مؤلف هذا الكتاب هو المفكر والكاتب السوري مطاع صفدي، المقيم حالياً في باريس، ويرأس منذ عام 1980 مركز الإنماء القومي إلى جانب رئاسة تحرير وإدارة مجلة «الفكر العربي المعاصر». له العديد من المؤلفات في الفكر والفلسفة والدراسات السياسية والرواية والترجمة، منها: «الثوري والعربي الثوري»، و«الحرية والوجود: مدخل إلى الفلسفة»، و«فلسفة القلق»، و«استراتيجية التسمية، ونظام الأنظمة المعرفية»، و«نقد العقل الغربي:
الحداثة وما بعد الحداثة»، و«نقد الشر المحض: نظرية الاستبداد في عتبة الألفية الثالثة (ج1)»، و«نقد الشر المحض: بحثاً عن الشخصية المفهومية للعالم (ج2)»، و«ماذا يعني أن نفكر اليوم: فلسفة الحداثة السياسية والاستراتيجية الحضارية»، ورواية «جيل القدر»، وكذلك رواية «ثائر محترف». ومن ترجماته للأعمال الكاملة لميشيل فوكو: «الكلمات والأشياء»، و«المراقبة والمعاقبة» و«تاريخ الجنسانية:
1 ـ إرادة المعرفة، 2 ـ استعمال الذات، 3 ـ الانهمام بالذات»، و«ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية». وترجم كذلك «ما هي الفلسفة» لجيل دولوز وفيليكس غتاري، وكتاب «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» لفرانسيس فوكوياما. وفي كتابه «نظرية القطيعة الكارثية» ينشغل مطاع صفدي بقضايا ومفاهيم العصر الذي نعيشه، الذي ينفتح على مرحلة المدنية الشمولية للحضارات المعاصرة،
حيث كل حضارة تبحث عن طريقتها للاتصال بهذه المدنية، ما يدعوها إلى ابتكار أسلوب قطيعتها الخاصة مع عوائقها الذاتية، الواقعة تحت سلطة تصورها لهويتها المنضمة على خطوط دفاعاتها الأصلية ضد تهديد الهويات الأخرى. فلا سبيل إلى تحرير الحضارة ذات الوجه القومي من عنفها الخاص إلا بقدر ما تحقق الانفتاح على المدنية الشمولية، ذات الطبيعة القائمة على أساس قبول التنوع الثقافي ضمن وحدة الهويّ الإنساني.
وقد يحدث لنموذج معين من الحضارة المتفوقة بالتقانة العالية، أن تتوهم إمكانية التسلط على المدنية وادعائها احتكار التملك من ثمارها العائدة إلى شراكة بقية الحضارات كلها. وعند ذلك يدخل عصر المدنية الذي يعيش مقدماته الكونية منذ الآن، في صراع التصفية الأخيرة مع ذلك النموذج الاحتكاري الباحث عن الهيمنة الأحادية.
لكن ما يحدث اليوم هو أن المساحة الشاسعة بين الوهم الدعائي والواقع المعيشي قد اتسعت إلى الحد الذي تبخر فيه أطياف الوهم وتمزقت حلقاته، ولم يعد في مقدوره لا حجب أرض الألم تحته، ولا ممارسة القمع والاستبداد القديم باسم أية حجة أو تبرير ديماغوجي مزيف. الحاكم من فوق والشعب من تحت يقفان معاً لأول مرة ربما أمام هول القطيعة الكارثية بين هزائم الأوهام وفظائع الوقائع غير القابلة للتعامل معها بأي طريقة من طرق وأساليب الماضي الذي ينهار زمانه مع استمرار آثاره ونتائجه المدمرة.
فالسؤال: إلى أين بعد، مرتبط بسؤال، لماذا وصلنا إلى هذا. وهما معا يشكلان عتبة ضرورية لإطلاق الاستفهام الأكبر: وما العمل؟ وهي الصيحة التي تذكرنا بحلول المنعطفات التاريخية منذ أن كانت صرخة لينين وما تلاها بعد من قرن الحروب العالمية الكبرى بالأسى القريب، ووراءها إيديولوجيات العنف المطلق. ليس لنا هنا أن نطرح الأجوبة.
فالاستفهام المأزوم هو من طبيعة عالمية وكونية، وليس هو وقفا على وعي الانتكاب العربي والإسلامي. ذلك أنه عندما يغدو التهديد شاملاً للجميع فإن اختيار طرق السلامة غير مجد إن سلكه الجزء أو البعض في وقت تتبنى فيه أكبر قوة دولية أسلوب الأيديولوجيا ثانية، وبعد اندثار عصرها بتجاربه الفاشية الرهيبة،
فتحاول أميركا الذهاب بأيديولوجيا العنف إلى أقصاها مع فرص صيغة الغزو الإمبراطوري سواء بالقوة التدميرية الشاملة، أو بسلطة النفوذ السياسي والاقتصادي المطلق، بحيث لا تبقى دولة كبرى أو صغرى في هذا الكوكب إلا وتنالها حصة من ظل الهيمنة الذي يلف فضاء عالم اليوم، وإلى غد غير معلوم. فالمحنة عربية عالمية في وقت واحد، والتصدي لها يصير شأنا إنسانياً عاماً.
يجهد صفدي نفسه في تحديد مفهومي الحكمة والحكيم، إذ فُهمت الحكمة منذ القدم بوصفها العلم المحيط بكل شيء، والحكيم بوصفه رجل المعرفة الشامل، مع أن الحكيم ليس هو العالِمَ تماماً، ولا الواعظ الديني أو المفكر الأخلاقي.
ويمكن أن ينطبق على حكيم العصر صفة الشاعر المفهومي، الذي يبدع المفاهيم بدل القصائد، وهو فارس البيان، وطالبه الأول. لكنه ليس رجل التأمل وحسب، إذ يعرض صمته الذاتي على حوار وأصوات الآخرين.
ويبدو أن الحكمة تلتقي والقطيعة الكارثية، وقد تمثلها في لحظات معينة من التاريخ. فتاريخ المعارف يأتي من الثورات العلمية والفكرية التي تشكل بدورها الانقطاع الكارثي الذي يحكم بدوره عالم الفكر. وتتعاقب الأنظمة المعرفية المختلفة على أقلمة التفكير والسلوك، فننتقل عبر التاريخ من نظام معرفي معين إلى نظام معرفي آخر مختلف تماماً عن ما قبله.
والقطيعة الكارثية ليست سوى انهيار نظام معرفي ما، وولادة نظام معرفي آخر مختلف، لكنها كارثية من حيث تصويرها لآلية الحدث، أي للجانب التقني منه. في حين أن الحكمة تكمن في المنطقة الوسطى بين انهيار نسق معرفي وظهور نسق آخر.
وفي حال القطيعة يعبّر الحكيم عن تلك الفترة الزمنية التي تحدث فيها، من دون أن يُسجن في منظومة فكرية معينة.
لأن الحكيم هو المعارض للأجوبة، حيث تناقض الحكمة المتداول الساكن وتُعنى بتقديم ما هو مختلف، مع أن الحكمة لا تنطق بالحق فحسب، بل تورده مورد الإقناع، أي أنها لا تقدم البرهان، بقدر ما تنطق بنتائجه، ما يعني أن الحكمة ليست مضطرة للانطلاق من البرهان كيما تصل إلى اليقين.
وتنذر الحكمة الحداثوية بالأسئلة، وتترك للآخرين مهمة التبشير بالأجوبة إن وجدوها، لذلك تنفض الحكمة الحداثوية عن كاهلها أحمال اليقينيات كلها وتحيلها إلى متاحف التاريخ.
ذلك أن حكمة العصر تهدف إلى ابتكار الأنظمة الواقعية التي تترجم صلاحية الحقيقة بما هي حق في ذاتها، إلى جدارة العلاقات ما بين البشر، وذلك بإنتاج تواصلية الفهم والتفاهم على أسس متناغمة من التلاقي الموضوعي بين الأفراد حول لغة الحقوق المتكافئة، وطرق تصريفها عبر المؤسسات المجتمعية.
ويتخذ مطاع صدي من انهيار الاتحاد السوفييتي مثالاً على القطيعة الكارثية. فلقد شكل هذا الانهيار «انقلابا بنيويا» في منظومة المفاهيم، لأنه تضمن سقوط أهم نسق ايديولوجي انقسم الفكر المعاصر بين قطبيه وهو نسق أو براديغم الاشتراكية/ الرأسمالية. وأحدث الانهيار قطيعة ترقى إلى مستوى التوصيف الميتافيزيقي.
ذلك أن التغير الناجم عنه أصاب عمق الشخصية المفهومية للعالم، ليس في جانبه السياسي، أو الثقافي أو الاقتصادي فحسب، بل غد التغيير انقلاباً بنيوياً كلياً اعترى عمق الشخصية المفهومية، بحيث فرضت القطيعة تضاداً حقيقياً بين ما قبلها وما بعدها.إذاً ثمة قطيعة مختلفة من النوع الشمولي، التي تشارك مع سواها من نماذج القطيعات الأخرى المتلاحقة، والتي تتجاوب فيما بينها وتتصادى وقائعها ومغازيها الاستراتيجية، والمشاركة في إحداث صدع جديد مع بنية الشخصية المفهومية للعالم المغاير والمداهم.
وهنا نصل إلى القطيعة المعرفية الأعمق في الفكر السياسي المعاصر، بين النزعة المتجذرة في الإنسان، كفرد وكجماعة، نحو الكوني الأشمل وبين ذلك الواقع الآخر. وتوصل هذه القطيعة إلى تاريخ حافل بتجارب الإمبراطوريات الأحادية وأهوالها الرهيبة، والذي يتمثل اليوم في الإمبراطورية الأميركية المسيطرة اليوم على الشرط العالمي الراهن الملائم لقيام السلطة الكليانية.
وحيث تحقق الأمركة القطيعة الكارثية مع بقية العالم، عبر نزعتها الواحدية، فإن فيض الاقتدار يحول أصحابه إلى أسياد بالقوة، والآخرين إلى عبيد بالفعل. ويتعدى هذا الوضع المسائل السياسية المباشرة، إلى فصم كل علاقة تبادلية عادية وحرّة بين الأطراف الدوليين، ويفترض قيام نوع من استبداد كوني كأمر واقع، لا يتيح إلا معادلة واحدة: بين أحادية السيطرة وشمولية الخضوع.
والأخطر من هذا هو أن الأمركة الإمبراطورية تنطلق من اختراع إيديولوجيا سياسية ماضوية أصولية، لبناء هوية غبية. تقوم على استرداد اليهودية المسيحية، وإعادة الدمج فيما بينها كتأسيس اصطناعي لإرادة الإرادة. ويدعو مطاع صفدي عصرنا الراهن عصر الأمركة الذي يعلن فيه الطاغي حرب القطيعة ضد الآخرين جميعاً، لأنه أضحى بحاجة إلى استلاب الآخرين.
وقد بلغ مستوى من التمفرد الانعزالي أعجزه عن إنتاج الحد الأدنى من خصائص التمفصل مع أقرانه. لكن القطيعة التي يحدثها المستبد مع العالم لا يمكن لأية سلطة يحررها، مهما بلغ تفردها وطغيانها، أن تعوض عنها بأية مكاسب كانت. فالعالم في عصر مدنيته يصفي عبر القطيعة الكارثية مع أحادية الاستبداد النهائي، علاقته بحضارة العنف المسيطرة على ماضيه كله. وتسجل القطيعة الكارثية الراهنة لحظة التصفية النهائية للجدلية المستمرة منذ بداية التاريخ ما بين حضارة العنف المغلق، وبين المدنية الكونية المفتوحة على السلام الإنساني.
عمر كوش
الكتاب: نظرية القطيعة الكارثية
الناشر: مركز الإنماء القومي بيروت 2005
الصفحات: 280 صفحة من القطع الكبير
