مؤلف كتاب «الديارات» هو «أبو الفرج الأصبهاني» علي بن الحسين بن محمد، ويصل نسبه إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي صاحب كتاب «الأغاني» الذي قال عنه «الصاحب بن عباد» الوزير الأديب: «لقد اشتملت خزانتي على مئتي ألف مجلد، ما منها سميري غيره، ولا راقني منها سواه».

ولا شك أن كتاباً يسلخ من عمر مؤلفه نصف قرن من الزمان، يستحق هذه الشهرة العلمية العالمية. ولا شك أن «أبا الفرج» كان يمتلك مكتبة غنية بالمصادر، التي سهلت له تأليف الأغاني وغيره، ولا ريب أنه احتفظ بمسودات كثيرة تشتمل على الأخبار والأشعار المختلفة، التي لم يدرجها في الأغاني، وقد عمد إلى إدراجها في تآليف أخرى.

ولد «أبو الفرج» سنة أربع وثمانين ومئتين للهجرة في بغداد، وتوفي سنة اثنتين وستين وثلاثمئة للهجرة أو سنة ثلاث وستين في بغداد، يبدو أن أحد أجداده قد فر إلى «أصفهان» عند قيام الدولة العباسية، فحمل اسم هذه المدينة خوفاً من بطش العباسيين ببقايا بني أمية، وبعد فترة عادت الأسرة إلى العراق، لتستقر في «بغداد» و«سر من رأى».

تلقى «أبو الفرج» العلم على كثير من أفراد أسرته، وأبرزهم عمه، وعم أبيه، حيث كان عمه «الحسن بن محمد» من كبار الكتاب في أيام المتوكل، كما توجه إلى الكوفة، حيث واصل رحلته في طلب العلم، فأخذ عن شيوخها.

وقارئ كتابه «الأغاني» يدهش للمئات من الأسماء التي حشدها، من العلماء الذين روى عنهم مادة كتابه الضخم، ولا شك أنه حصل على إجازات برواية العشرات من المصنفات التي فقدت، لكن يظل لكتاب الأغاني المكانة الكبرى في كتب التراث العربي الإسلامي، والذي أمضى «أبو الفرج» خمسين سنة في كتابته، وأهداه إلى «سيف الدولة الحمداني».

أما كتابه «الديارات»، فهو كتاب معروف، وقد أشار إليه «ابن النديم، الثعالبي، الخطيب البغدادي، ياقوت الحموي، ابن خلكان ...» وغيرهم. وقد نقل منه الكثيرون «كابن النديم وياقوت الحموي».

يقول «ياقوت» الدير: بيت يتعبد فيه الرهبان، ولا يكون في المصر الأعظم ـ أي في المدن ـ إنما يكون في الصحارى ورؤوس الجبال، فإن كان في المصر، كانت كنيسة أو بيعة، وربما فرق بينهما، فجعلت الكنيسة لليهود، والبيعة للنصارى.

وقال المقريزي: الدير عند النصارى يختص بالنساك المقيمين به، والكنيسة مجتمع عامتهم للصلاة».

وفي الشعر الجاهلي لمحات إلى الديارات القديمة الرابضة فوق سفوح الجبال والهضاب، ولقد اشتهرت بعض الديارات بارتفاعها الشديد، وسمي أحد الأديرة «بالموصل»: الدير الأعلى، لأنه يقع في أعلى جبل مطل على دجلة، وكان يضرب به المثل في رقة الهواء وحسن المستشرف.

ويشتمل كتاب «الديارات» على أخبار اثنين وخمسين ديراً، منها ثمانية وأربعون ديراً معروفة، ومنها أربعة مجهولة، والديارات التي يتناولها الكتاب، تقع في العراق والشام وفلسطين والجزيرة والأهواز واليمن والروم.

وأبو الفرج في هذا الكتاب، يسير على نهجه في كتبه الأخرى، فهو حريص على ذكر رواته، كما يبدأ كل مادة بتعريف موجز للدير وذكر موقعه، ثم يورد أخباره، وشيئاً من أقوال الشعراء فيه وقد يشير إلى بعض الحوادث التي جرت فيه أو قربه، وبعد ذلك يروي أخبار بعض الشخصيات التي حلت فيه، من ملوك أو أمراء أو شعراء أو ظرفاء ... الخ.

ومن هنا تنبع أهمية الكتاب، فهو كتاب أدب وتاريخ وحضارة واجتماع معاً، وهو مرجع من مراجع الشعر العربي، اشتمل على قصائد ومقطوعات وأبيات لشعراء ضاعت دواوين بعضهم، وفيه لمحات مضيئة تتصل بالحضارة العربية، فقد تناثرت فيه أخبار تتصل بالموسيقى والغناء وبعض الأمور التي تتصل باللباس والطعام وأحوال المجتمع العباسي واشتمل أيضاً على أخبار بني العباس وأمرائهم ووزرائهم، ومن عاصرهم من أدباء وشعراء ومغنيين.

محمد سطام الفهد