مقتطف من حوار أجرته مراسلة قناة، راديو ناشيونال، على هامش مهرجان بلو متروبوليس الأدبي 2005 بمونتريال، استضافت خلاله الشاعر والروائي الكندي «جورج إليوت كلارك». سلط الحوار الضوء على روايته الأولى «جورج ورو»، إضافة إلى مناقشة دواعي كتابته الرواية في هذه المرة وتداخل التقنيات الروائية والشعرية. جورج إليوت كلارك أحد أهم شعراء كندا المعاصرين.

حائز على جائزة بورتيا وايت للإبداع، زمالة بيلاغيو سنتر، جائزة التميز في التأليف السينمائي والتلفزيوني، شهادتي دكتوراه فخريتين، وجائزة الحاكم العام. عمل في وظيفة معاون في البرلمان، ومحرر صحافي، وأخصائي اجتماعي، وباحث تشريعي. «جورج ورو» باكورة إنتاجه الروائي.

ـ الحقيقة أنني تأملت هذه الرواية كثيراً، وقبل ان أدعك تتحدث إلى نفسك ساوجه لك سؤالاً، فكما تناهى إلى سمعك يبدو أن ما قرأته، شعراً. أعرف أنك كتبت قصيدة حول الموضوع نفسه، قبل سنوات، غير أنها أخذت شكل الرواية الآن، وأنا اريد أن اعرف ما يعنيه ذلك بالنسبة لك؟

ـ أردت أن أقول أنني، عندما سمعت هذه القصة للمرة الأولى كنت أريدها أن تكون رواية، تصورتها كذلك وعلى الرغم من أنني سمعتها من أمي عندما كنت في الرابعة والثلاثين وكان ذلك متزامناً فقط مع ما حدث في يوم من أيام شهر مايو، 1994. إلا أنني ما أن سمعتها حتى استولت على تفكيري وقلت لنفسي إنها لا بد وأن تتحول إلى رواية، وبدأت بكتابتها في التو، خلال الأسبوع نفسه.

أنجزت أجزاء مما كنت أتصور أنه رواية، واستغرق العمل عليها كرواية لم أواجه في يوم من الأيام مشكلة قانونية، ولكن أتيحت لي فرصة كتابة رواية جريمة بشكل جيد مرت سنوات إلى أن جاء عام 2000. حين سافرت إلى فريدريكتاون، وأمضيت أسبوعاً هناك، تجولت وشاهدت، وتحدثت إلى الناس، وأجريت مقابلات، ثم عدت إلى تورنتو وشرعت في كتابتها في غضون شهر. إلا أنها كانت سيئة.

خلال الفترة ذاتها كتبت مجموعة القصائد التي تحمل عنوان «قصائد إعدام»، وكانت ستحتوي عليها الرواية، إلا أن دار غاسبيرو للنشر قررت أن تنشر القصائد وحدها. وهكذا نشرت القصائد وتأخرت الرواية بسبب المستوى غير الجيد الذي ظهرت عليه النسخة التمهيدية. في ذلك الحين نصحتني محررتي، في دار، هاربر كولينز بالتروي وإعادة النظر فيها.

ـ ماذا تكشف لك فيما يتعلق بحدود الكتابة مابين كتابة الشعر وكتابة العمل الروائي؟

ـ سؤال رائع. إنهما شكلان مختلفان، كما أنهما نوعان مختلفان كذلك. كانت كتابة الشعر أكثر علاقة بالإبداع الأدبي، على الرغم من أن بعضه لا يلتزم بذلك. كنت أكتبه بمزاج إبداعي تام، حتى أثناء محاولتي أن أكون واقعياً. ولكن لدى كتابة الرواية لم تكن هنالك محاولة للإبداع. لم أكن مزاجياً، كذلك كنت أسعى إلى سرد القصة، القصة فقط، كانت تلك هي الأوامر التي أعطيتها لنفسي.

ـ ما الذي تعنيه بمحاولة الإبداع ؟

ـ أنت تعرفين، أن تكون هناك تلميحات إلى «تيتوس أندرونيكوس» على سبيل المثال.

ـ هذه بالتأكيد ليست القهوة....

ـ بالتأكيد. أشعر بالسعادة لأن التلميحات والإشارات موجودة في القصائد التي يحتوي عليها ديوان «قصائد إعدام». إلا أن الرواية... على الرغم من احتوائها على بعض هذه التلميحات والإشارات إلا أنها قليلة. إنها تسرد القصة فقط، وأنا أعرف أن هذا مجرد اختلاف بين كتابة الشعر وكتابة العمل القصصي... أعني أن الرواية تتعلق بالقصة. الحقيقة أنني قرأت منذ وقت قصير شيئاً أعتقد بأنه طريقة دراماتيكية بسيطة لفهم الاختلاف بين الرواية والقصة،

ورغم أنه ليس لي، إلا أن بإمكاني أن أخبركم بمن قاله، إنها فكرة رائعة في الواقع وهي تقول ـ في الشعر، كل كلمة لها أهمية خاصة ـ وهناك اختلاف بسيط أعتقد بأنه حاسم فيما يتعلق بالفرق بين الكيفية التي تفكر فيها بكتابة الشعر والكيفية التي تفكر فيها بكتابة النثر أو الرواية.

ـ ولكن الممتع في هذا العمل، انك تحشر هذا في كل جملة وكل فقرة في الرواية. في مرحلة تصف جريمة القتل... تفعل ذلك مرتين في الحقيقة، مرة في البداية ومرة في مرحلة لاحقة... دون أن يأخذ هذا منك سوى نصف صفحة تقريباً، الواقع أنني كنت أضع الكتاب جانباً لكي يمكنني أخذ قسط من الراحة لأن الرواية مليئة بهذا الشيء. عندما سألت نفسي لماذا، وجدت أنك تكتب بشاعرية. على الرغم من اعتقادي بأنه عمل رائع إلا أنني أتصور أنه متعب بالنسبة للقارئ العادي؟

ـ من الغريب أن استمع إلى مثل هذا الرأي، لأنني لم أكتب هذا العمل ولدي شعور بتحرير كل جملة من عبء الشاعرية. هذا صحيح، إن ما كنت أسعى إليه هو أن تحتوي كل جملة على قدر كافٍ من الكلام الذي قاله الناس، وهو ما يشكل متعة كبرى بالنسبة لي....

وبخاصة في أثناء الرحلة التي قمت بها إلى كل من فريدريكتاون وسانت جون. لقد تلقيت رسائل من الناس، كان الناس يرسلون إليّ بقصائدهم وأغانيهم وأشياء تتعلق بالموضوع. الناس مازالوا يتذكرون هذه الجريمة، بعد 56 سنة من وقوعها. وهكذا فإن ما كنت أسعى إليه من خلال هذه الكتابة هو إبرازأكبر قدر من الأصوات التي كنت أتحاور معها.

ـ سأعود إلى مناقشة هذا الموضوع بعد قليل، لكن لو بقينا قليلاً مع اللغة... هنالك تكرار للمفردات. هلا حدثتنا عن ذلك. لأنك... في وصفك للجريمة، هنالك جمل مثل هذه، دم ودم ودم ودم، وأنت تعرف العديد من المحررين ربما قالوا لك، هيه، لقد قلت هذه الكلمة من قبل. لماذا لا تتخلص منها ؟ إلا أنه ما كان لك أن تصغي لنصائحهم وهو الشيء الجيد، أنا سعيدة بهذا الشيء، ولكن أخبرني عن هذا التكرار.

ـ مشهد القتل تطلب مني التدخل الإبداعي أكثر من غيره. كان يتألف من عشر صفحات في البداية فنصحتني المحررة بتقليل العدد. وهاهو يتألف الآن من صفحة واحدة، وهكذا فهو يبدو الآن سيئاً للغاية بسبب افتقاره إلى الكثير من الإثارة التي كان يحتوي عليها سابقاً.

ـ ولكن ماذا بشأن التكرار؟

ـ أتصور أنه الأسلوب المناسب. عندما تقرأ على سبيل المثال عملاً كوميدياً يدور حول حدث ما، فإنك ترى هذا الحدث من وجهات نظر مختلفة... على الأقل هذا ما كان يحدث لي في طفولتي، أضف إلى هذا الشعور بضرورة الوصول إلى وجهات النظر هذه، كذلك تأثير السينما؛ وتفسير ما يحدث من وجهات نظر مختلفة.

إذاً فهو واحد من الأسباب، وبعد فهناك تأثير الأغاني. لقد وصف بعضهم الرواية بأنها شبيهة بالأغاني الشعبية البسيطة، وأنا أحب هذا في الواقع لأنني أتصور بأنها ربما كانت تحتوي على ذلك النوع من النصوص الفرعية الموسيقية التي تسعى إلى تغطية الموضوع ذاته مرات ومرات، لا لشيء إلا للتأكد من أن الكل يعرف أن هؤلاء الأشخاص قد ماتوا، وأن أحداث عنف قد وقعت هنا، لا خطأ في هذا، حقيقة...

كل ما هنالك أنها لعبة بالنسبة لشخص لم يواجه في يوم من الأيام أي مشكلات قانونية، ثم أتيحت له فرصة كتابة رواية.. رواية جريمة. كان ذلك شبيهاً باللعبة.

ـ وماذا عن البؤس، لأنك تبدو عظيماً في التعامل مع البرد، الشتاء، الجوع، الأشياء التي تتكرر. أعني، أنهم أناس فقراء.كنت تحاول إقناعنا بمدى فقرهم.

ـ أجل، مرة ثانية، هذا مبني جزئياً على القصص التي سمعتها من الناس، وبعض ما سمعته من عمي حينما شرعت بكتابة الرواية هو أن هؤلاء الأشخاص، كانوا يضربون بقسوة، في صباهم. هذه إحدى الصور، لقد استقيت خلفيتي السيكولوجية من هذا الموقف

كما أن كل ما يتعلق بالخلفية الاجتماعية التي أستند إليها يأتي في هذه الجملة بعينها لأن هذه هي صورة العبودية، وهو ما حملني على التفكير فيما كانت عليه صورة هؤلاء الذين هاجروا من الولايات المتحدة، ثم استقروا في مناطق بائسة، وهي خلفية هؤلاء السود الذين استقروا في نوفا سكوشيا، بماريتايمز على وجه التحديد.

ـ لديك أساليب كثيرة لوصف النساء ذوات البشرة السوداء،المائلة إلى اللونين البني، أو الأصفر. النحاس، لون القرفة، سكر القيقب، يبدو أن لديك قائمة طويلة بأوصاف هاته النسوة؟

ـ حسناً، ماذا أقول، هذه واحدة من الذكريات القوية التي ما زلت أحتفظ بها منذ طفولتي.. ورغم أنني لم أكن مدركاً لها في الطفولة... إلا أنني خرجت في أحد الأيام مع جدي وكنا في منطقة ثري مايلز بلينس وكان ذلك مساء يوم صيفي وأشرفت الشمس على الغروب، ظهر لنا شابان، ربما كانا مراهقين، كانت بشرتهما تتلون بلون الكراميل،

وفيما كانا يهمان بقطع الطريق الواصلة إلى منزل جديّ كانت الشمس تضرب وجهيهما لكي يبدو بلون أسمر محمر ولون النحاس، في تلك الأثناء كنت أتناول آيس كريم الأناناس بالبرتقال وكانا يبدوان بالنسبة لي مثل هذا الآيس كريم. الواقع أنها لا تعدو كونها طريقة سهلة للقول بأننا كل هذه الألوان بوصفنا مزيجاً ناتجاً عن الاختلاط بين البيض والسكان الاصليين والزنوج و.... هذه حقيقتنا.

ـ تصدير روايتك، يتمحور حول موضوع الجمال، هلا حدثتني عن ذلك؟

ـ هذه الافتتاحية المأخوذة من كتابات المعماري المبدع «فيوليت لو دك» تعني أن الإنسان الذي تغيب عنه فكرة جماله الشخصي سيكون أكثر جمالاً لو لم يكن مدركاً لهذه الحقيقة.

جورج إليوت كلارك

* وُلد جورج إليوت كلارك في عام 1960 في نوفا سكوشيا، شاعر وروائي

وناقد كندي متميز. ينحدر من الجيل السابع من المهاجرين الأميركيين السود

إلى كندا. تخرج في جامعة ووترلو سنة 1984. يحمل شهادة الدكتوراة في

اللغة الإنجليزية. عمل أكاديمياً قبل تفرغه للكتابة.

* له إصدارات متنوعة في الشعر، أهمها ديوان قصائد إعدام، أناشيد سولت

ووتر، أحلام مورقة.

* صدرت له شلالات وايلاه (مسرحية مغناة ) وبياترس الخطيرة.

* «جورج و رو» أولى أعماله الروائية.

* إضافة إلى موضوعاته التي تحظى بإعجاب النقاد، حصل كلارك على العديد

من الجوائز الإبداعية والتقديرية أهمها، جائزة بورتيا وايت للإبداع، زمالة

جائزة بيلاغيو الإيطالية، جائزة الحاكم العام عن ديوان قصائد إعدام.