغل كمراسل صحافي لعدة جرائد أميركية في منطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا الوسطى، ومنطقة البلقان. وهو الآن يكتب ويعيش في العاصمة الإيطالية روما.

والفكرة الأساسية لهذا الكتاب هي التالية: بعد (11) سبتمبر مباشرة سافر هذا الصحافي إلى أكثر من عشرة بلدان إسلامية لمعرفة ردود الفعل على تلك الضربة. ولتحقيق ذلك فإن المؤلف قابل الناس في الأحياء الشعبية، وقابل أيضاً المثقفين ورجال الدين والجهاديين أو الأصوليين المتشددين ... الخ. وعن هذه المقابلات كلها نتج هذا الكتاب. وبالتالي فهو عبارة عن تحرٍ ميداني على أرض الواقع.

وقد اكتشف المؤلف أن الصورة أكثر تعقيداً مما يظن. فليس كل المسلمين ضد أميركا على عكس ما توهم. وليس كل المسلمين يفهمون الإسلام أو الإيمان بنفس الطريقة. صحيح أن الكثيرين يفهمون الإيمان على أساس أنه في حالة حرب مع أميركا والغرب. ولكن البعض الآخر يرفضون تسييس الإيمان أو الإسلام بهذه الطريقة. وبالتالي فهناك عدة اتجاهات في العالم العربي والإسلامي لا اتجاه واحد.

ونلاحظ أن البلدان التي زارها المؤلف مباشرة بعد ضربة (11) سبتمبر لكي يتلقى ردود الفعل «على الطازج» هي التالية: المملكة العربية السعودية، تونس، اليمن، الكويت، العراق، أفغانستان، لبنان، مالي، البوسنة. وفي كل بلد قابل عشرات الشخصيات من سياسية وثقافية، وناس عاديين ... الخ.وقد ابتدأ المؤلف تجواله في العالم العربي بالقاهرة. وكانت دهشته كبيرة عندما اكتشف أن الناس في الأحياء الشعبية الفقيرة كانوا متعاطفين ـ ولو جزئياً ـ مع ضحايا (11) سبتمبر.

وقد سمع أحدهم وهو لابس الجلاَّبية المصرية يقول: لماذا نفرح بمقتلهم؟ إنهم بشر مثلنا ولهم عائلات.. من الذي فعل ذلك؟ وبأي حق نقتل كل هذا العدد الكبير من الناس بشكل عشوائي؟! ولكن عندما انتقل إلى حي الأغنياء والمهندسين والطبقة الوسطى والمثقفين وجدهم فرحين جداً بما حصل! وقد صرخوا أمامه قائلين: لقد نالت أميركا ما تستحقه! ثم عبَّروا عن حزنهم لأن عدد القتلى من اليهود ليس كبيراً.. وقد وصل الأمر بأحد أصحاب المقاهي إلى حد طرده من المقهى بالقوة لأنه عرف أنه أميركي.

ثم استنتج المؤلف أن الذين يعرفون الغرب بالفعل هم الحاقدون عليه وليس الشعب البسيط الطيب على حد قوله. ولكن هذا لا يعني بالطبع أن كره أميركا ليس شعبياً. ثم أردف يقول: وهذا يذكرنا بقصة سيد قطب. فهو لم يحقد على الحضارة الغربية بالفعل إلا عندما زار أميركا في بعثة تعليمية عام 1949 وأمضى فيها سنة ونصفاً أو سنتين. وبعدئذ عاد إلى مصر وهو حاقد على الغرب وحضارته إلى أقصى الحدود.

ثم يقول المؤلف مردفاً: عندما سمعت كل هذا الكلام عرفت أن ضربة (11) سبتمبر لم تبتدئ عام 2001 وإنما قبل ذلك بقرن أو قرنين من الزمان. إن أسبابها عميقة وبعيدة جداً. إنها تعود إلى زمن الاستعمار. فالعرب، والمسلمون بشكل عام، حاقدون علينا لأننا استعمرناهم لفترة طويلة من الزمن وهيمنا عليهم.

بل ويمكن القول إن الصراع يعود إلى بدايات الإسلام مع اليهود والنصارى. صحيح أنه توجد في القرآن الكريم آيات تحض على التسامح معهم، ولكن توجد آيات أخرى تحذر منهم أشد الحذر. نضرب كمثال على الموقف المتسامح الآية التالية: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم». (البقرة: 256).

ونضرب على الموقف المتشدد من اليهود والمسيحيين الآية التالية: «ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين». (المائدة: 51). ولكن عموماً فإن القرآن الكريم يميل إلى التسامح لا التشدد، وإلى المغفرة والرحمة، لا الانتقام والعنف، والمشكلة تكمن فقط فيما يلي: هي أن بعضهم يفهمه بشكل غلط ويفسره على غير وجهه ولا يرى فيه إلا رسالة عنف وانتقام.

ويرى المؤلف أن ذلك واضح في أيديولوجيات الحركات الأصولية منذ عشرينات القرن الماضي وحتى الآن. فهي لا ترى من القرآن الكريم إلا وجهاً واحداً، ولا تركز إلا على الآيات التي تشتم منها رائحة العنف وذلك بعد أن تنزعها من سياقها وتفهمها على غير وجهها.

إنها تنسى أن الله عز وجل خاطب نبيه في القرآن الكريم على النحو التالي: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». فكيف يمكن إذن أن تتحول رسالة الإسلام إلى نقمة على الآخرين وعنف وتشدد وإكراه في الدين؟ أليس هذا انحرافاً عن جوهر رسالة القرآن والإسلام الحنيف؟

ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع إن الحركات الأصولية المعاصرة تركز على طهارة الدين مثلما كانت الحركات الفاشية الأوروبية تركز على طهارة العرق والحركات الشيوعية تركز على طهارة الانتماء الطبقي. في كل الحالات نلاحظ وجود موقف رافض للآخرين، كل الآخرين إما باسم الدين، وإما باسم العرق الأسري النظيف المتفوق، وإما باسم الصراع الطبقي الذي لا يرحم.

ويرى المؤلف أن شعبية المتشددين والأصوليين في العالم العربي تعود إلى عدة عوامل منها عدم سعي أميركا الجاد إلى إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. ومنها انحيازها المتواصل لإسرائيل. ومنها الفقر والجوع في العالم العربي. ومنها عدم فهم الحضارة الأميركية على حقيقتها.

فهناك صورة مشوهة عن أميركا في العالم العربي. ولذلك فإن الإدارة الأميركية قررت إنشاء إذاعة خاصة موجهة إلى الجماهير العربية لشرح وجهة نظرها. كما وأنشأت قناة تلفزيونية لهذا الغرض. وبالتالي فالحرب الجارية حالياً هي حرب أفكار بقدر ما هي حرب جيوش وأساطيل.

ويرى المؤلف أن خطة بوش للرد على ضربة (11) سبتمبر كانت موفقة في جانب، وفاشلة في جانب آخر. فقد استطاع قلب نظام الطالبان وتفكيك معسكرات القاعدة بسهولة هناك. ووجه ضربات موجعة إلى المتطرفين في أفغانستان والباكستان وأماكن أخرى عديدة. وقبض على بعض القادة الكبار المهمين.

ثم استطاع إسقاط نظام صدام حسين بسهولة أيضاً. ولكنه فشل في إعادة السلام إلى العراق. ومعلوم أنه كان يقول ما معناه: سوف نحرر العراق من الديكتاتورية والخوف ونحوله إلى جنة للحرية والديمقراطية. وسوف يصبح عندئذ نموذجاً يحتذى لكل دول المنطقة.

ولكننا نلاحظ أن العراق أصبح الآن أخطر بؤرة في العالم. فقد تجمع فيه كل المتشددين والأصوليين وتحول إلى ساحة عالمية للصراع. بل وأصبح مهدداً بالحرب الأهلية بسبب تصريحات الزرقاوي وجرائمه. ومعلوم أن التفجيرات الانتحارية التي قام بها أدت إلى سقوط الآلاف في أوساط الشعب العراقي وليس القوات الأميركية.

ثم يردف المؤلف قائلاً: والواقع أن الأبرياء هم الذين يتساقطون في كلتا الجهتين من هذه الحرب المعلنة بين الغرب والأصولية المتشددة. وأكبر دليل على ذلك، التفجيرات الإرهابية التي حصلت في مدريد، ولندن، وجزيرة بالي باندونيسيا، ومناطق أخرى عديدة سواء في العالم العربي أم في الغرب. ثم ينبغي ألا ننسى آلاف القتلى العراقيين الذين سقطوا من جراء القصف الأميركي.

إن الرئيس بوش ينطلق من فكرة صحيحة ولكن تطبيقها على أرض الواقع عسير المنال. فهو يرى أن الأنظمة الديمقراطية الحرة هي وحدها التي تكون مسالمة وتحقق الازدهار لشعوبها، وأن الأنظمة الاستبدادية تكون عدوانية بطبيعتها. ويرى أيضاً أن تحرير بلدان الشرق من أنظمتها الاستبدادية سيؤدي إلى السلام والاستقرار هناك.

ولكن المشكلة هي أن هذه العملية لا يمكن أن تحصل بين عشية وضحاها. وإنما تحتاج إلى أجيال عدة لتحقيقها. وهذا ما أهمله الرئيس بوش أو تجاهله. ولكنه أدرك صعوبة الوضع الآن بعد أن اصطدم بالواقع المر في العراق.

ثم ينتقل المؤلف بعدئذ إلى تونس ويقول: لقد زرت هذا البلد بعد ضربة (11) سبتمبر بفترة قصيرة. ووجدت أنه مقسوم إلى اتجاهين: اتجاه أصولي مضاد لأميركا والغرب بعمق، واتجاه ليبرالي يقبل بالانفتاح على الحضارة والحداثة ولا يعتبر ذلك متعارضاً مع تعاليم الإسلام. والواقع أن تونس متقدمة على البلدان العربية الأخرى من حيث المساواة بين الرجل والمرأة، ومن حيث التعليم الحديث، وانتشار الأفكار الجديدة في أوساط عديدة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وهذا الأمر عائد إلى سياسة الحبيب بورقيبة الذي كان من أكبر دعاة النهضة الليبرالية في العالم العربي. وقد رفض الانغلاق على التراث القديم كما يفعل الكثيرون. بل وحارب التعليم الأصولي الذي كان سائداً في جامعة الزيتونة الشهيرة. كما وحارب الفهم التقليدي والتواكلي الأعمى للدين. ودعا إلى تشغيل العقل والمنطق واحترام المنجزات الحضارية الفرنسية أو الأوروبية. كما وحث التونسيين على تعلم لغات أجنبية عدة لكيلا ينقطعوا عن الحضارة والتطور.

ولكن بعد موت بورقيبة أو حتى قبل ذلك شهدت تونس ظهور تيار أصولي متشدد وكاره للإصلاحات التي أدخلها المجاهد الأكبر إلى البلاد. وقد اصطدم هذا التيار بالنظام التونسي بشكل عنيف. ولكن النظام استطاع الانتصار عليه وتطويقه. وقد قابل المؤلف شخصيات سياسية تونسية عدة من جميع الاتجاهات. وقال له أحدهم، وهو من التيار الليبرالي: الحل لن يكون إلا عن طريق التعليم الحديث للدين. أما إذا استمر التعليم التقليدي السابق فإن تونس سوف تسقط في أحضان الأصولية مثلها في ذلك مثل غيرها.

ثم قال له: ينبغي أن تعلم أن الأصولية المتطرفة هي أيديولوجيا توتاليتارية مضادة لروح العصور الحديثة والقيم الإنسانية والديمقراطية. وبالتالي فإما أن تنتصر على الحداثة وإما أن تنتصر الحداثة عليها، ولا يوجد حل ثالث. ثم زار المؤلف الكويت وهي من أغنى الدول العربية وأكثرها انفتاحاً وحداثة على حد تعبيره. ولكنها لا تخلو من التيار الأصولي المتشدد الكاره للأميركيين على الرغم من انهم هم الذين حرروا الكويت من براثن صدام حسين.

وقد قابل هناك العديد من الأصوليين والليبراليين وتناقش معهم حول السياسة الأميركية في المنطقة. والشيء الذي استغربه جداً هو التالي: كيف يمكن لشخص كويتي غني يعيش في بحبوحة وراحة أن ينخرط في صفوف المتشددين في أفغانستان أو العراق؟

الكتاب: الإيمان في حالة حرب

رحلة إلى تخوم الإسلام أو جبهاته: من بغداد إلى تمبكتو

الناشر: هنري هولت وشركاؤه نيويورك 2005

الصفحات: 312 صفحة من القطع الكبير

FAITH AT WAR

A JOURNEY ON THE

FRONTLINES, OF ISLAM, FROM BAGHDAD TO TIMBUKTU

YAROSLAV TROFIMOV

HENRY HOLT AND COMPANY - NEW YORK 2005

P. 312