مؤلف هذا الكتاب هو الموسيقار والصحافي الفرنسي جيف بارنيل. وكان قد اشتغل مع كبار مطربي فرنسا وعلى رأسهم: داليدا، فهو الذي كان يكتب لهم الكلمات والأغاني لكي يغنوها ويسحروا الجمهور بها، لقد تعاون مع داليدا طيلة العشر سنوات الأخيرة من حياتها وكتب لها ما لا يقل عن عشرين أغنية، وكلها لاقت نجاحاً منقطع النظير وفي هذا الكتاب الجديد يروي المؤلف قصة هذه المطربة المشهورة التي ولدت في مصر وترعرعت حتى أصبحت صبية ثم هاجرت إلى فرنسا حيث لاقت الشهرة والمجد.

يقول المؤلف ما معناه: قبل أن تصل داليدا إلى باريس عام 1954 كانت قد نالت بعض الشهرة في مصر في مجال التمثيل والغناء، فقد عرض عليها مخرج أميركي لأول مرة أن تمثل في أحد أفلامه. وكان في مواجهتها ممثل مبتدئ هو الآخر يدعى:

عمر الشريف! وأما مساعد المخرج فكان يوسف شاهين. والجميع أصبحوا أصدقاءها فيما بعد. ولكن داليدا كانت تحلم بالأمجاد السينمائية على المستوى العالمي، وهذا ما لا تستطيع تحقيقه في القاهرة. وحدها باريس يمكن أن توفر لها ذلك. ولكن باريس لم تفتح لها صدرها دفعة واحدة. وإنما ظلت تبحث عن عمل ودور لعدة أشهر. وفجأة يبتسم لها الحظ وتتعرف على بعض النافذين في الأوساط الفنية الباريسية.

وقد عرفوا قيمة الموهبة التي تتمتع بها. وكان أن فسحوا لها المجال لكي تغني في أرقى الصالات الباريسية.ثم ارتفعت داليدا في سلم المجد درجة درجة حتى وصلت إلى ذروة المجد والشهرة في السبعينات من القرن الماضي، وعندئذ حرصت على أن تلتحق بها أسرتها التي بقيت في مصر بعد رحيلها. أو قل إنها التحقت بها قبل السبعينات بوقت طويل في الواقع، وأصبح أخوها مديراً لأعمالها.وكانت شعبية داليدا قد تجاوزت حدود فرنسا لكي تصل إلى مصر ولبنان ومختلف أنحاء العالم العربي.

فالكل يتذكر أغنياتها الرائعة من نوع: سلمى يا سلامة، أو أغاني أغاني، أو حلوة يا بلدي ... الخ. أما أغانيها في فرنسا وباللغة الفرنسية فكانت أشهر من نار على علم وقد باعت منها ملايين الأشرطة وأصبحت غنية جداً ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي عام 1981 اقترحت عليَّ داليدا أن أذهب معها إلى مصر لإقامة بعض الحفلات فيها، وكانت تعرف أني من مواليد القاهرة مثلها. وبالتالي فالرحلة سوف تكون مليئة بالنوستالجيا ـ أي بالحنين العاطفي ـ إلى البلد الذي ولدنا وكبرنا فيه.

وفي مطار أورلي كانت تبدو فرحة جداً لأنها سترى عما قريب بلدها الأصلي: أي البلد الذي فتحت عينها على الحياة فيها. ومعلوم أنها من عائلة إيطالية كانت قد هاجرت إلى مصر في الثلاثينات من القرن الماضي. ومعلوم أيضاً أن داليدا ولدت عام 1933 في حي شبرا.

وعندما وصلنا إلى مطار القاهرة اعتقدنا أننا نواجه تظاهرة سياسية! فقد جاء الناس لاستقبالها بالآلاف وكأنها أم كلثوم! ثم نزلنا في فندق ماريوت الراقي جداً والذي يليق بشخصية مشهورة أو نجمة عالمية كداليدا. وقد نجحت حفلات داليدا في مصر بشكل جنوني. وباعت من أشرطة التسجيل ما لا يقل عن مئة ألف في القاهرة وحدها! فما بالك ببيروت وبقية العالم العربي؟ وذهبت إلى الإمارات العربية المتحدة وأقامت الحفلات الرائعة هناك. ثم سافرت إلى المغرب حيث استقبلها الملك الحسن الثاني شخصياً.

وهكذا أعادت داليدا الصلة بمصر التي كانت قد غابت عنها مدة ربع قرن ثم عادت إليها مكللة بهالات المجد والشهرة. نعم لقد أحب العالم العربي داليدا وتبناها واعتبرها ابنته وافتخر بها مثلما افتخر بعمر الشريف ويوسف شاهين وكل أولئك الذين نجحوا في الخارج واخترقت شهرتهم الحدود العالمية.

ولكن داليدا التي حققت كل أمانيها فيما يخص النجاح الفني والشهرة والفلوس كانت تعيسة على المستوى العاطفي أو الشخصي. فهي لم تستطع أن تشكل عائلة أو تنجب الأطفال. وقد تأسفت على ذلك كثيراً فيما بعد وقالت: عندما كنت شابة ما كنت لا أفكر إلا بالموسيقى والأغاني والنجاح الفني. وأهملت بالتالي الحياة الشخصية أو العائلية. ثم اضطررت لإجراء عملية جراحية وما عدت قادرة على الإنجاب.

والواقع أن قصص الحب التي عاشتها داليدا في حياتها انتهت كلها بفاجعة مأساوية. فالرجل الذي استقبلها في فرنسا وأحبها وفتح لها كل أبواب الشهرة انتحر فيما بعد. ومعلوم أنه كان قد تزوجها وعاشت معه عدة سنوات. ولكنها خانته فيما بعد وتركته. ولم يستطع تحمل ذلك. وكان يدعى: لوسيان موريس.

ثم تعرفت بعدئذ على شاب إيطالي يدعى «لويجي». وكان يحلم بدخول عالم الغناء والطرب في باريس لكي يصبح مشهوراً مثلها. ويقال بأنها أحبته أكثر من أي رجل آخر في حياتها. وقد دعي معها إلى مسابقة غنائية في مونتي كارلو. ولكنه فشل في المسابقة. ثم دعاهم الأمير إلى حفل عشاء في نفس اليوم ولكنه اعتذر وقال لداليدا:

أريد أن أختلي بنفسي لكي أنسي همومي. اذهبي أنت إلى الحفلة وسنلتقي بعدئذ. وهذا ما حصل. وما كانت تعتقد أنه سيرتكب ما لا تحمد عقباه. ما كانت تظن أنها لن تراه بعد اليوم. وفي أثناء العشاء اضطربت وشعرت بقلق شديد وهجست بهواجس سوداء. فتركت المائدة فوراً وعادت إلى الفندق بسرعة.

وعندما وصلت إلى الغرفة رأته ممدداً على الأرض وهو يسبح في بحر من الدم. فقد أطلق على نفسه رصاصة وانتحر. وعندئذ أطلقت صرخة مخيفة فهرع إليها صاحب الفندق والموظفون ونقلوا «لويجي» إلى المستشفى. ولكنه كان قد غادر الحياة منذ زمن طويل. وترك هذا الحادث في أعماقها جرحاً لا يندمل.

وقد حاولت هي الأخرى أن تنتحر عام 1967 عن طريق بلع كمية كبيرة من الأقراص السامة. ولكنهم اكتشفوها بسرعة وأنقذوها في آخر لحظة. هكذا نلاحظ أن داليدا المطربة ذات الصوت العبقري والأحاسيس المرهفة كانت هشة من الناحية النفسية كمعظم الفنانين والشعراء.

ثم تعرفت بعدئذ على شاب وسيم آخر، ولكن فرنسي هذه المرة. وقد عاشت معه سنوات عديدة في السبعينات. ثم تركته. وبعدئذ وجدوه منتحراً في سيارته وسط العاصمة الفرنسية! وهكذا لاحقت قصص الانتحار داليدا طيلة حياتها كلها حتى قضت عليها في نهاية المطاف.

ثم يتحدث المؤلف عن علاقة داليدا بالسياسة ويقول بما معناه: لم تكن سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة. ولكن كانت لها صداقات سياسية وعلى أعلى المستويات في فرنسا. ومعلوم أن الرئيس فرانسوا ميتران كان من كبار المعجبين بها. وكان يحضر حفلاتها مع عائلته ويصفق لها كثيراً.

ولذلك فإنها أيدته في حملته الانتخابية التي أدت إلى انتخابه رئيساً عام 1981. بل وتظاهرت في الشارع من أجله. وقد لامها البعض على ذلك، وبخاصة في جهة اليمين الفرنسي. وقالوا بأنها ملك الشعب الفرنسي كله وليس اليسار فقط. وبالتالي فكان عليها أن تنأى عن السياسة.

والواقع أنها تقربت بعدئذ من زعيم اليمين: جاك شيراك. وهناك صورة تظهر لنا داليدا وهي في أحضان شيراك تعانقه. وكان آنذاك عمدة لمدينة باريس. وبالتالي فداليدا لم تكن سياسية بالمعنى المتخرب أو الضيق للكلمة. وإنما كانت لها صداقات مع بعض الزعماء. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. ولا ينبغي أن نعطي هذا الموضوع أهمية أكثر مما يستحق.

ثم يتحدث المؤلف عن القلق الداخلي الذي كانت تشعر به داليدا ويقول: لقد كانت تطرح على نفسها أسئلة ميتافيزيقية دون أن تجد جواباً لها. كانت تتساءل عن سر الحياة والموت، ومن أين جئنا وإلى أين المصير ... وراحت تدرس التحليل النفسي ونظرية فرويد لكي تصل إلى نتيجة. ويقال بأنها كانت تذهب إلى السوربون متنكرة لحضور بعض الدروس.

ثم سافرت إلى الهند ودرست الفلسفة الشرقية وقابلت كبار الفلاسفة هناك لكي تجد رداً على أسئلتها. وهذا يعني أنها لم تكن امرأة سطحية كبقية المطربات الخاليات من أية ثقافة. وفي الفصل الأخير أو ما قبل الأخير بعنوان: «العودة إلى الجذور» يقول المؤلف ما معناه: ما بين عامي 19801985 قامت داليدا بعدة رحلات إلى مصر. وكانت تشعر بالحاجة النفسية للعودة إلى مرابع طفولتها وشبابها الأول. وفي كل مرة كانت تقيم حفلتين كبيرتين: اثنتان في القاهرة واثنتان في الإسكندرية.

وكان الجمهور المصري يصفق لها بكل حماسة وكأنها مطربة مصرية. وكانت آخر أغنياتها بالعربية هي: أحسن ناس (أي الشعب المصري). وهي عبارة عن نشيد حب مرفوع إلى كل المدن المصرية والشعب المصري. وقد انفجرت هذه الأغنية كالقنبلة الموقوتة أثناء صدورها عام 1985.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي أثناء زياراتها إلى مصر كانت تلتقي دائماً بصديقها القديم يوسف شاهين.

وكان قد أصبح من كبار المخرجين السينمائيين العرب. وقد عرض عليها أن تكون بطلة فيلمه: اليوم السادس. وهو مستمد من رواية اندريه شديد التي تحمل نفس الاسم. وقد نجحت في أداء دورها بشكل رائع. وساعدتها الأحداث المأساوية التي عاشتها في حياتها على النجاح في الدور.

ومعلوم أن يوسف شاهين قال لها أثناء التصوير: إني أعرف أنك عشت فجائع ضخمة يا داليدا. وأرجوك ألا تبخلي عليَّ بها الآن. أعطيني كل شيء، خذي حريتك يا داليدا وعبري عن أعماق أعماقك. وهذا ما كان. ولذلك نجح الفيلم. فالسينما بحاجة إلى صدق مثلها في ذلك مثل الفن والأدب والشعر.

ثم يختتم المؤلف كتابه قائلاً: قبل موتها (أو انتحارها) عام 1987 ببضعة أسابيع فاجأتني داليدا بتليفون متأخر الساعة الحادية عشرة ليلاً. وقالت لي: هل أزعجك بهذا التليفون؟ فأجبتها: لا، أبداً. ثم راحت تتحدث لي عن زيارتها الأخيرة لمصر. وتصف لي إقبال الشعب المصري على دور السينما التي يعرض فيها فيلمها: اليوم السادس.

وبدت لي سعيدة جداً بتكريم المصريين لها. ولكنني في ذات الوقت رحت أقلق عليها. فلأول مرة في حياتها راحت تفتخر بنفسها أمامي. وهذا ما أدهشني جداً. والواقع أن حالتها النفسية تدهورت بعدئذ. وذلك قبل أن تقدم على فعلتها الأخيرة التي أودت بها. رحم الله داليدا.

الكتاب: داليدا: امرأة ذات قلب كبير

الناشر: مطبوعات الصخرة باريس 2005

الصفحات: 199 صفحة من القطع الكبير

DALIDA: LA FEMME DE COEUR

JEFF BARNEL

EDITIONS DU ROCHER PARIS 2005

P. 199