كان على لائحة الأكاديمية السويدية مجموعة كبيرة من الأسماء التي لها ثقلها في عالم الأدب وكان العالم (كالعادة) ينتظر مفاجأة من لجنة التحكيم، وبما أن جائزة نوبل للآداب لا أحد يعرف اسم فائزها قبل رنين الهاتف في منزل الفائز لتبلغه سكرتارية الجائزة بالفوز الكبير، فإن جميع التكهنات كانت رميات في فراغ بعيد.
فقد دأبت وكالات الأنباء سنوياً على بث مجموعة أسماء لمرشحين افتراضيين، نادرا ما فاز أحدهم، وكلما اقترب موعد الإعلان عن اسم الفائز (الخميس الثاني من أكتوبر كل عام في الساعة 11 بتوقيت غرينتش) كلما زادت الترشيحات، وتحولت إلى سباق في تعداد مناقب كل مرشح من الناحية السياسية والفكرية والأدبية.
في نوبل هذا العام لم يكن البريطاني هارولد بينتر الأوفر في زاوية المرشحين، لقد كان بينتر في زاوية مظلمة من القائمة، لذلك لم تأت وكالات الأنباء على ذكره بل ركزت على الأميركيين فيليب روث وجويس كارول أوتس والألباني إسماعيل قادري والسويدي توماس ترانسترمر والهولندي كيس نوبتوم والبلجيكي هوغو كلاوس والصومالي نور الدين فرح والنيجيري بن أوكري والتركي أوهان باموق والفرنسية من أصل جزائري آسيا جبار وبطبيعة الحال الشاعر السوري أدونيس المرشح الدائم على اللائحة السويدية.
ولم تأت ترشيحات الوكالات على ذكر هارولد بينتر المسرحي الذي أعلن منذ أشهر قليلة توقفه عن الكتابة المسرحية خلال لقاء إذاعي، غير أنه مستمر شعريا ونقديا...، لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال أن بينتر لا يستحق الجائزة فقد بدأ المسرحي حياته ممثلاً وبواباً وعاملاً مياوما
وعكست مسرحياته المبكرة الفكر الطبقي لمنبته العمالي فقد ولد هارولد بينتر عام 1930 في حي هاكني الشعبي بلندن لأب عامل وتلقى تعليما عاديا في مدرسة الحي قبل أن ينتسب إلى أكاديمية للتمثيل قادته إلى العمل في مسرحيات بسيطة ثم انتقل للكتابة مع مسرحية (الغرفة) أولى مسرحياته التي وضعته على خارطة المسرح البريطاني المعاصر.
هل خيبت جائزة نوبل آمال المراقبين ؟ سؤال حير طيلة سنوات من عمر الجائزة جميع المهتمين بالشأن الثقافي، فإذا كانت قد منحت عام 1950 للفيلسوف برتراند راسل، فإنها بعد ثلاث سنوات منحتها لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل كمؤرخ وليس كبطل حرب (!) وهي إن فعلت ذلك يوما ما فهذا يعني أن المفاجآت في عمر هذه الجائزة قليلة قياسا بمفهوم الأدب
ولذلك دأبت في سنوات لاحقة لذلك التاريخ إلى منحها إلى الروائيين وسفراء ومسرحيين بحيث حملت اسمها وقيمتها الأدبية، وها هي اليوم تعود إلى فن عريق من فنون الأدب فقد فاز هارولد بينتر بالجائزة لأنه مسرحي وليس لأنه ناقد، فهو حسب إعلان الاكاديمية السويدية في حيثيات المنح أن بينتر يكشف في مسرحياته مدى الانقياد لثرثرة الحياة اليومية ويقتحم مواطن الظلم الخفية.