مؤلف هذا الكتاب هو الباحث كارتر ف. فيندلي المختص بالشؤون التركية. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف لمحة عامة عن تاريخ الأتراك منذ البداية وحتى اليوم، كما يشرح لنا وضعهم داخل التاريخ العالمي وكيف تعرض هذا الوضع للتقلبات على مدار التاريخ. فطيلة أربعة قرون كانوا يشكلون امبراطورية مرهوبة الجانب تدعى، الامبراطورية العثمانية. وكانت امبراطورية شاسعة واسعة تشمل العالم العربي والتركي وبلاد البلقان.

وقد وصلوا إلى حدود فيينا عاصمة النمسا يوماً ما. ثم تغيرت الأحوال وانهارت امبراطوريتهم وأصبحوا عبارة عن دولة صغيرة قياساً إلى ما كانوا عليه سابقاً. ثم يردف المؤلف قائلاً: إن مشكلة الأتراك اليوم هي كيفية المصالحة بين الإسلام والحداثة أو كيفية الدخول إلى الاتحاد الأوروبي. وهما مشكلتان مترابطتان ومتكاملتان. فبدون حل الأولى لا يمكن التوصل إلى الهدف الثاني.

ويمكن القول إن مشكلة الحداثة والإصلاحات الداخلية كانت قد شغلت الامبراطورية العثمانية منذ القرن التاسع عشر بعد أن شعر السلاطين بمدى تخلف امبراطوريتهم عن أوروبا. ودخلت تركيا عندئذ فيما يمكن أن ندعوه بالتنظيمات. وهي كلمة عربية دخلت إلى اللغة التركية في ذلك الزمان وكانت تعني: إعادة ترتيب أمور الامبراطورية وإدخال الإصلاحات إليها. وقد ابتدأها السلطان عبدالمجيد الأول ثم سار على نهجه سليم الثالث ومحمود الثاني وعبدالعزيز ومراد الخامس وحتى عبدالحميد الثاني، آخر سلاطين بني عثمان الذين حكموا بالفعل.

وقد بلغت هذه الإصلاحات ذروتها عام 1876 عندما صدر أول دستور للامبراطورية العثمانية. فقبل ذلك التاريخ كان السلطان ووزراؤه يحكمون طبقاً لهواهم ونزواتهم ورغباتهم الشخصية. ولكن بعد أن ازداد الاحتكاك بأوروبا ورأوا ما فيها من تقدم وعمران ودساتير حديثة يمشي الحكم على أساسها راحوا يتساءلون: كيف يمكن أن ننقذ الامبراطورية؟ وعرفوا عندئذ أن ذلك مستحيل إذا ما استمروا على سيرتهم السابقة وحكمهم الاستبدادي المطلق.

فالأزمان تغيرت وما عاد بالإمكان حكم الناس عن طريق البطش وبدون أية قواعد أو أسس كما كان يحصل سابقاً. وأوروبا أصبحت تنظر إليهم شزراً على أساس أنهم بشر متخلفون عن ركب الحضارة. ولهذا السبب شرعوا في سياسة الإصلاحات والتنظيمات التي لم تجدهم نفعاً في نهاية المطاف. فالواقع أن الامبراطورية كانت من الفساد والتخلف والرجعية بحيث أنها غير قابلة للإصلاح.

وقد انطبق عليها المثل القائل: وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟ ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع أن المسلمين منذ قرون عديدة كانوا معتادين على تصور معين عن التاريخ. كانوا يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة الإلهية دون غيرهم وأن عليهم بالتالي أن ينقلوها إلى بقية البشرية. وكانوا يعتقدون أن طائفتهم هي أفضل الطوائف، وأنهم خير أمة أخرجت للناس. وهذا صحيح إبان العصور الذهبية.

ثم ترسخت هذه الصورة وتدعمت أكثر في القرنين الخامس عشر والسادس عشر بفضل الانتصارات الساحقة للامبراطورية العثمانية على القوى الأوروبية في البلقان. ولكن المشكلة ابتدأت منذ أن هزمت الامبراطورية العثمانية لأول مرة على يد القوى الأوروبية المتحالفة ضدها. وكانت تلك الهزيمة بمثابة صدمة كبيرة للأتراك وبقية المسلمين. وراحوا يتساءلون: كيف يمكن للكفار أن ينتصروا على المؤمنين؟ كيف يمكن أن يتخلى الله عن عباده الصالحين؟

عندئذ عرف الأتراك أن قطار التقدم قد سبقهم وأن عليهم أن يتدربوا على التقنيات العسكرية الجديدة لكيلا يهزموا مرة أخرى أمام «الصليبيين» الجدد: أي فرنسا، وانجلترا، والنمسا، وألمانيا ... الخ. ولهذا السبب حاولوا أن يلحقوا بركب الحضارة عن طريق إرسال البعثات إلى أوروبا أو استقدام الخبراء والمدربين العسكريين من فرنسا وألمانيا على وجه الخصوص.

من المعلوم أن الأتراك كانوا يعتبرون أنفسهم متفوقين على أوروبا طيلة قرون عديدة.

وكانوا ينظرون إلى الشعوب الأوروبية باحتقار شديد باعتبار أنهم برابرة، جهلة، كفار.. ولكن بعد أن هزموا في ساح الوغى راحوا يغيرون نظرتهم ويتساءلون: ألا يوجد شيء عند هؤلاء الكفار لكي نأخذه منهم؟ ألا ينبغي علينا أن نقلدهم إذا ما أردنا أن نلحق بهم أو حتى نسبقهم في سلم الحضارة؟ على هذا النحو انعكست الآية وأصبح المتقدم هو المتخلف والعكس صحيح. ولم يعد المسلم التركي يحتقر الأوروبي المسيحي كما كان يفعل في السابق. على العكس أصبح يحترمه ويخشاه ويحاول معرفة سر تقدمه وتفوقه عليه.

ولهذا السبب قبلت السلطنة العثمانية بإدخال المطبعة إليها لأول مرة عام 1729 بعد أن عارضت ذلك لفترة طويلة بحجة أنها بدعة شيطانية.. ولكنها أغلقت أبوابها في اسطنبول عام 1742 بسبب معارضة رجال الدين لها وللكتب التي تنشرها. نقول ذلك على الرغم من أنها لم تنشر أكثر من سبعة عشر كتاباً.. وسوف نلاحظ فيما بعد أن المتزمتين وقفوا ضد المخترعات الغربية الحديثة، أقصد ضد إدخالها إلى العالم الإسلامي على طول الخط. وهكذا حاولوا منع دخول جهاز الراديو، ثم التلفزيون، ثم الصحافة ... الخ. ولكنهم في كل مرة كانوا يتراجعون، وكانت مسيرة التقدم تفرض نفسها.

في الواقع إن سبب تخلف الامبراطورية العثمانية وانهيارها يعود إلى إهمالها للفكر العلمي والفلسفي. فعلى مدار القرون التي سيطرت فيها على العالم الإسلامي (أي من القرن السادس عشر وحتى العشرين تقريباً) لم تساهم في صنع الحضارة ولا في اختراع الآلات الحديثة. وعندما كانت هذه الامبراطورية الضخمة متواكلة ومتقاعسة ونائمة على التاريخ، كانت الشعوب الأوروبية تصنع الحضارة لبنة لبنة، ودرجة درجة حتى سبقتها بسنوات ضوئية.

وعندما كان كوبرنيكوس وغاليليو وكيبلر يكتشفون أسرار الطبيعة والكون لم يكن يوجد عالم واحد في كل الامبراطورية العثمانية. وكانت فتاوى رجال الدين ونظريات القرون الوسطى تسيطر عليها.

ولم يسمع الناس هناك باسم ديكارت أو كانط أو هيغل أو نيوتن أو غيرهم من الفلاسفة والعلماء إلا بعد سنوات طويلة. ولم يترجموا لهم أي كتاب حتى مطلع القرن العشرين. وهذا يعني أن الامبراطورية العثمانية لم تستيقظ على الحضارة إلا مؤخراً وبعد أن فاتها الركب كثيراً جداً بحيث أنها لم تعد قادرة على اللحاق به. ولذلك تفككت وانهارت وخضعت للقوى الأوروبية العظمى من أمثال فرنسا وانجلترا وألمانيا ثم أخيراً أميركا.

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: ولهذا السبب حقد مصطفى كمال أتاتورك على الماضي العثماني المتخلف لتركيا. واعتبره سبب تأخرها وغوصها في عقلية الشعوذات والتواكل والاستسلام للمقدور.

ولهذا السبب أيضاً فإنه أراد تقليد أوروبا بشكل كامل وفصل الأتراك عن تاريخهم السابق. بل ووصل به الأمر إلى حد تغيير اللباس، وطريقة الأكل والشرب، وحروف اللغة ... الخ. وهكذا راح يتطرف في الاتجاه المعاكس.

ثم يتحدث المؤلف عن حركة تركيا الفتاة التي أنجبت مصطفى كمال وغيره من القادة والضباط الحديثين ويقول بما معناه: إنها حركة ثورية عثمانية مؤلفة من شباب ينتمون إلى مختلف القوميات داخل الامبراطورية: كالقومية التركية، واليونانية، والأرمنية، والبلغارية ... الخ.

وكانت حركة تركيا الفتاة تطالب بالعودة إلى دستور 1876 الذي ألغاه السلطان المستبد عبدالحميد. والواقع أنها نشأت كرد فعل على الانحطاط التدريجي للامبراطورية العثمانية طيلة القرن التاسع عشر وفشل الإصلاحات التي انخرط فيها النظام ضمن إطار التنظيمات التي ذكرناها سابقاً. كما أدت هذه الحركة إلى اندلاع ثورة 1908 وقادت سياسة الامبراطورية العثمانية حتى هزيمتها في مواجهة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى في نوفمبر من عام 1918.

وقد تشكلت نواة تركيا الفتاة داخل إطار الامبراطورية (في اسطنبول وسالونيك) وخارجهما (في جنيف والقاهرة وباريس). وقد تحققت ثورتهم على مرحلتين: الأولى في يوليو من عام 1908 حيث نجح الضباط القوميون في تنفيذ انقلاب عسكري في سالونيك، والثانية تمت لاحقاً. والواقع أن الضباط القوميين الشباب كانوا ناقمين على السلطان عبدالحميد لأنه لم يستطع أن يقف في وجه الضغوط الأجنبية.

وقد اتسعت الثورة حتى شملت أقاليم أخرى من الامبراطورية وأجبرت السلطان على إعادة الدستور والتخلي عن الحكم المستبد المطلق. وبعدئذ انفتح عهد جديد لأن الامبراطورية سارت باتجاه تشكيل عهد ليبرالي ودستوري حديث على الطريقة الغربية. واستطاعت بذلك إعادة دمج المسيحيين داخل الأمة القومية. وفي أثناء ذلك راحت الامبراطورية العثمانية تتفكك وتنهار. وقد استغلت النمسا الوضع فضمت إليها إقليم البوسنة، هذا في حين أن بلغاريا انفصلت عن الامبراطورية وأعلنت استقلالها. وأما جزيرة كريت فأعلنت انضمامها إلى اليونان.

وفي عام 1909 قام السلطان عبدالحميد بثورة مضادة اعتماداً على دعم القوى الرجعية والأصولية في اسطنبول. وقد أدى ذلك إلى حل البرلمان وإعادة النظام الاستبدادي من جديده. ولكن محاولته باءت بالفشل لأن جماعة تركيا الفتاة استطاعت أن تعبئ جيشاً جراراً. وكان على رأسه القائد محمود شوكت الذي دخل العاصمة اسطنبول فاتحاً بتاريخ 24 ابريل 1909. وقد خلع السلطان عبدالحميد مباشرة وعين مكانه سلطان جديد ذا قيمة رمزية فقط هو محمد الخامس (19091918).

وراحت تركيا الفتاة تقود الحكومة بطريقة ليبرالية بعد أن اعترفت بالأقليات القومية داخل الامبراطورية. ولكن هذا التيار لم يدم طويلاً. فقد حل محله تيار متعصب يدعو للقومية التركية ويحاول سحق القوميات الأخرى وهو الذي انتصر أخيراً.

الكتاب: الأتراك في التاريخ العالمي

الناشر: مطبوعات جامعة أكسفورد 2005

الصفحات: 272 صفحة من القطع المتوسط

THE TURKS IN WORLD HISTORY

CARTER V. FINDLEY

OXFORD UNIVERSITY PRESS 2005

P. 272