تقع أحداث رواية كيم ستانلي روبنسون «خمسون درجة تحت الصفر» في أميركا التي يجتاحها الطوفان، والتي تواجه النتائج المترتبة على موجة الاحترار العالمي. في هذا اللقاء تتحدث إليه محررة «الغارديان» الأدبية عن التغيرات المناخية، وسلطة العلم وتجربة الحياة تحت رحمة «أسوأ إدارة سياسية في تاريخ أميركا». في أعقاب هبوب عاصفة استوائية، تتعرض إحدى المدن الأميركية المنخفضة للغرق.
تهدم المنازل وتدمر الجسور، ويحرم عشرات المئات من الناس من خدمات الكهرباء ومياه الشرب ؛ وتعج المستشفيات بالمرضى والموتى. مشهد مألوف؟ بالتأكيد. إلا أنه على الرغم من ذلك لا يتصل بما شهدته الولايات المتحدة الأسابيع الماضية، إنه المشهد الافتتاحي الذي تستهل به رواية «خمسون درجة تحت الصفر» الجزء الثاني من ثلاثية روبنسون العلمية التي تدور تفاصيلها حول تغيرات المناخ.
وكذلك فإن المدينة الغارقة التي يتحدث عنها ليست «نيو أورليانز»: إنها واشنطن دي سي. تدور تفاصيل الرواية التي تتحقق أحداثها في أميركا التي تشبه إلى حد بعيد أميركا هذه الأيام،حول الجهود التي تبذلها مجموعة من العلماء ومنظمو الحملات والسياسيين بهدف إيقاظ الرأي العام تجاه ما يتعلق بأزمة الاحترار العالمي. غير أنه كما يبدو للأسف، حسب ملاحظات شارلي كويبلر وهو ناشط في مجال البيئة «يبدو معه أن من الأسهل على هؤلاء أن يدمروا البيئة بدلاً من تغيير شيء ولو قليل في مبادئهم الرأسمالية.
والواقع أن ما يحدث لا يسترعي انتباه أحد في البداية حين يتصادم نظامان من أنظمة العواصف ويصاحب ذلك اندفاع هائل غير مسبوق للموج يؤدي إلى فيضان نهر بوتوماك بواشنطن ليغمر المناطق المحيطة به ويكتسح العاصمة وهو ما وقف عليه القارئ في الجزء الأول من الرواية. إلا أن ما يترتب على هذه الأحداث من ذوبان القمم الثلجية الشديد، وانسداد لمجاري المياه المعدنية الحارة يؤدي إلى خلق ظروف سيئة تنذر بولادة عصر جليدي جديد. إن العصر الجليدي الأخير الذي شهده العالم قبل 11 ألف سنة، لم يستغرق حدوثه سوى ثلاث سنوات.
إن هذه الروايات المشوشة، التي يمكن استيعابها على نحو شديد الاستثنائية هي ما تتألف منه أعمال أحد أهم كتاب رواية الخيال العلمي المعاصرة الذي راجت شهرته على نطاق واسع في أعقاب فوز ثلاثيته الحائزة على جائزة الإبداع التي تدور تفاصيلها حول استعمار كوكب «المريخ»، والتي تظهر فيها بصمة روبنسون واضحة مرفقة في هذه المرة بموهبة عالية في القص، وهو ما يلمسه القارئ من خلال وصفه للمكان والرصد الدقيق للخاص والعام وهو ما يلعب دوراً كبيراً في توسيع دائرة معجبيه.
غير أن هذا العمل الذي يأتي في الوقت المناسب، على نحو متزامن مع الأوضاع السيئة التي تعيشها أميركا المتأثرة بالتحولات المناخية، ربما أضاف إلى شهرته. اتصلت بـ «ستان»، وهو الاسم الذي يعرف به بين أصدقائه، في منزله بكاليفورنيا، في نهاية اليوم، بداية اليوم بالنسبة له، لإجراء حوار حول روايته الجديدة،
ومن خلال صوته كنت أستشف شخصية الرجل الذي ينحدر من كاليفورنيا حقيقة ـ بدا لي جذاباً، مسترخياً، سعيد بدخوله في الحوار مع الآخرين حول ثلاثيته وحول الأفكار والظروف السياسية التي قادت إلى ظهورها. أوضح «قبل سنوات قرأت موضوعاً يتعلق بإمكانية حدوث احترار مناخي يؤدي إلى انفصال الغطاء الثلجي الواقع إلى الغرب من قارة انتاركتيكا والانزياح المائي الذي يتبعه، ثم بدأ لدي التساؤل، حسناً، ما الذي يمكن القيام به؟ هل يمكن القيام بشيء؟ وفي هذه الأثناء تبدأ فكرة التحول، كما تبدأ الرواية.
أما مفهوم التحول ـ تحول طبيعة الكوكب إلى طبيعة تحمل نفس الخصائص التي يتألف منها كوكب الأرض ـ فهو أساسي بالنسبة لثلاثية المريخ، التي تسعى فيها الشخصيات إلى التأثير في التحول المناخي قدر الإمكان من خلال رفع حرارة الكوكب إلى مستوى يجعله مناسباً للعيش البشري على سطحه. في روايته الجديدة بعكس روبنسون هذا المفهوم : بدلاً من تحويل كوكب مختلف إلى نسخة من كوكب الأرض، يبحث في إمكانية السيطرة على كوكب الأرض من أجل تعويض الخسائر التي لحقت به على أيدينا. غير أن ما يبدو سهلاً بالنسبة للمريخ، يبدو صعباً بالنسبة لبيئة طبيعية مزدحمة.
إن كل الإجراءات المقترحة تصبح غير متوقعة النتائج في النهاية (إضافة الملح للمحيط لإعادة جريان المياه المعدنية، رش الغبار في الجو للاسترجاع الضوء والحرارة) وهو ما يطلق عليه أحد البيئيين، في رواية خمسون درجة تحت الصفر «قانون العواقب المترتبة على فعل غير مقصود». يبقى أن التحدي الذي تطرحه الرواية هو، التفكير في كيفية حل المشكلة في ظل القيود التي تفرضها طبيعة الأرض التي نعيش عليها منذ الأزل وليس أي كوكب آخر مختلف.
يتفق معي روبنسون على أن «مواجهة الأمر تبدو سهلة جداً عندما يتعلق الأمر بكوكب المريخ، بينما يبدو غاية في التعقيد عندما يتعلق بالأرض، وهو ضرب من المفارقات الساخرة. إن ضخامة هذا الشيء تصبح أكبر في حال مواجهة مشكلة في بيئة جاهزة كالأرض. حيث فداحة الخطأ، وحيث لا نملك سلطة حل كل ما نواجهه من مشكلات».
مشكلات مثل؟
مثل خفض نسبة حمضية البحر. هذه إحدى المشكلات التي أصبحت أعيها منذ الانتهاء من روايتي الثانية، وستظهر بالتأكيد في الرواية الثالثة إن نسبة عالية من غاز ثاني أكسيد الكربون التي تنتشر في الهواء تصل في النهاية إلى البحر، متسببة في زيادة معدل ملوحته وجعل الحياة بداخله صعبة بالنسبة للكائنات الحية، هذه الكائنات تمثل قاع السلسلة الغذائية التي نأتي نحن على رأس مستهلكيها. لقد نظر العلماء في إمكانية إنقاص حموضة المحيطات في أعقاب ما حدث مؤخراً، وكانت الإجابة الفاترة... لا.
وعلى الرغم من أن ثمة ما يمكننا القيام به. كذلك النوع من المشروعات المستقبلية، إلا أنها لن تتعدى حدود قدرتنا كبشر.
إن هذا الاعتقاد الراسخ بقدرة العلم على تعديل الموازين لتكون في صالحنا يعزز الكتابة لدى روبنسون، إلى الحد الذي، يجعله يتحدث إليك بمعنويات عالية، ويجعل شخصياته قادرة على التحدي، على الرغم من تخيله مستقبلاً نكون فيه إما في العصر الجليدي أو غارقين في مياه المحيط. ولكن ما هو مقدار ما يمكننا وضعه من ثقة في قدرة البشر على حل المشكلات التي يخلقونها في الأساس؟
يجيب بعد فترة من التأمل «أشعر أن ما سيحدث من مفاجآت سيكون في النهاية أفضل من ذلك. فعلى الرغم من أننا سنتسبب في حالة انقراض واسعة النطاق، إلا أنني أعتقد بأن العقل سينتصر في النهاية. ولو أن المال الذي نكرسه للحرب قد تم استثماره في ترميم الطبيعة، لكنا في حالة أفضل. قد يكون ذلك صعباً في البداية، إلا أنني أتصور أنه متى ما أدركت الأمم المتقدمة، وبخاصة الولايات المتحدة، أنها تدمر حياة أبنائها، فسيكون هناك تغير كبير في قيمها. ورغم أنه سيكون قرناً صعباً، وقبيحاً، إلا أنني لا أتصور أن الناس سيكون من الغباء إلى الحد الذي سيجعلهم يقتلون أنفسهم».
الولايات المتحدة
إن روبنسون نفسه أميركياً، ولكن على الرغم من التلميحات الغريبة الموجهة إلى العالم على نطاق أوسع. إلا أن رواياته تقع أحداثها في أميركا وتعالج مشكلات أميركا على نطاق حصري. وبينما تتصاعد الأدلة على حدوث اختراقات تتعلق بالتغيرات المناخية خلال العقد الماضي، فإن الولايات المتحدة مستمرة في سياسة التجاهل المتعمد التي تواجه بالاستياء من قبل المجتمع الدولي.
أوجه إليه سؤالاً حول مدى ما تتحمله الولايات المتحدة من مسؤولية تجاه موجة الاحتباس الحراري التي تجتاح العالم في الوقت الراهن؟ يقول مؤكداً «أعتقد أن الولايات المتحدة دولة فظيعة فيما يتعلق بسياسة الإنكار، والأسوأ من هذا، يبدو أننا واقعون في الإشكالية. إن من الأفضل بالنسبة لنا أن نرى العالم يحترق بدلاً من تغيير أسلوب حياتنا أو الاعتراف بأننا مخطئون.
حتى هنا في كاليفورنيا، 50% من السيارات التي تسير في الطرقات السريعة هي من الشاحنات، إن أصحابها يقولون لك بأنهم ينوون أن يدمروا العالم معهم لأننا لا نمنح شيئاً رديئاً. وفي الأساس فهي مركبات الجمهوريين: عندما تمر عليك واحدة منها، تدرك مباشرة أن صاحبها قد صوّت لصالح بوش».
حقائق عن كيم ستانلي روبنسون
ـ كم ستانلي روبنسون 1952، إلينوي، روائي أميركي من أهم كتاب رواية الخيال العلمي المعاصرة. درس في كاليفورنيا وحصل على شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة كاليفورنيا، سان دياغو. حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعتي بوسطن وكاليفورنيا عامي 1975 و 1982.
ـ أهم أعماله في الرواية: « ثلاثية كاليفورنيا»، « ثلاثية كوكب المريخ»، «انتاركتيكا»، «سنوات الرز والملح».
ـ أهم أعماله في القصة القصيرة: « إعادة صناعة التاريخ »1991، «فنلاند الحلم » 2001، « الهروب من كتماندو «1989، تاريخ القرن العشرين»، « صدمة قصيرة حادة»، «نصفنا الذي يحب »، «المترجم ».
ـ حائز على العديد من الجوائز منها جائزة «هوغو»، جائزة «نيبولاس» عن رواية «كوكب المريخ الأحمر، جائزة «لوكس عن رواية «ذاكرة شاهد».
ـ رواية «خمسون درجة تحت الصفر» هي الجزء الثاني من «ثلاثية كوكب المريخ»
