مؤلف هذا الكتاب هو الباحث روجر كراولي أستاذ الأدب الانجليزي في جامعة كمبردج وقبل أن يؤلف كتابه هذا ذهب إلى تركيا وعاش فترة من الزمن في اسطنبول، ومعلوم أنها كانت تدعى في السابق، أي قبل الفتح العثماني، بالقسطنطينية، وهو هنا يقدم كتاباً ضخماً عن كيفية فتح تلك المدينة من قبل سلاطين بني عثمان وبالأخص محمد الفاتح ويدرس أوضاعها في ظل البيزنطيين وكيف تردت هذه الأوضاع بسبب الجهل والانغلاق والانحطاط الذي أصاب البيزنطيين في أواخر أيامهم.

وبالتالي فقد أصبحت لقمة سائغة لأعدائهم التاريخيين. ثم يواصل المؤلف كلامه ويقول: عندما صعد محمد الثاني على العرش كان يمتلك جيشاً جراراً ومعنويات عالية وفي عام 1451 كان يعرف أن أوروبا أصبحت تحت رحمته لا ريب في أن السلطان السابق مراد الثاني فشل في فتح القسطنطينية قبل ثلاثين سنة من ذلك التاريخ ولكنه نجح في احتلال مناطق واسعة في البلقان وبخاصة البوسنة وفالاشيا ولم يستعص عليه إلا سكان هنغاريا الذين قاوموه بعنف وصدوه فهذا الشعب المحارب المشهور بفروسيته استطاع إيقاف تقدم الأتراك، بل واستعاد منطقة صربيا من أيديهم.

وفي عام 1444 تدخل البابا شخصياً في المعركة وجمع جيشاً من المرتزقة البولونيين والرومانيين وانضموا جميعهم إلى ملك هنغاريا الذي راح ينتظر الجيش التركي بكل قواته وهو واثق من النصر، ولكن الفرسان الأتراك هجموا على الجيش المسيحي طيلة النهار ولم يتركوه يرتاح لحظة واحدة.

وكانت النتيجة أن انهارت مقاومة المسيحيين ولم يعد أحد داخل مدينة القسطنطينية يتجرأ على أن يخرج من بيته او من داخل أسوار المدينة وعندئذ علَّق مسيحيو الشرق كل آمالهم على مسيحيي أوروبا لكي ينقذوهم.

ولكن لم يتدخل أحد لصالحهم لسبب بسيط: هو أن ملوك أوروبا كانوا مشغولين بمحاربة بعضهم البعض بل وكانت الحرب الأهلية تجري داخل البلد الواحد أحيانا كما حصل في انجلترا! وراح البابا يستصرخ الجميع ويحثهم على التحرك لإنقاذ إخوانهم في الشرق. ولكن الجميع رفضوا ان يرسلوا جندياً واحداً إلى هناك. حقا لقد انتهت الحروب الصليبية او ماتت إلى الأبد.

ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع ان الشرق لم يعد يهمّ كبار ملوك أوروبا. بل وحتى مناطق البلقان الأوروبية لم تعد تهمهم، ولذلك أداروا ظهورهم لها وتركوا الأتراك يستبيحونها بعد ان وضعوا لهم خطا احمر: ممنوع احتلال فيينا! وهكذا اجتاح الأتراك كل منطقة البلقان واستسلم لهم الجميع ما عدا مدينة واحدة: القسطنطينية عاصمة الامبراطورية البيزنطية منذ ألف سنة! ومعلوم أن الأتراك كانوا يحلمون بها ليلاً نهاراً فقط، ومنذ سنوات طويلة، فهي جوهرة الامبراطورية المسيحية في كل الشرق.

ولهذا فإن السلطان محمد الثاني حشد جيوشه عام 1451 لفتح هذه المدينة الخالدة. وعرف سكان المنطقة كلهم بذلك. وخاف المسيحيون خوفاً شديداً. وعرفوا ان المدينة ستسقط هذه المرة لا محالة، اللهَّم إلا إذا حصلت معجزة كأن يتدخل القديس ديمتريوس، او القديس ميخائيل!.

وراح الأتراك يقتربون بهدوء وحذر من المدينة، فالسلطان محمد الثاني كان استراتيجياً محنكاً. وكان يعرف أن المسيحيين يجدون أحياناً في أنفسهم قوة داخلية غير متوقعة. ولذلك لجأ أولاً إلى عزل المدينة عن كل أوروبا وعن البحر الأسود أيضا، وراح ينتظر حتى تنضج الأمور فعامل الزمن كان يشتغل لصالحه. والواقع ان إمبراطورية الشرق كانت قد أصبحت رأساً بلا جسد كانت كلها مختصرة في هذه المدينة التاريخية العريقة: القسطنطينية.

وكان أباطرتها قد فقدوا قوتهم وثرواتهم ووجاهتهم منذ زمن طويل. وزاد من تدهور أوضاعهم أنهم اضطروا في السابق إلى محاربة مسيحيي أوروبا الذين ينتمون إلى مذهب آخر غير مذهبهم هو: المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني. اما هم فكانوا من أتباع المذهب الأرثوذكسي الشرقي. ولا ينبغي ان نستهين بالعداوات المذهبية داخل الدين الواحد. لا ريب في ان أباطرة بيزنطة استطاعوا تحاشي الخطر عن طريق الاعتراف بالأولوية الروحية لبابا روما.

ولكن اعترافهم هذا اغضب كثيرا الشعب البيزنطي الذي كان متعلقا جداً بمذهبه وشعائره، وطقوسه وتقاليده المختلفة عن تقاليد روما وعموم المسيحية الغربية. ولهذا السبب قال السلطان محمد الثاني لأصحابه: المسيحيون يعيشون حالة تضعضع وانهاك شديد انهم يتقاتلون مع بعضهم البعض ويضعفون بعضهم بعضاً. وبالتالي فاللحظة أصبحت مناسبة للانقضاض عليهم وفتح القسطنطينية. وهذه المرة لن يأتي الصليبيون لمساعدتهم.

وهكذا بدا أن الجميع أصبحوا ينتظرون موت بيزنطة ذات التاريخ الطويل العريض، ولذلك لم يتحرك أحد والواقع أن بيزنطة كانت قد خسرت ثروتها وغناها على مدار القرون. ولم يبق لها إلا الثروة الروحية أو الرمزية. وكان الشعب قد أصبح يتأفف أكثر فأكثر من الضرائب المرهقة، التي تفرضها عليه الدولة ولذلك فلم يكن مستعدا للدفاع عنها، ومع ذلك فإن السلطان محمد الثاني ظل حذراً وراح ينصح جنوده قائلاً:

صحيح ان الإمبراطور البيزنطي لا يحظى بأي شعبية لدى رعيته. ولكن لا ينبغي ان نستهين بالشعور الوطني أو الديني لهؤلاء اليونانيين، انظروا إلى الألبانيين وكيف دافعوا عن قراهم في الجبال وظلوا مسيطرين على مناطقهم على الرغم من هجماتنا المتكررة عليهم. وكذلك سيظل سكان القسطنطينية. فهم أول من ينتقد الإمبراطور وينعته بأنه عميل لبابا روما وأهل البندقية في ايطاليا. ولكن عندما ستندلع المعارك بيننا وبينه فإنهم سينضمون إليه لا محالة. وذلك لأنهم لا يريدون ان يصبحوا أتراكاً أو مسلمين.

ثم اقتربت الجيوش العثمانية من المدينة وراحت تدك أسوارها بقذائف المدافع. ولكن الإمبراطور البيزنطي كان مصراً على المقاومة حتى النهاية. وكان ينتظر الغوث في أي مكان آخر، حتى ولو من السماء! وكان يُدعى في ذلك الوقت بقسطنطين الحادي عشر. ثم راح الأتراك يكثفون من قصفهم لأسوار المدينة حتى زعزعوها ولكن دون ان يستطيعوا إسقاطها.

وعندما حاولوا الوصول إلى القسطنطينية من جهة البحر كانت السفن المسيحية تنتظرهم لمنعهم من التسلل ولإلحاق ضربات موجعة بهم. ولذلك فإن الجيش الانكشاري ركز هجومه علي ناحية البر. ثم اقترب من حصون المدنية وأسوارها حتى أصبح على بعد كيلومترين منها فقط.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ومعلوم ان الفرق الانكشارية في الجيش العثماني كانت تمثل قوات النخبة: أي أفضل القوات عدداً وعدة وتدريباً. والأنكى من ذلك هو ان أصولهم مسيحية لا إسلامية. فهم ينتمون الى عائلات في بلاد البلقان. ولكن السلطان كان قد أخذهم صغاراً من أحضان عائلاتهم ثم رباهم على حب الإسلام، وهكذا أصبحوا مسلمين على عكس آبائهم وأجدادهم. بل وتحولوا الى متشددين من أقوى وأعنف ما يكون.

وقد قرروا محاصرة المسيحيين داخل المدينة حتى آخر لحظة: أي حتى يستسلموا من تلقاء أنفسهم. وعندئذ عرف فرسان المسيحيين الذين يحرسون باب القديس رومان أنه من العبث ان يحاولوا فك الحصار والخروج من المدينة. ثم ابتدأ القصف المركز في (11) أبريل من عام 1453.

وظلت المدينة تحت النيران العثمانية لمدة أسبوعين تقريباً. وأصاب الهلع الشديد السكان، ولم يعودوا يعرفون كيف يحمون أنفسهم من الشظايا التي تتطاير في كل مكان. وقد وضع العثمانيون مدفعاً عملاقاً أمام الباب الرئيسي للقسطنطينية من أجل إضعاف معنويات السكان أكثر فأكثر ودفعهم الى الإستسلام. وحاول الرهبان عندئذ رفع معنويات الشعب عن طريق وضع تمثال مريم العذراء على الأسوار.

ولكن ضربات المدفعية كانت قوية جداً الى درجة انها استطاعت ان تهدم أحد أبراج باب القديس رومان. وعندئذ راح الرهبان يحثون الشعب على الصلاة لكي تنقذهم العذراء. وفجأة ينفجر المدفع العملاق وتحصل المعجزة! فقد راح يتفكك جزءاً جزءاً ويصيب بشظاياه الجنود العثمانيين الذين يستخدمونه. وعندئذ أمر السلطان محمد الثاني بحفر الخنادق حول المدينة. ولكن مدافع البيزنطيين راحت تصب على الجنود الانكشارين نار جهنم من فوق رؤوسهم.

وهكذا استطاعوا صدهم ولم يستطع السلطان ان يخترق دفاعات القسطنطينية على الرغم من هجماته المتكررة والكلفة في الأرواح والعتاد. وعندئذ فكر السلطان العثماني بطريقة أخرى لإخضاع عاصمة البيزنطيين التاريخية وهي تجويع المدينة عن طريق منع الإمدادات الغذائية من الوصول اليها. ومعلوم ان حكومة اليونان وكذلك حكومة جنوة كانتا ترسلان السفن المحملة بالمؤونة الى المدينة المحاصرة.

وبالفعل فقد استطاعت هذه السفن ان تخترق الحصار البحري المضروب حول المدينة في 20 أبريل وتصل الى القسطنطينية وعلى ظهرها أكياس الحنطة والجنود وغير ذلك من المساعدات. وعندئذ غضب السلطان العثماني غضباً شديداً على الأميرال التركي بالتفولو. وراح يضربه بالعصا أمام القادة العسكريين ضرباً مبرحاً.

وفي 29 مايو من عام 1453 استطاع الجيش العثماني ان يدخل المدينة ويقتل الامبراطور البيزنطي بعد ان خانه أهل البندقية. ولولا ذلك لربما فشل العثمانيون في السيطرة على عاصمة الامبراطورية البيزنطية ثم دخل السلطان محمد الثاني الذي اصبح اسمه محمد الفاتح الى المدينة على حصانه، بل وراح يدخل الى أكبر كنيسة «القديسة صوفيا» ويأمر فوراً بتحوليها الى مسجد.

وطيلة ثلاثة أيام بلياليها اصبحت المدينة عرضة لأكبر عملية نهب وسلب في التاريخ. وعلى هذا النحو سقطت الامبراطورية المسيحية في الشرق ولم تقم لها قائمة بعدئذ. وتغير اسم القسطنطينية فأصبح اسطنبول: العاصمة التاريخية للأمبراطورية العثمانية طيلة أربعة قرون: أي حتى سقوطها عام 1918. على هذا النحو يرصد لنا المؤلف هذا الحدث الضخم الذي غير مصير العالم والذي حصل يوم 29 مايو من عام 1453.

فبسقوط القسطنطينية أصبحت الامبراطورية العثمانية احدى أكبر الامبراطوريات في العالم وأقواها. والواقع أنها اصبحت مرهوبة الجانب بعدئذ واستطاعت ان تسيطر على معظم بلاد البلقان في ألبانيا، الى صربيا، الى البوسنة.. وشاعت عندئذ أسطورة التركي الذي لا يقهر. وسيطر الأتراك على معظم بلدان العالم العربي والاسلامي ما عدا بلاد فارس وبعض المناطق الأخرى. ويقال بأن السلطان محمد الفاتح كان مثقفاً وواسع الاطلاع وليبرالياً ومحباً للفن والعلم.

الكتاب: القسطنطينية

الناشر: فابر وفابر ـ لندن 2005

الصفحات: 304 صفحات من القطع الكبير

constantinople

roger crowley

faber and faber - london 2005

p. 304