«افعلوا شيئاً من وجهة نظركم أنتم»، ذلك ما يقوله الكاتب الأميركي الأصل هنري جيمس وينصح به الكتاب مع تأكيده بتجنب جميع النظريات، كما يوضح رأيه بشأن الفن قائلا «إن الفن من يصنع الحياة، يجعلها مثيرة للاهتمام وشيقة، وأنا أدرك بأنه لا بديل لقوة روعة العمل في هذا المجال».
وجيمس الذي ولد في نيويورك وعاش في كنف عائلته الثرية، تأثر بوالده الذي كان من الرجال المفكرين في منتصف القرن التاسع عشر كما أمضى مرحلة كبيرة من شبابه في السفر بين أوروبا وأميركا درس في جنيف ولندن وباريس وبون، وفي التاسعة عشرة من عمره التحق بجامعة هارفارد لدراسة القانون، إلا أن اهتمامه بالأدب دفعه للتخلي عن دراسته للقانون نشر أول قصة قصيرة له «تراجيديا الأخطاء» بعد عامين ثم كرس نفسه للأدب.
منذ طفولته قرأ الأدب الكلاسيكي الانجليزي، والأميركي، والفرنسي، والألماني إلى جانب ترجمات الأدب الروسي. أول رواية له بعنوان «التأمل والمهجع» عام 1871، نشرت على حلقات في مجلة أتلانتيك الشهرية، وكتبها خلال سفره عبر فينيسيا وباريس. وتتحدث الرواية عن تبني رجل عازب لطفلة عمرها اثنا عشر عاما بهدف الزواج منها لاحقا.
عاش في باريس وعمل كمراسل صحافي لنيويورك تريبيون، ثم انتقل إلى انجلترا التي عشقها، ليعيش أولا في لندن ثم في ساسيكس. وخلال تلك الفترة كتب روايات عدة تتناول حياة شخصيات أميركية تعيش في الخارج. ولم يعود إلى أميركا في زيارة إلا عام 1905 وذلك بعد مضي خمسة وعشرين عاما. كتب خلال زيارته روايته «الركن البهيج» وتعتمد على مراقبته لمدينة نيويورك من خلال كابوس يعيشه رجل مسكون بالعصاب.
وفي أميركا راجع جميع مؤلفاته قبل نشرها مجددا، كما كتب سيرته الذاتية ونشرها بعنوان «الطفل الصغير والآخرون» كان ذلك في عام 1913، وأتبعها بكتاب «ملاحظات ابن وأخ» نشر عام 1914، أما الجزء الثالث من سيرته «سنوات الخريف» فقد نشر بعد وفاته في عام 1917.
سببت له الحرب العالمية الأولى صدمة كبيرة، وكاحتجاج على رفض أميركا المشاركة في الحرب، حصل على الجنسية البريطانية عام 1915 كذلك بدافع الولاء لتلك البلد التي تبنته. وشخصيات روايات جيمس عميقة متفهمة وحساسة. اعتمد في محاوره الأساسية على براءة العالم الجديد وصراعه مع فساد وحكمة العالم القديم. ومن أعماله المتميزة رواية «ديزي ميللر» ونشرت عام 1879، حيث تجد ديزي الأميركية البريئة قيمها ومثلها في صراع مع المجتمع الأوروبي الراقي.
وأعماله الأولى مثل «الأحصنة البيضاء» و«ثنائي السحر» كانت في إطار عوالم الغموض والتحول الكافكاوي وتتأرجح بين الواقع والوهم والرؤى وبالمجمل كتب جيمس خلال حياته 20 رواية و112 قصة و12 مسرحية وعدداً من المقالات النقدية. وكان مثاله الأعلى في الأدب كل من ديكنز وبلزاك وهوثرون، ويذكر بأنه تعلم أكثر ما يمكن عن صنعة الكتابة من بلزاك.
تتحدث روايته «الأجنحة البيضاء» عن الصراع بين الحب والحياة المادية، بين المثل والقيم والحاجة الملحة للحياة المرفهة الآمنة. ويتجلى ذلك الصراع في مثلث الحب للشخصيات الثلاث.
فالبطلة الشابة كيت روي وتبلغ الخامسة والعشرين من عمرها، جميلة إنما فقيرة وتخير بعد وفاة أمها بين العيش، إما مع والدها والاعتماد على مرتب تقاعد والدتها الضئيل الذي يطلب والدها الأناني مشاركتها فيه، أو مع خالتها الأرملة التي تعدها بالمال والثروة بشرط أن تقطع صلتها بوالدها نهائيا.
يشجعها كل من والدها وأختها ماريان المتزوجة من قس فقير، قبول عرض الخالة مود، حيث يحدو أمل كل منهما الاستفادة بصورة غير مباشرة من المال الذي ستحصل عليه كيت. وتتجلى عقدة الرواية حينما تحب كيت الشاب الصحافي ميترون دينشر، فهو على الرغم من شخصيته المحترمة ونبل أخلاقه ترفضه خالتها بسبب فقره، وتصر أن تقترن كيت بالرجل الذي رشحته لها وهو اللورد مارك الذي لم يكن يملك في الواقع ثروة تذكر.
وفي خضم الصراع بين كيت وخالتها بشأن الحب الخائب، تدخل الآنسة ميللي ثييل حياة هذه العائلة، وهي فتاة شابة أميركية، ثرية ويتيمة. ومن خلال صديقة ميللي سوزان تتوطد الصداقة بين الأرملتين وبين الفتاتين الشابتين.
تسعى الخالة مود من خلال سوزان وميللي لمعرفة تحركات ابنة اختها، لتتأكد إن كانت لا تزال على صلة بالصحافي. ويتضح للضيفتين أن الحب من طرف واحد، لكون كيت لم تفصح لهما أبدا عن حبها لها، وبذا تطمئنان بأنه لا خوف على الشابة كيت.
تعجب ميللي بكيت، وتتقرب منها أكثر وتبوح لها بسر مرضها الخطير وبأن أيامها باتت معدودة وهنا تومض في ذهن كيت فكرة لا تتوانى من مشاركتها مع حبيبها ميترون. تبين له بأنها الفرصة الملائمة لهما ليحققا أحلامهما بالزواج والحصول على الثروة في ذات الوقت.
تبدأ كيت بإقناع ميترون باستمالة ميللي لتقع في حبه ومن ثم الزواج، وبعد ذلك حينما تموت زوجته يستطعيان تحقيق غايتهما بالزواج والتنعم بالمال.
وعلى الرغم من معارضة ميترون، تصر كيت على تنفيذ خطتها وتدفع حبيبها للتقرب من صديقتها. ومن خلال اللقاءات الاجتماعية بحضور اللورد وميترون، سيما بعد زوال مخاوف الخالة من جهة ميترون، تنجذب ميللي إلى ميترون وتتقرب منه.
ولدى سفر ميللي إلى فينيسيا، يلحق بها الشبان الثلاثة وهناك تفاجأ كيت بمحاولة اللورد طلب يد ميللي التي ترفضه مباشرة، لتخلي الساحة لميترون الذي لا زال مترددا في لعب دوره المزعوم إلا أنه من خلال الزيارات المحدودة التي يلتقي بها بميللي يتفاقم الصراع في داخله سيما لدى معرفته بأن ميللي فتاة رقيقة وعذبة كالحمامة كما وصفتها له كيت وتزداد مخاوفه بعد مقابلة اللورد لها ومجاهرته بالعلاقة بينه وبين كيت، ويخشى ميترون على ميللي أن تكتشف خدعتهما مما يمكن أن يتسبب في موتها حزنا وكمدا.
وحينما تشتد وطأة المرض عليها، ترفض مقابلته حتى لحظة احتضارها حيث يبقى برفقتها لما يقارب من 20 دقيقة فقط، لم تسأله فيها عن أي شيء يخص علاقته بكيت. وبعد وفاتها تسلمه سوزان رسالة كتبتها له ميللي قبل وفاتها، إلا أنه لا يجرؤ على قراءتها.
وأخيرا حينما تلتقي به كيت، تدرك بأن ميترون قد أغرم بميللي، إلا أن ذلك لا يزعجها إذ تصارحه أن حب ميللي له لن يذهب هباء بالتأكيد. وفي لحظة انفعال وغيرة ترمي كيت الرسالة إلى المدفأة، فيشعر ميترون بالألم لعدم معرفته بكلمات ميللي الأخيرة له.
وبعد مضي شهرين يصله مبلغ كبير من المال يلتقي بكيت ويسلمها ظرفا يحتوي على كامل المبلغ، ويضع كيت في اختبار أخير لإنقاذ حبهما يخيرها بين الزواج به والتخلي عن هذا المال، أو الحصول عليه بأكمله وانتهاء العلاقة بينهما.
وهنا تقول له كيت، بأنه لا يزال يحب ميللي حتى بعد موتها وهكذا تغادره وهي تقول له بأنه مهما حدث فإنهما لن يعودا كما كانا سابقا.
رشا المالح

