هذا الكتاب جزء من سلسلة تصدرها دار الشروق المصرية تحاول ان تقدم الجانب الآخر أو إعادة قراءة التاريخ المصري، تقدم الباحثة والمؤرخة المصرية د. صفاء شاكر هذه الدراسة التي تأتي أهميتها من تناولها لشخصية تاريخية في مرحلة ما قبل ثورة 1952 عرف عنها العملية التي وصلت الى الاستهانة بالمبادئ، لقب بعدو الشعب وعدو الحركة الوطنية والبراغماتية الأول.
فقد جسد إسماعيل صدقي باشا البراغماتية بكل أبعادها، وبفهم كامل، وبلا مواربة.. فإسماعيل صدقي هو ذات الرجل الذي كان من بين الأربعة الذين تم نفيهم الى مالطة من قبل سلطات الحماية في مارس 1919، والذي كان نفيهم إيذانا بتفجر الثورة، وهو أيضاً نفس الرجل الذي التحف بحماية دار المندوب السامي خلال العهد الذي عُرف باسمه بين عام 1930 و 1933 . وإسماعيل صدقي هو الذي أبطل دستور 1923 الذي شايعه الوطنيون، ووضع بدلا منه دستورا على المقاس الملكي هو دستور 1930،
وعندما راح ضحية ما تمتع به الجالس على العرش من سلطات واسعة، أدت الى الاطاحة به شخصياً، انقلب عليه وانضم الى المطالبين بعودة إحياء الدستور الأولي، بعد أن قدم كل الحجج قبل ذلك على عدم مناسبته لأوضاع المصريين، وهو في ذلك لم يتورع عن استخدام كل أدوات السلطة أو كافة الاساليب غير الأخلاقية طالما ساعده ذلك على تحقيق هدفه.
وإسماعيل صدقي هو الذي قال في مذكراته بالحرف الواحد «لم أكن أريد أن أؤلف حزبا، أو أصبح رئيساً لحزب يوما من الأيام، لأني لا أميل الى الحزبية، وليس من طبيعتي التشيع لشخص من الاشخاص، ولو كان شخصي» ومع ذلك فقد أسس عام 1930 أكبر الأحزاب الملكية في عهد الملك فؤاد، والمعروف باسم «حزب الشعب».
واسماعيل صدقي يمثل مدرسة في التاريخ المصري وفي السياسة المصرية، وهي مدرسة من مدرستين ـ كما يقول يونان لبيب رزق ـ المدرسة البراغماتية والمدرسة المثالية. المثاليون بطبيعتهم يرسمون صورة معينة في الحياة يسعون لتحقيقها، الامر الذي يجعلهم في حالة من الثبات، لا تتغير آراؤهم أو مواقفهم تبعا لتغير الأحوال،
ونرى أن الجمهرة الغالبة من رجال الحركة الوطنية كانوا من ابناء هذه المدرسة بدءاً من مصطفى كامل ومحمد فريد ومروراً بمصطفى النحاس ومكرم عبيد ووصولا الى جمال عبد الناصر، وقد وفر لهم هذا الثبات مكانة خاصة في الوجدان الوطني العام. على العكس من ذلك كان ابناء المدرسة البراغماتية، فهم مع الثورة إذا وافقت واقع الحال، وهم ضد زعمائها إذا ما تغير هذا الواقع، وهم ضد الوجود الاستعماري طالما ظل هذا ممكناً،
وهم في وقت آخر أول من يمدون أيديهم الى ممثله في قصر الدوبارة او اساطينه في لندن إذا ما اعتقدوا ان ذلك يحقق هدف التخلص منه، حتى لو جاء بالتدريج، وهم مع الدستور إذا ما حقق لوطنهم ما يعتقدون من حرية، ثم هم أول من يتخلص منه، بالتعليق او بالتغيير، إذا ما اعتقدوا أنه يؤدي الى ما وصفوه بدكتاتورية الأغلبية. وتتعدد نماذج ممثلي هذا التيار وإن كان إسماعيل صدقي باشا زعيمهم بلا منافسة، فقد جسد البراغماتية بكل أبعادها، وبفهم كامل، وبلا مواراة.
ويتحدث الكتاب عن نشأة صدقي باشا وتأثيراتها مشيرا إلى أنه ينتسب الى عائلة مصرية أقامت بمحافظة الغربية بالدلتا، وتقلدت العديد من المناصب العامة.
فجده لوالدته «محمد سيد أحمد باشا» ـ وابن عم والده ـ رئيس ديوان محمد سعيد باشا، هذا الديوان الذي كان بمثابة وزارة القصر، وكان من أصحاب الحظوة والمكانة عنده، واعتمد عليه في تحرير رسائله الرسمية والخاصة نظراً لإجادته اللغة العربية الى جانب إجادته التركية
وقد أثارت منزلة محمد سيد أحمد باشا كوامن الحقد والحسد في نفوس بعض رجال الحاشية فوشى أحدهم به لسعيد باشا فغضب عليه وتم اعتقاله في قلعة أبي قير بلا تحقيق شهوراً وعندما أفرج عنه منحة حجة تتضمن تبرعه له بضيعة من أملاكه الخاصة بمديرية البحيرة مساحتها تسعمئة فدان في بركة غطاس، وهكذا احتلت اسرة اسماعيل صدقي مركز مرموقا في البلاد من حيث الوضع المالي والوظيفي.
واسماعيل صدقي خريج مدرسة الفرير حتى البكالوريوس عام 1889، وانضم الى مدرسة الحقوق رغم صغر سنه عام سن القبول، لكن ونظرا لنبوغه قد تم قبوله في مدرسة الحقوق وشارك في مظاهرة وطنية تزعمها مصطفى كامل، وساهم في تحرير جريدة المدرسة مع الزعيم الوطني مصطفى كامل.
وحصل صدقي على دبلوم الحقوق وهو ما يعادل الليسانس «بالترتيب الأول عام 1894 وفي عام 1905 تم الانعام عليه برتبة البكوية وعين مديراً بقسم الادارة وسكرتير القومسيون ثم رقي الى منصب سكرتير عام البلدية بالاسكندرية. ووقع الاختيار على اسماعيل صدقي لكي يكون عضو مجلس إدارة الجامعة الأهلية في مصر عام 1907.
وفي عام 1908 اختير «محمد سعيد باشا» وزيرا للداخلية في نظارة «بطرس غالي باشا» ) 31 نوفمبر 1908- 11 فبراير 1910) فأنشأ منصب سكرتير عام الوزارة ونقل صدقي إليه، وأسند إليه اختصاصات وكيل الوزارة وقضي سنتين في هذه الوظيفة وهي مدة بقاء هذه الوزارة في الحكم. وخلال شهر ابريل 1909 أنعم عليه برتبة الباشوية.
ومع تولي محمد سعيد باشا منصب رئيس النظار- بعد مقتل بطرس غالي على يد إبراهيم الورداني. ( 23 فبراير 1910- 5 إبريل 1914) يقع الاختيار على صدقي لشغل مركز وكيل وزارة الداخلية وعندما ألف حسين رشدي باشا أولى نظارته شغل فيها صدقي أول مناصبه الوزارية كناظر للزراعة لتبدأ أولى خطواته على طريق الواقعية السياسية، وكان من أهم مشروعاته في تلك الوزارة «مشروع قانون شركات التعاون الزراعية»
والذي نص في مادة من مواده أنه لا يجوز لأي عضو في إحدى هذه الشركات ان يمتلك أكثر من 1/5 «خمس» الحصص وأن لا يزيد مجموع قيمة هذه الحصص على 1/10 «عُشر» رأس مال الشركة. وهكذا مكن صدقي بمشروعات الاجانب المقيمين في مصر من الانتفاع بهذه المميزات الزراعية بصورة كبيرة، بالإضافة لوقوفه ضد احتكار بعض المصريين لهذه الشركات دون آخرين.
وفي عام (19 ديسمبر 1914- 9 أكتوبر 1917) تألفت وزارة حسين رشدي الثانية والتي عين فيها اسماعيل صدقي ناظراً للأوقاف، لكنه اعفي من منصبه في مايو 1915 بسبب علاقة نسائية مع ابنة يحيى باشا ابراهيم، وقد آثرت الابنة الانتحار بعد اكتشاف أمرها. بعد ذلك ترأس صدقي لجنة التجارة والصناعة التي أثرت بوضوح على الاقتصاد المصري. وشارك في «الوفد الوطني» والمنافس للوفد الذي ذهب الى مؤتمر الصلح بباريس لعرض القضية المصرية.
إلا انه عرض مذكرة موثقة لمعالجة القضية المصرية على سعد زغلول رئيس الوفد الآخر واستطاع من خلال ذلك الانضمام بعد محاولات غاضبة واحتجاجية سحب فيها المذكرة إلا أن سعد رأى أهمية ضمه للوفد. وقد وصفه القائم بأعمال المندوب السامي بعقل الوفد المفكر.
ثم بدأت أفكار اسماعيل صدقي تكشف عن براغماتية واضحة كان منها رفضه عرض المعلومات الموثقة عن انتهاكات الانجليز والقوات العسكرية البريطانية في مصر والتي قدمها عبد الرحمن فهمي لسعد زغلول رئيس الوفد إلا ان صدقي رفض نشر هذه المعلومات تحت حجة عدم التأثير على القضية المصرية ومحاولة عرضها على الانجليز. وتقرر فصله من الوفد في عام 1919.
ويشير الكتاب إلى أن صدقي انضم للعناصر الأكثر اعتدالاً والتي يمثلها حسين رشدي وعدلي يكن وعبد الخالق ثروت الذين أدركوا أن الاستقلال في ظل الظروف السائدة لن يأتي إلا ببحث الأمر مع لجنة ملز، فأعفى من تحديد إقامته بعد أن كان قد شن حملة عبر سلسلة من المقالات ضد لجنة ملنر. !
بعد ذلك جاءت وزارة عدلي باشا يكن وانضم إليها صدقي وزيرا للمالية . وهكذا تعددت ادوار صدقي في الوزارات المتعاقبة، وتوالت أدواره في المفاوضات مع الانجليز في تصريح 28 فبراير 1922، ومفاوضات معاهدة 1936، ومفاوضات صدقي - بيفن 1946، ومفاوضات صدقي مع ايطاليا بشأن واحة جغبوب، وانحياز صدقي لأنصار التقسيم الذي صدر به قرار 29 نوفمبر 1947 بشأن فلسطين- رغم ان موقف مصر الرسمي كان رفض القرار.
ومن المعروف ان صدقي باشا كان يرى ان مصر لا يجب ان تزج بنفسها في كل ميدان عربي تنتابه المشكلات والحروب من أجل زعامتها. وكان على رأس الذين يتبنون نظرية أن الشعب المصري لا تصلح معه الحياة الديمقراطية ، ولذلك اتصفت عهوده بالبطش والقهر خاصة، وقام بحل عدة مجالس نيابية او اشترك في حلها. ومن خلال مسيرة التناقضات تلك من عام 1875 حتى عام 1950 برزت شخصية اسماعيل صدقي وتركت بصماتها على الحياة السياسية المصرية.
أمين إسكندر
الكتاب: إسماعيل صدقي
الواقعية السياسية في مواجهة الحركة الوطنية
الناشر: دار الشروق القاهرة 2005
الصفحات: 182 صفحة من القطع المتوسط
