مئة سنة مرت على رحيل الإمام محمد عبده (1849 ـ 1905) رائد التنوير في العصر الحديث، وها نحن اليوم تفصلنا عنه فجوة يبلغ عمقها ألف عام رحل محمد عبده وبدأت تتلاشى خيوط ثورته التنويرية ضد الاستلاب وضد التحجر وضد الارتهان لفكرة الماضي الخالد الذي لا يمس ولا يتحول في مطلع الألفية الثانية كانت هناك حركة تنوير في المنطقة عندما كان هناك استعمار، وفي مطلع الألفية الثالثة لا يوجد استعمار وكذلك لا يوجد تنوير.

لقد ذهبت أفكار عصر النهضة مع رحيل المستعمرين وبقيت أفكار عصور ماضية تحكم المنطقة بثياب وطنية وتفلسف الاستبداد ثورياً، وأصبح لكل حكومة وطنية عشرات السجون بينما كان للاستعمار سجن واحد أو سجنان يتسعان لجميع الثوريين والمناضلين.

هل تساءلنا أين ذهب التنوير ولماذا كلما ازداد عدد المدارس اتسعت رقعة الأمية، أو كلما زاد عدد الأطباء اعتلّت صحة الناس، أو كلما كثرت شعارات المساواة والديمقراطية والعدالة انخفضت أسهم الحرية بل ذهبت إلى سجوننا الوطنية.

بعد مئة عام من ثورة التنوير نحتاج إلى ثورة مماثلة تنقذنا من يأس مقيت وتحول استلابنا إلى شجاعة، ثورة بسيطة بحجم طموحاتنا: «عيش كريم في وطن آمن».

هل أصبح مطلب الكرامة مطلباً صعباً، كم مواطن عربي يهان يومياً على يد حكوماته الوطنية، وكم كريم فقد الأمان في حياته وبيته، وكم حاجتنا إلى محمد عبده اليوم أكثر مما كنا بحاجة قبل قرن مضى.

في خمسينات القرن الماضي امتدت ثورية الأحزاب وشعاراتها إلى كل بيت وصارت الحزبية هدفاً، والجميع كان ينشد الحرية والحياة الآمنة، وفي الستينات تحولت الحزبية إلى فكرة مقدسة وتربى في مدرستها مستبدون لا يضاهيهم ستالين معلماً ومرشداً، وفي السبعينات أصبحت الثورية العربية أكثر تطرفاً وأدق تصويباً،

وفي الثمانينات انقسم الوطن وانقسم الثوريون وفي التسعينات ماتت فكرة الثورة وظهرت فكرة الماضي الخالد العظيم، ولكن في مطلع الألفية الثالثة تعززت فكرة الأمس الرائع وانجذب إليها الآلاف مستلبين، مسلحين، يقاتلون الآخر، على بعد آلاف الأميال ليحرروا وطنهم حتى كاد ينطبق عليهم القول: «وآخر يطالب بأندلس إن حوصرت حلب» أليس مطلع الألفية الثالثة بحاجة إلى متنوري الألفية الثانية.

ألسنا بحاجة إلى محمد عبده وجمال الدين الأفغاني قبل التوجه إلى تورا بورا؟!

hussain@albayan.ae