مالك بن نبي أحد أبرز فلاسفة العرب، كتب في النهضة والتخلف، وله إسهامات واعية في الحفر حول مشكلات التخلف المزمنة، متجاوزاً الظواهر الطافية على السطوح إلى الجذور المتغلغلة في الأعماق، وباحثاً عن السنن والقوانين الكفيلة بتحول الشعوب من الكلالة والعجز إلى القدرة والفعالية.
ويأتي كتابه «مجالس دمشق»، ضمن سلسلة ـ مشكلات الحضارة ـ بدأها في باريس ثم تتابعت حلقاتها في مصر فالجزائر.
مات مالك بن نبي عام 1973، لكن أفكاره ما زالت حية، تهيب بالأمة أن تتلقفها لتنهض بها من كبوتها المزمنة، وتدخل من جديد في مضمار الحضارة.
كانت بداية هذا الكتاب ثلاث مقدمات: مقدمة المؤلف المختصرة جداً، مقدمة حول إصدار «مجالس دمشق» تضمنت رسالته بخط يده إلى عمر مسقاوي شرح فيها ظروف طباعة ونشر مجالس دمشق. ونقرأ أيضاً رسالة جودت سعيد إلى عمر مسقاوي، ثم مقدمة كتبها عمر مسقاوي تحت عنوان: نظرة في مجالس دمشق، يشرح فيها فكر «مالك بن نبي» كامتداد للفكر العربي الإسلامي عبر التاريخ.
مادة الكتاب هي عبارة عن ست محاضرات ألقاها «مالك بن نبي» في دمشق بين سنتي 1971 و1972. حملت العناوين التالية: القابلية للاستعمار، الحضارة ـ الإسلام. الثقافة والأزمة الثقافية، الحقوق والواجبات، المرأة والرجل أمام واجبات واحدة، دور المسلم ورسالته، رسالة المسلم. هذه المحاضرات هي النموذج الذي اشتملت عليه مقاربات «بن نبي» في شرح مشروعه بمختلف الصيغ التي اقتضاها المقام.
وهي في الوقت نفسه محاولة جادة لتقديم المسالك العملية لأسس النهضة، وهو ما نستبينه في كتابه «شروط النهضة». لعل هذه الشروط ينبني عليها تأسيس نهضوي، عندما تكون الظاهرة القرآنية هي الضبط العقلاني للقيم الغيبية المحركة للبواعث في فعالية الأداء.
تتلخص مقولات مالك بن نبي في عدة مساقات أبرزها ان الحضارة الإسلامية توقَّف إنتاجها الثقافي في القرن الثاني عشر، لكن انهيارها تأجل تاريخياً حينما حل العنصر العسكري محل اللون الثقافي لمواجهة تحديات الخارج في قانون تداول الحضارات وتواصل الثقافات.
ويبرر المؤلف الحضور العسكري بالأخطار الخارجية التي كانت تهدد الدول الإسلامية عندما أصبح الإجهاد وضيق النفس يصيب الجسم الإسلامي، الذي أصابه الهزل، والتعب خلال ستة قرون من الشحن الفكري، والكثافة الفكرية، ثم الوافر من العقاد، والوفرة المادية الحضارية. ليس هذا فحسب، فالمخاطر الخارجية تتأهب لتسقط الحضارة الإسلامية.
وإذا كانت الحضارة تشرق بحضورها التاريخي في وحدة المجال، الجغرافي، وتغرب في أفق هذا المجال فهي لا تستقر، ولا تغيب في عين المكان، إنما تشرق في مكان آخر، وهذا فعل الحضارة عبر التاريخ وهو ما أصاب الحضارة العربية الإسلامية، لكن «بن نبي» هنا يميّز العرب عندما يقول: إن الحضارة العربية هي حضارة اللغة فقط، بادعاء العناصر من غير العربية كان لهم دور حضاري بارز، بل هم الأكثر، سيكون منهم «ابن طفيل ـ الفارابي ـ ابن سينا ... الخ»
ويشير صراحة إلى قلة العرب في فعل الحضارة باستثناء «الكندي» مثلاً أما «البخاري ـ مسلم ـ الخوارزمي ـ الطبري» هؤلاء من بلاد ما وراء النهر. ويخلص في تفسيره الذي اعتمد منه التمييز إلى تبرير وجود العنصر العسكري عندما تنسحب هذه الأسماء لتبرز الدولة العثمانية في القرن السادس عشر تحمل لواء الدفاع عن الإسلام بقوتها العسكرية.
هكذا، كانت لوحة من لوحات خروج العرب من التاريخ الحضاري والسياسي والعسكري عندما غاب دورهم القيادي الريادي ليس في القرن السادس عشر كما يرى «بن نبي»، الذي نسي استنجاد المعتصم بخؤولته الأتراك، الذين تسلطوا فيما بعد على العنصر العربي، وغاب العرب نهائياً منذ ذاك الزمن حيث أصبح الخليفة ألعوبة بيد القادة العسكريين من غير العرب.
ويطرح «بن نبي» مسألة على قدر كبير من الأهمية، ما علاقة الإسلام بالتغييب الحضاري؟ هل الإسلام سبب تخلفنا؟
ما من شك أجاد في الإجابة عندما طرح موضوع النهضة الأوروبية وظهور قافلة من الفلاسفة (كانت، ماركس، هيغل، نيتشه) في قرن واحد، أما نحن العرب وقد كان اعترافنا متأخراً لأن الحضارة الإسلامية ساهمت في تأسيس مسيرة العلم التجريبي في الحضارة الغربية، وتخلفنا هو نتيجة استقالتنا نحن المسلمين من حركة التاريخ،
وهو ما نعنيه الخروج العربي من التاريخ. لكن الحقيقة الناصعة التي يأتي بها «بن نبي» هي التآليف التي تظهر في السنوات الأخيرة، فكتاب «التاريخ العالمي» في جزأين، في سلسلة العقليات ـ وهي سلسلة محترمة جداً ـ لأول مرة يصبح الإسلام معلماً في مراجع أكاديمية غربية.
التمعن في فلسفة «بن نبي» ومشروعه يوحي لرجال الفكر أنه كَتَب للمستقبل فما كتبه في السبعينات من القرن الماضي له دلالات مستقبلية للقرن الحادي والعشرين، عندما يؤكد على أهمية الثقافة العربية الإسلامية وسرعة انتشارها. فهو يقول:
الثقافة الإسلامية انتشرت بسرعة، وماتت ببطء في القرن الخامس عشر. ونحن نرى أن الهجوم الغربي على العرب والمسلمين لوقف عجلة التاريخ.
أما الحقيقة فلا يمكن طمسها وتجاهلها، فالحضارة الغربية وامتداداتها إلى القارة الأميركية مليئة بالعهر، وسوء الأخلاق وهي تسير بسرعة نحو الذروة لتبدأ بالسقوط، وهكذا ماتت الحضارة اليونانية حين بلغت أوج علمها. وفي محاضرته «الحقوق والواجبات» يقول:
الحضارة الغربية التي ننظر إليها عن كثب ونتفحص أمرها نرى أنها الآن بدأت في نزول السلم السهل.
ولا يفوتنا أن نشير أن «بن نبي» يؤكد على أهمية الثقافة والخروج من الأزمة الثقافية التي يعيشها العرب، أو كانت الأمة العربية قد واجهت في ظروف ما أزمة سميت أزمة ثقافية. فإذا كان هذا صحيحاً فالأزمة الثقافية قد تولدت لأننا تناولنا العلم على أنه ثقافة.
وبن نبي قدم تعريفاته للثقافة، وأعطى منهجية ذات مدلول مستقبلي في معالجة قضايانا الراهنة وأهمها الحرص على المبررات التي تؤكد خضوع سلوك الفرد لمصلحة الجماعة وللصالح العام، وأن يخرج الإنسان من قوقعة الأنا.
وبالتالي يكون المجتمع قادراً على تأدية وظائفه، المميزة ببسط شبكة علاقات اجتماعية معينة تضمن للفرد عناية ورعاية المجتمع من جانب، ومن جانب آخر تضمن المجتمع من انحراف الفرد ونشوز مجتمعاتنا.
عبد الغفار نصر
الكتاب: مجالس دمشق
الناشر: دار الفكر ـ دمشق 2005
الصفحات: 190 صفحة من القطع المتوسط
