مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور اريك جاغير استاذ علم التاريخ في جامعة ميتشيغان الأميركية ثم قبلها في جامعة كولومبيا، وكان قد نشر سابقاً عدة كتب نذكر من بينها كتابه المدعو: «كتاب القلب». وفيه يدرس صورة القلب في أدب القرون الوسطى: أي الصورة الخيالية أو العاطفية التي شكلها الشعراء والأدباء عن القلب في تلك العصور، كما ونشر البروفيسور جاغير مقالات عديدة في الصحف عن مواضيع شتى، وهو الآن يكتب ويعيش في مدينة لوس انجلوس.
وفي هذا الكتاب الجديد يتطرق المؤلف بوضوح تاريخي يخص المبارزة بين رجلين اثنين. ومعلوم انها كانت عادة شائعة في القرون الوسطى ثم تخلت عنها العصور الحديثة نظراً لوحشيتها وهمجيتها. ومعلوم انها كانت دليلاً على الرجولة والفروسية في تلك العصور. وإذا ما دعاك أحد للنزال فانك لا تستطيع ان ترفض لأنك إذا ما رفضت فان الآخرين سيعتبرونك جباناً ويحتقرونك طيلة حياتك كلها.
وقد تحصل المبارزة من أجل قصة حب حيث يتنازع رجلان على قلب المرأة الواحدة نفسها. وقد يتنازعان من أجل قضية شرف أو من أجل التحدي فقط أو حتى من أجل قضايا تافهة لا أهمية لها. ثم يتفرج الناس على المتبارزين وهما يتصارعان بالسيوف حتى ينزل الدم من احدهما أو حتى ينتصر احدهما على الأخر ويرديه قتيلاً أمام مشاهد الجمهور المتحمس.
ثم يروي لنا المؤلف قصة حقيقية جرت في فرنسا إبان العصور الوسطى ويقول: في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر من عام 1386 أصدر برلمان باريس لرجلين الأمر بأن يتبارزا بالسيوف. وقد حصل ذلك بالقرب من كنيسة القديس مارتان الواقعة وسط العاصمة الفرنسية. وجرت المعركة تحت أنظار جمهور مؤلف من نخبة فرنسا بدءاً من الملك شارل السادس وأنت نازل..
كل الشخصيات الارستقراطية الكبرى كانت حاضرة. ومن هما المتبارزان؟ شخصان اثنان: الأول يدعى جان دوكاروج، والثاني صديقه السابق، نعم صديقه!، جاك لوغري. بل وكان يشتغل معه في التجارة ويمثل الشريك الأساسي له. ولماذا حصلت هذه المبارزة المشهورة بين الرجلين؟ لأن الرجل الثاني اتهم بخطف زوجة الأول! وبالتالي فلم يعد هناك من خيار للفصل بينهما إلا عن طريق المبارزة بالسيوف، وبعد جولات عدة من الضرب والطعن استطاع الرجل الأول الذي خطفت زوجته ان يقتل الرجل الثاني، وكانت المبارزة ضارية بالفعل.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن الشيء الذي أقلق المؤرخين المعاصرين والملاحقين هو انه بقيت لديهم شكوك حول قصة الخطف. فالرجل المتهم به ليس من المؤكد انه قام بهذه الفعلة الشائنة وبخاصة بالنسبة لأناس العصور الوسطى. فمن يخطف زوجة صديقه؟ هل يفعلها إلا الحقير والنذل؟
وبالتالي فربما كان الرجل قد ذهب في القضية غدراً وقتل عن طريق الخطأ، ولكن بغض النظر عن هذه القصة المثيرة فإن المؤرخ اريك جاغير يطرح عدة أسئلة مهمة على مسألة المبارزة وطابعها الوحشي وخلفيتها الاجتماعية وملابساتها الثقافية والسياسية، ويقول بأن فلاسفة التنوير استغلوا هذه القصة لإدانة تلك الممارسات البربرية التي كانت تحصل في عصور الظلام والإقطاع. فربما كان جاك لوغري الذي قتل نتيجة المبارزة شخصاً بريئاً ولا علاقة له بالموضوع. والشيء الذي يثير اشمئزازنا نحن المعاصرين هو التالي:
كيف يمكن لكبار القوم وعلى رأسهم ملك فرنسا ان يستمتعوا برؤية المبارزة وان يروا الرجل المغلوب وهو يسقط مضرجاً بدمائه وصرخاته تتعالى؟! بالطبع فلا أحد ينقذه أو يداويه لأنه متهم بخطف زوجة صديقه، وبالتالي فهم يعتبرونه بمثابة المجرم.
ثم يصف المؤلف كل مراحل المبارزة بشكل دقيق وبأسلوب فني جذاب.
انه يكتب نوعاً من الرواية التاريخية التي تصور لنا أجواء العصور الوسطى في أوروبا الإقطاعية والأصولية، ومعلوم ان القصة جرت في الفترة نفسها التي شهدت الحروب الصليبية. والواقع ان ما يصدمنا اليوم لم يكن يصدم أناس تلك العصور الغابرة، وهذه هي إحدى النتائج التي يريد المؤلف ان يتوصل إليها من خلال كتابه هذا، وبالتالي فان الكتاب يقدم مساهمة جادة لما يدعونه حالياً بتاريخ العقليات: أي التاريخ الذي يدرس عقلية العصور الغابرة وعقلية العصور الحديثة ويكشف عن الفرق بينهما.
الكتاب: المبارزة الأخيرة
القصة الحقيقية عن الجريمة والفضيحة
والمحاكمة عن طريق المقاتلة في فرنسا
إبان القرون الوسطى
الناشر: راندوم هاوس ـ نيويورك 2005
الصفحات: 242 صفحة من القطع الكبير
The last duel
Atrue story of crime scandal
And trial By comrat in medieval france
Eric jager
Random house - N.Y 2005
p.242
