مؤلف هذا الكتاب هو «سيرج لاتوش» الذي كان بروفسوراً في جامعة باريس الحادية عشرة والذي يعمل في مجلة «موس» الفرنسية الشهيرة. لقد ألّف «لاتوش» عدداً من الكتب على امتداد ثلاثين عاماً ونيف من حياته الفكرية، وبوجه خاص: نقد الامبريالية (1979)؛ دعوى العمل الاجتماعي (1984)؛ هل يجب رفض التنمية (1986)؛ معمورة الغارقين (1991)؛ أفريقيا الأخرى (1998)؛ أخطار السوق الكونية (1998)؛ تحرير المخيال (2003)؛ عدالة دون حدود ـ التحدي الأخلاقي في اقتصاد معولم (2004).

في نهاية تاريخ متعدد القرون تحوّل الغرب إلى «آلة اجتماعية» لا يمكن ضبطها في الوقت الذي يحمل فيه اليقين على أن نموذجه شمولي بالنسبة للإنسانية جمعاء، لقد قام الغرب باكتشافات واسعة، وإنتاج سلع لا حدّ لها، كما وتنوعت شبكاته الاتصالية، واستمر في تطوير تقنياته، وأقام الدولة ـ المانحة ووسع التعليم وحرر الفرد والمرأة ومد اقتصاده عبر الحدود بما أعطاه القناعة على أنه مقياس التطور والتقدم.

ولكن تعميم نموذجه يصطدم بمقاومة وعقبات مستمرة؛ بل إن انتصاره يولد بحد ذاته عناصر تفككه ويثير مسألة البحث عن مجال مشترك جديد للتعايش والتعاون بين الثقافات والشعوب، ويعتبر الكاتب أن العولمة والأمركة اليوم ظاهرتان مرتبطتان بمسار أقدم منهما بكثير، ألا وهو مسار امتداد الغرب على العالم وسيطرته على أصقاعه.

فمحاولة جعل العالم غربياً قد بدأت منذ الحروب الصليبية واكتملت هذه المحاولة مع عصر الملاحين والاكتشافات الجغرافية الكبرى بحيث انه ما أن حلَّ عام 1800 الميلادي إلا وكان الغرب قد سيطر منذ هذا الوقت على 55% من العالم.

هكذا تم تقسيم المعمورة وبوجه خاص مع عام 1880 بين هولندا، واسبانيا، والبرتغال، وفرنسا، وبريطانيا، وما أن حلت الحرب العالمية الأولى حتى اعتقدت أوروبا القديمة (التقليدية)، وأوروبا الجديدة (أميركا الشمالية) أنهما مشرّعتان للعالم.

والكاتب وهو في نقده للغرب يرد على أطروحات مشابهة هذا الأخير بالعلاقات التجارية التي كانت موجودة قبله في العالم العربي ـ الإسلامي، أو بالتصنيع الذي امتد عبر قرون وبشكل متفاوت في البلدان الذي انتهجته. أما مشابهة الغرب بالرأسمالية التي تبدو أكثر صعوداً من غيرها من الأطروحات، فإنها ترد على خصوصية تاريخية وإلا لكان العالم قد أصبح ومنذ فترة بعيدة سوقاً واحدة ومجتمعاً واحداً.

وغالباً ما يستخدم مصطلح «الآلة» للتعبير عن الموافقة الغربية، هذا صحيح إلى حد بعيد لأن البشر يُستخدمون سخرة لتشغيلها ولكي يصبح عمل المجتمع مع التقدم التقني أوتوماتيكياً أي دون تدخل البشر باعتبار أن ذلك يضمن حيادية هذا الاشتغال ابتعاداً عن الظلم والمفاسد المرافقة والمكونة للضعف البشري، ولكن ما النتيجة من جراء هذه الوضعية؟ إنها ابتعاد أكثر فأكثر عن الإنسان بما يجعل العلاقات الاجتماعية ذات طابع إنساني.

ويُبرز المؤلف مسألة أساسية حول الفصل الذي تمَّ بين الثقافة والحياة الاجتماعية. ففي الجماعات الإنسانية السابقة على العالم الحديث، كان مصطلح الثقافة يغطي جميع جوانب النشاط الإنساني الفردي والجماعي لأن هذه الجماعات كانت تجهل الاقتصاد بحد ذاته، وكان الحيّز الاقتصادي متداخلاً كلياً مع غيره من الحيزات الأخرى الاجتماعية. أما المجتمع الحديث فقد جعل من المجال الاقتصادي إنتاجاً وتوزيعاً واستهلاكاً مجالاً قائماً بنفسه، وأصبحت الثقافة تعني مجالات محدودة أخرى.

لقد كان الفرد في المجتمعات القديمة وحتى التقليدية منها مندمجاً في نظام رمزي يعطي لتجربتها وعلاقاتها مع بيئتها معنى ومغزى بحيث إن الشفوية والتقنية المحدودة كانت تقلص كثيراً المسافة بين ما يمكن اعتباره مادياً وثقافياً. أما في المجتمع الحديث فإن الإنتاج المادي ينفصل عن الإنتاج الثقافي ليصبح هذا الأخير حصراً لمجموعات محدودة بينما تبقى أقسام واسعة من الجمهور والسكان يجهلون المنتجات الثقافية لحضارتهم بالذات،

ولقد وصل الأمر إلى أن المنتجات الثقافية أصبحت «صناعية»، تحاول إغراق العالم بها بعيداً عن تجارب الشعوب الأخرى وأشكال حياتها الاجتماعية والتساؤلات التي تطرحها على نفسها وعلى العالم الذي تعيش فيه.

بمعنى آخر فإننا أمام عملية «اقتلاع ثقافي» يقوم بها الغرب في علاقاته والشعوب الأخرى، وهذه العملية بدأت في الغرب نفسه حيث تم الاقتلاع الثقافي للأرياف بغية دمجها في الاقتصاد الحديث، ومن هنا فإن المشروع الحضاري الحداثي يبرز وكأنه مضاد للثقافة باعتباره «مشروعاً شمولياً»

يقوم على قيمة العالم والتقنية والاقتصاد في الوقت الذي يبرز فيه نفسه بعدم ارتباطه بأية بقعة جغرافية كانت أو بإطار ثقافي معين وفي حين يجعل من التنافس الشديد بين الأفراد ومن التراكم المادي ومن تطوير التكنولوجيات معاييره الأساسية.

وإذا كان بعض المفكرين الغربيين يطرح وجود ثقافة غربية ويصر على خصوصيتها في علاقاتها مع الثقافات الأخرى مبيناً أن الغرب هو الذي أوجد وجوه ثقافة مفتوحة تنقد نفسها باستمرار، وتسمح للغربيين أن يفكروا في أنفسهم وان يعيدوا النظر بأوضاعهم بما يشكل سر تفوقه على الآخرين، فإن الكاتب يرى وَهْم ذلك. أولاً: لأن الغرب لا يمكن أن يكون متفوقاً على غيره إلا بمقدار ما يضع هذا التفوق في ميزان ويتساءل حوله.

وثانياً: لأن حضارات أخرى منافسة للغرب كالحضارة الهندية والصينية والعربية والإسلامية لم تتحقق إلا بالانفتاح الثقافي وخلق فضاءات ثقافية واسعة لأصقاع واسعة من العالم. بمعنى آخر فإن مشروع هذه الحضارات يقوم في عمقه كثقافة مضادة، لما هو محلي ومنغلق، وفي هذا فإن الغرب لا يختلف عن غيره اللهم إلا لأن الثقافة الآلية والسوق وتحرير الفرد الإنساني، رجلاً وامرأة، تشكل الجوانب الجديدة في مشروعه.

وهذه الجوانب تصطدم بنفس الوقت بعدم قدرة الغرب على إعطاء أجوبة لمشكلة الوجود الاجتماعي للخاسرين والمهمشين وعدم التمتع بالحقوق العقلية إلا بالنسبة للأكثر نجاحاً في مناقشاتهم وأعمالهم بحيث يبدو مشروعه عوائياً ومناهضاً للثقافة إذا اعتبرناها لا تعني الطريقة في الولادة والعيش والحب والزواج والاعتقاد والتفكير والتصرف إزاء الآخر

وكفى وإنما أيضا المساهمة المشتركة بإعطاء حلول لما تعيشه الجماعات الإنسانية من مشاكل تكوينها وإيجاد توازن حي في علاقاتها وحقوقها وتمكينها من المساهمة في العمران البشري بعبارة أخرى فان الغرب لا يستطيع تحقيق مشروعه إلا بالقضاء على الثقافات الأخرى.

ولكي يبين الكاتب أن الغرب لا يشكل إلا مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني الذي لا يتوقف وانه ليس بالضرورة اقتفاء مشروعه، فانه يقوم بمقارنة بين الثورة الزراعية وبين الثورة الصناعية فالأولى قامت تاريخياً بتدجين الحيوانات والنباتات واختراع الأواني الفخارية وإقامة التجمعات البشرية العمرانية.. لكنها لم تقف بذلك في وجه التنوع الثقافي ولا أدت إلى اقتلاع الثقافات فلقد قامت كل ثقافة بإقامة انجازات الثورة الزراعية حسب أوضاعها ونشأ عن ذلك تطور بشري كبير.

والثورة الصناعية قامت هي باكتشافات كبرى كالفحم والبترول والطاقة النووية.. لكن هذا لا يعني نهاية التاريخ، ولا يعني ضرورة تطبيق نظامها بقدر ما يجب أقلمه هذه الاكتشافات من قبل الثقافات الأخرى كما حدث بالنسبة للثورة الزراعية، فمسألة تطعيم شعب معين بمجتمع تقني ليست جديدة

وفي هذه تقدم اليابان نموذجاً معاصراً عن ذلك، النموذج الناجح لماذا؟ لان اليابان استعارت ما هو أساسي لدى الغرب، روحيته الدينامية الجديدة، وتركت ما هو ثانوي، وأبقت على ما هو حي في ثقافتها. وبالمقابل فان أميركا اللاتينية لم تستطع أن تؤقلم ما هو أساسي لدى الغرب بقدر ما أنها اتجهت إلى ما هو ثانوي بحيث وضعته على ثقافتها ولم تتمكن بذلك أن تصل إلى المرحلة التي وصلت إليها اليابان.

هكذا يمكن للنموذج التكنولوجي الغربي إنتاجاً رأسمالياً وديمقراطية ليبرالية أن ينفصل من قاعدته التاريخية الاجتماعية ليعاد إنتاجه بشكل أو بآخر في أماكن أخرى ولكن هذا لا يعني شموليته، أي قابليته للتصميم بالضرورة، فالعولمة التي تعكس هذا النموذج اليوم والتي تطرح تحدياً على العالم بسبب تدفق البضائع والأموال والإعلام والصناعات الغربية، فإنها بقدر ما تشتد وتمسي مقومات المجتمعات اللاغربية بقدر ما تصبح ذات طابع نزاعي حاد مع هذه المجتمعات.

إن جوهر القضية لا يتعلق بالتقانية المتطورة والاقتصاد الرأسمالي او اعتبار القيم الغربية قيماً «طبيعية» ولجميع البشر وتمثل الحقيقة التامة بحيث لم يعد أمام اللاغربيين سوى اتباع وجهة النظر الغربية واستراتيجاته في التصنيع والتمدن والتنمية انه يتعلق من وجهة نظر الكاتب نفسه في أن التخلف الذي تعانيه بلدان العالم الثالث لا يعود إلى ما هو اقتصادي، ثقافي بقدر ما انه يرجح إلى تخلي هذه البلدان عن طرق إنتاجها،

وعن أنماط معاشها، وعن قيمها الجامعة الثقافية، الأمر الذي يجعلها تدور في فراغ، وإذا كان بالإمكان محاكاة الغرب في بعض الجوانب فانه يصعب على غيره تحقيق اقتصاد تنافسي على المستوى العالمي.

لقد أصبح العالم غربياً عبر اقتصاد تعمم دولياً لكن هذا الاقتصاد يحمل تفكك النظام الاجتماعي بينما قادت محاولات التصنيع الغربي إلى انسداد مجتمعي في أكثر من بلد لا غربي ومن هنا فان الذين يذوقون خيبة الأمل المرة اليوم يتحولون باتجاه أشكال التأكيد الذاتي على الهوية وعلى معاداة الغرب.

وفي حين أن «الآلة» تشكل قوام الغرب وتم اشتغالها في إطار دولة قومية بما شكل الهوية الاجتماعية له، وبحيث يمكن القول إن المجتمعات الغربية كانت سياسية قبل كل شيء رابطة بذلك بين الاقتصاد وبين الدولة الأمة وبين التنمية، فان الواقع التاريخي للمجتمعات اللاغربية لم يحمل هذا الترابط لان الدولة ظلت متوضعة فوق المجتمع أو أنها بمحاذاته والنتيجة أن المحاولات التي جرت من اجل «التحديث للبقاء على قيد الحياة» أدت في حالات عديدة إلى «التدمير الذاتي من اجل التحديث».

والعولمة باختراقها الحدود القومية وعملها على خلق سوق عالمية على أثر الدينامية التي خلقها الغرب، إنما تبين نهاية المتنمية والقوميات الاقتصادية، إنها نهاية الدولة ـ الأمة وذلك كمبدأ للسيادة وكمحرك للحياة الاقتصادية. ولذا فإن أزمة نظام الدولة ـ الأمة الغربية هي أزمة حضارة بالوقت نفسه.

بهذا فإذا كانت أزمة المجتمعات اللاغربية التي فشلت في مشروعاتها التنموية أو أقلمة الاكتشافات الغربية في واقعها الثقافي قد خلقت مجالاً جديداً لها لكي تقوم بتنظيمها الذاتي لقدراتها، والعمل على خلق نسيج اجتماعي متلاحم لها، وتفصيل الهوية الثقافية وتحرير المواطنين بما يقدم حلولاً للمشاكل التي تعانيها،

والبحث عن أنماط مختلفة من الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، واستخدام مواردها لتحقيق التضامن بين أفرادها، فإن أزمة النظام الغربي هي الشرط الضروري لتحقيق أشكال جديدة عن النمو والتعايش والتعاون بين الشعوب والثقافات.

هذا يعني أن الشمولية الحقيقية، أي ما يمكن تعميمه على العالم لا يمكن أن تركز إلا على إجماع أو توافق مشترك. وهذا يعني أن هذه الشمولية لا تمر عبر الاعتراف بالآخر وعبر التنوع الثقافي وحسب وإنما أيضاً عبر الحوار بين الثقافات لا سيما وأن إمكانية الاتصال قائمة بشكل أكبر وأوسع لما كان عليه الأمر في الماضي. إن كل ثقافة ستقوم بذلك، أي أن تتحقق التعامل بالمثل في علاقاتها مع غيرها، وبالتالي أن تتخلى عما هو مستهجن لديها لكي يقوم الآخر بالشيء نفسه.

ولهذا لابد قبل التحدث عن أية شمولية كانت من طرح السؤال حول ما هو مستقبح ومستهجن في الثقافات وحول «توحش حضارتنا» نفسها للانتقال من ثقافة «أعرف نفسك بنفسك» أو ثقافة «أعرف قومك وأمتك» إلى ثقافة «أعرف الآخر». فهناك بعد الأزمات الحادة التي عرفتها الإنسانية المعاصرة مجال من التعايش والتضامن والتواصل والتفاعل جدير باكتشافه وصيانته.

الكتاب: غربنة العالم

الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس 2005

الصفحات: 170 صفحة من القطع المتوسط

L'OCCIDENTALISATION DUMONDE

SERGE, LATOUCHE

LADECOUVERTE -PARIS 2005

P.170