مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الجزائري أكرم بلقائد وكان قد غادر بلاده إلى المنفى الفرنسي عام 1995 ولا يزال حتى الآن في الخارج. وفي أثناء ذلك نشر كتباً عدة من بينها: الجزائر في الحرب الأهلية (2002)، واللقاء مع الغرب الكبير (2001)، ومئة مفتاح لفهم قضايا الغرب الكبير (1999).. الخ.

وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن الأوضاع الداخلية للجزائر بكل صراحة. ويحاول تشخيص أمراض هذا البلد الكبير الذي عانى من حرب أهلية طويلة ومدمرة على مدار عشر سنوات. وعلى الرغم من أن عنوان الكتاب «نظرة هادئة على الجزائر» إلا أنه يغلي بالغضب الشديد على سوء الأوضاع وترديها. ونلاحظ أن المؤلف يصب جام غضبه على السلطة والمعارضة الأصولية في آن معاً.

ويقول بأن الشعب الجزائري يستحق ما هو أفضل من ذلك. فقد دفع ثمن تطاحنهما على مدار السنوات الماضية. وفي بداية الكتاب يقدم المؤلف صورة عامة عن تركيبة السلطة في الجزائر وعن أصحاب القرار من كبار الضباط العسكريين. كما يتحدث عن صعود الحركة الأصولية في المجتمع الجزائري منذ بداية السبعينات. وقد لاحظ ذلك في مدرسته الثانوية التي كانت تنقسم إلى طلاب أصوليين وطلاب عاديين أو طبيعيين.

ويقول المؤلف بأن السلطة عندما أحست بتصاعد زخم الأصوليين حاولت أن ترضيهم عن طريق تشريع قوانين تمشي في اتجاههم كمنع شرب الخمر، أو فرض الحجاب على النساء، أو في القبول بتعدد الزوجات، إلخ.. ولكن هذه التدابير التي اتخذتها حكومة الشاذلي بن جديد لم تهدئ من غضب الأصوليين، بل واعتبروها علامة ضعف من قبل السلطة، ولذلك واصلوا مسيرتهم ممارسين التهديد على من يخالفهم في الرأي أو في السلوك، فالفتيات غير المحجبات مثلاً كن يتعرضن للأذى من قبلهم في الثانويات أو الجامعات.

ثم يتحدث المؤلف عن تركيبة المتجمع الجزائري ويقول بما معناه: الجزائريون هم بربر مستعربون في معظمهم، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد انقسام فيما بينهم، وهذا الانقسام لغوي في الواقع أكثر مما هو عرقي أو إثني كما يقول علماء الانثربولوجيا. فمن الناحية العرقية نلاحظ أنهم يتشابهون جميعاً.

ولكن من الناحية اللغوية هناك أكثرية ناطقة بالعربية وأقلية ناطقة بالبربرية، وأما اللغة الجزائرية الدارجة فالجميع يفهمها.

يضاف إلى ذلك أن اللغة البربرية المستخدمة في منطقة القبائل مليئة بالكلمات العربية. وبالتالي فالمشكلة أقل ضخامة وخطورة مما نظن ولكن المتطرفين البربر والمتطرفين العرب يريدون إشعال نار الفتنة ولا يتوقع لهم أن ينجحوا في ذلك لأن المجتمع الجزائري كله مسلم وهذه الوحدة الدينية أو الروحية تجمع بين مختلف أفراده.

ولكن انقسامه إلى علمانيين أو تحديثيين من جهة، وتقليديين وأصوليين من جهة أخرى سوف يسبب المشاكل لفترة طويلة، ثم يقول المؤلف بأنه توجد في الجزائر أربع لغات أساسية: الأولى هي العربية الدارجة، وهي لغة الجزائريين في حياتهم اليومية. والثانية هي اللغة البربرية السائدة في منطقة القبائل الكبرى أساساً وعاصمتها تيزي أوزو، والثالثة هي العربية الفصحى السائدة في المدارس والمعتبرة بمثابة اللغة الرسمية للشعب الجزائري.

أما الرابعة والأخيرة فهي اللغة الفرنسية السائدة في أوساط المثقفين والصحافيين والنخبة السياسية والاجتماعية بشكل عام، وبالتالي فالمجتمع الجزائري تعددي من الناحية اللغوية، وينبغي أن نعترف بذلك. فهذه ثروة وغنى للشعب الجزائري، وبالتالي نقطة قوة لا نقطة ضعف.

وفي أثناء الكتاب يتحدث المؤلف عن المصير التراجيدي لمحمد بو ضياف الذي استنجد به العسكر في بداية التسعينات لكي يقبل بأن يصبح رئيساً للجزائر وينقذ البلد، ثم قتلوه بعدئذ! والواقع أنه غاب عن الجزائر مدة ثلاثين سنة (1963 ـ 1992) وكان يعيش في الغرب حيث يمتلك مصنعاً صغيراً. وكان مشهوراً بنزاهته واستقامته الأخلاقية وبعده عن الفساد والإفساد.

وقد فعلوا المستحيل لكي يقنعوه بالعودة لإخراج البلاد من حالة الفوضى والاقتتال الأهلي الدائر بين الجبهة الإسلامية للإنقاذ من جهة والنظام من جهة أخرى. وبعد أن قبل على مضض وعاد إلى الوطن أراد إصلاح أوضاعها عن جد. ولكنه عندما اقترب من الخط الأحمر، أي من الأملاك الطائلة للطبقة الحاكمة اغتالوه.

ثم يكرس المؤلف فصلاً مهماً للتحدث عن العلاقة التاريخية المضطربة بين الجزائر وفرنسا. ومنذ البداية يقول ما معناه: أحلم أحياناً بما يلي: أن تعترف فرنسا عام 2030، أي بعد مئتي سنة على احتلال الجزائر عام 1830 بما فعلته بهذا البلد من جرائم. ربما كان رئيس جمهوريتها آنذاك رجلاً وربما كان امرأة، لا يهم. المهم أن تعترف بما أصاب الشعب الجزائري من كوارث ومصائب نتيجة هذا الاستعمار الطويل.

ثم يضيف المؤلف قائلاً: ربما لن يتحقق هذا الحلم أبداً. فالفرنسيون يجدون صعوبة كبيرة في مواجهة ضميرهم وجهاً لوجه. ولذلك فهم يغطون على الصفحة الاستعمارية من تاريخهم بحجاب. إنهم يريدون نسيانها تماماً، ولكن دون التوبة أو الاعتذار عنها، والدليل على ذلك هو انه عندما زار عبدالعزيز بوتفليقة باريس عام 2000 وطالب فرنسا بالاعتراف بذنوبها تجاه الجزائر قوبل بصمت ثقيل من طرف الطبقة السياسية الفرنسية كلها.

وراحوا يذكرونه بالماضي الإرهابي لجبهة التحرير الوطنية، بل وبالماضي الإرهابي للضابط بوتفليقة نفسه! فالمقاومة ضدهم يعتبرونها إرهاباً. ولكن مقاومتهم هم للاحتلال النازي يعتبرونها مقاومة! هذا هو الكيل بمكيالين.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن ماذا يضير فرنسا ان تعترف بالعذاب والآلام التي سبَّبتها للشعب الجزائري، ألن يزيد من شرفها وسمعتها أن تعترف بما اقترفته يداها هناك؟ ينبغي أن يعلم الفرنسيون ان الشعب الجزائري مجروح في أعماقه جرحاً لا يندمل بسبب الاستعمار.

انه مصدوم نفسياً، ولن يشفى من صدمته إلا إذا اعترفت فرنسا بأنها هي التي صدمته عندما سلبت إرادته واستعمرته وأهانته.

أما الفصل الأخير من الكتاب فيحمل العنوان التالي: في مواجهة الأصولية، وفيه يقول المؤلف ما يلي: على الرغم من أني ضد التطرف والمتطرفين إلا أني اعتبر إلغاء الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991 خطأ كبيراً. وقد دفعت الجزائر ثمنه دماً ودموعاً: أي مئات الآلاف من القتلى.

صحيح ان صفحة جبهة الإنقاذ الإسلامية قد طويت في الجزائر مؤخراً. وصحيح ان الإرهاب قد خف كثيراً ان لم يكن انتهى، ولكن مسألة الحركة الأصولية في الجزائر تظل قائمة كما هي. والسؤال المطروح هو التالي: ماذا سنفعل بالحركات الأصولية في العالم الإسلامي

هل سنتحاور معها أم سنقاطعها ونحاربها أم ماذا؟ في رأيي أن الحوار مع التيار المعتدل في الحركة الأصولية أمر ضروري ومفيد. فهي ليست كلها متطرفين وقتلة وإرهابيين على عكس ما يشيع البعض، لا ريب في ان هذا التيار الخطر والتعصب موجود، ولا ريب في ان علي بلحاج يمثله كل تمثيل.

ولكن هناك تياراً آخر داخل الحركة الأصولية الجزائرية، وربما لو عرفنا كيف نتعامل معه ونحاوره لساعدنا على نموه وتطوره ولحصل عندنا تيار عقلاني إسلامي على طريقة حزب العدالة والتنمية في تركيا.

ولكن الأمور في الجزائر سارت في اتجاه مختلف. والجنرالات العسكريون استلموا زمام المبادرة ورفضوا إكمال الانتخابات. ثم دخلوا في حرب مفتوحة مع التيار الإرهابي في الحركة الأصولية بدءاً من يناير 1992، ودخلنا عندئذ فيما دعاه المراقبون بالعقد الأسود من حياة الجزائر، ففي خلال عشر سنوات في كلتا الجهتين ما لا يقل على ثلاثمئة أو أربعمئة ألف قتيل وجريح.

وهكذا عاشت الجزائر حرباً أهلية مرعبة كانت في غنى عنها. والحق ليس على جهة واحدة وإنما على الجهتين، مهما يكن من أمر. فإنه اذا كانت جبهة الإنقاذ قد اختفت من الساحة فإن الأصوليين لا يزالون هنا، وبعضهم يحتل مناصب مهمة في الحكومة والبرلمان، وهم ينتظرون ساعتهم لكي يتحركوا من جديد.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلاً: لقد اتهموني بأني من أنصار جبهة الإنقاذ لأني دعوت إلى الحوار معها. وانهالت علي الشتائم من مثقفين أو صحافيين عديدين داخل الجزائر وخارجها وبخاصة في فرنسا، ولكني في الواقع لم أكن يوماً من أنصار هذا التيار ولا من المتعاطفين معه أيديولوجيا.

ولكني كنت أعتقد وما أزال أن الحوار هو الطريقة الأفضل لتجنيب الجزائر حمام الدم. وينبغي الاعتراف بأن المجتمع الجزائري هو مجتمع محافظ في أغلبيته. وبالتالي فلا يمكن لأحد أن يحكمه إن لم يأخذ مسألة الدين بعين الاعتبار.

ولهذا السبب أقول بأننا بحاجة إلى تأويل جديد للدين الإسلامي، تأويل تنويري يستطيع أن يقف في مواجهة التأويل الأصولي أو التقليدي القديم، بل وينتصر عليه، ولكن بانتظار أن يتحقق ذلك فإننا بحاجة إلى محاورة العناصر المعتدلة والوسطية داخل التيار الإسلامي العام، وهذا ما هو جار حالياً.

الكتاب: نظرة هادئة على الجزائر

الناشر: سويل ـ باريس 2005

الصفحات: 284 صفحة من القطع الكبير

UN REGARD CALME SUR

L' ALGERIE

AKRAM BELKAID

SEUIL _ PARIS 2005

p.284