مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب التركي الشهير أورهان باموق، ومعلوم أنه ولد في مدينة اسطنبول عام 1952. وقد أمضى حتى الآن القسم الأكبر من حياته في تركيا. وقد تخرج في الأصل في الجامعة التكنولوجية في اسطنبول حيث درس فن العمارة، ثم درس بعدئذ في معهد الصحافة في جامعة اسطنبول ونال شهادة عليا منه، وبالتالي فهو ذو تكوين علمي وأدبي في ذات الوقت.
ثم سافر إلى أوروبا والولايات المتحدة أكثر من مرة وألقى محاضرات عديدة في جامعاتها. وقد ظهرت مواهبه الأدبية مبكراً عندما اكتشف ميوله نحو الكتابة الروائية، وقد أصدر روايته الأولى عام 1982 بعنوان: جودت بيك وأولاده، ونال عليها جائزة أدبية ركية في العام التالي، أما روايته الثانية فكانت بعنوان: بيت الصمت، وقد نال عليها أيضاً جائزة عام 1984، بل وحتى ترجمتها الفرنسية حظيت بجائزة الاكتشاف الأوروبي عام 1991.
ثم أصدر عام 1985 رواية تاريخية تحت عنوان: القلعة البيضاء، وقد نشرت شهرته في العالم كله، ثم أصدر عام 1990 الكتاب الأسود الذي أصبح إحدى الروايات الأكثر عرضة للنقاش والجدل في تركيا، وربما كان الكتاب المقروء أكثر من غيره في كل الأدب التركي. وفي عام 1995 نشر رائعته: الحياة الجديدة. وقد نالت نجاحاً منقطع النظير في بلاد مصطفى كمال أتاتورك. وفي عام 1998 وصفته جريدة «الإندبندنت» بأنه واحد من أفضل الكتَّاب في العالم.
وأما جريدة «التايمز» اللندنية فقالت عنه أيضاً بأنه الأكثر قدرة على تمثل التيار الأوروبي في الأدب التركي المعاصر. ولكنه رفض لقب فنان الدولة الذي حاولت تركيا أن تخلعه عليه لتكريمه. لماذا؟ لأنه ينتقد الممارسات القمعية لهذه الدولة بالذات ضد الأكراد حالياً والأرمن وسواهم سابقاً، نقول ذلك على الرغم من أنه ليس كردياً وإنما تركي الأصل والقومية.
أما روايته «اسمي أحمر» فقد نالت من الشهرة ما لم تنله أية رواية تركية في الخمسين سنة الأخيرة. وقد بيع منها مئات الآلاف وربما الملايين من النسخ. وحظيت بجائزة دبلن الأدبية الضخمة عام 2003. أما روايته «الثلج» التي تلتها فقد رفعته إلى مصاف كبار أدباء العالم، باختصار فإن هذا الكاتب الشاب ما انفك يحقق النجاح تلو النجاح على مدار العشرين سنة الماضية.
وهو الآن ينشر كتاباً جديداً على هيئة مذكرات تحت عنوان: اسطنبول.. مذكرات مدينة، والواقع أنه يسرد فيه ذكرياته الخاصة عندما كان طفلاً حيث ولد في المدينة العتيقة وعاش في أحيائها العريقة كل عمره. ويبدو أنه ولد في عائلة برجوازية ومحبة للثقافة الفرنسية. وهو يتحدث عن طفولته بنوع من الحنين الممزوج بالحزن العميق.
ويقول بأن أول سمة بمدينته الرائعة هي أنها حزينة على الرغم من كل شيء. ثم يقول أيضاً: بعد أن سقطت الإمبراطورية العثمانية نسي العالم تقريباً أن اسطنبول موجودة! ولم يعد أحد يتذكرها ويهتم بها.
ثم يضيف قائلاً: إن المدينة التي ولدت فيها كانت فقيرة ووسخة ومعزولة. وربما لم تشهد مثل هذه الحالة البائسة طيلة أكثر من ألفي سنة من تاريخها. وكانت بالنسبة لي دائماً هي مدينة الأنقاض والخراب والشاهد الأكبر على سقوط إمبراطورية ضخمة. نعم إن اسطنبول على الرغم من جمالها الساحر كانت مرتبطة في ذهني بالحنين إلى الماضي المجيد الذي لن يعود..
وقد قسم المؤلف كتابه إلى سبعة وثلاثين فصلاً لكي يروي سيرة حياته من خلال مدينة اسطنبول، ولكي يروي قصة اسطنبول ذاتها من خلال سيرة حياته. فوجوده مرتبط بهذه المدينة بشكل عضوي لا ينفصم، من أمتع الفصول نذكر الفصل الأول الذي يحمل العنوان التالي: أورهان آخر، وهو يتحدث فيه عن ولادته وطفولته الأولى.
وفي أثناء الحديث يقول ما يلي: عندما زار الكاتب الفرنسي الشهير فلوبير مدينة اسطنبول في منتصف القرن التاسع عشر أعجب بها أيما إعجاب. وتوقع لها بأن تكون عاصمة العالم بعد مئة سنة من ذلك التاريخ. ولكن للأسف فإن توقعه لم يصدق لأن الإمبراطورية العثمانية انهارت، وفقدت اسطنبول أهميتها تدريجياً.
ثم يردف الكاتب التركي الشهير قائلاً: في شهر أكتوبر من عام 1850 وصل غوستاف فلوبير إلى مدينة اسطنبول مع صديقة مكسيم دو كامب. وكان ذلك بعد سبع سنوات من زيارة جيرار دونيرفال لهذه المدينة الخالدة. وقد مكث فلوبير في عاصمة الإمبراطورية العثمانية خمسة أسابيع. وتجول في أسواقها وحاراتها وأزقتها ماشاء الله له أن يتجول. وكان صديقه يأخذ لها الصور. أما هو فكان يخزن في داخله المشاهد والذكريات لعلها تسعفه في الكتابة لاحقاً.
ينبغي ألا ننسى أن فلوبير كان قد أصيب بمرض السفلس قبل أن يصل إلى اسطنبول، ثم كتب رسالة من أثينا إلى أحد أصدقائه في باريس يقول فيها: ينبغي على المرء أن يبقى في اسطنبول ستة أشهر لكي يتعرف عليها بالفعل.
ويبدو أن الكاتب الفرنسي الكبير جاء إلى اسطنبول مستخدماً المسار نفسه الذي استخدمه من قبله جيرار دونيرفال. فقد زار القاهرة أولاً، ثم القدس، ثم بيروت، وبعدئذ جاء إلى اسطنبول. وهذا مسار كلاسيكي بالنسبة للكتَّاب الأوروبيين عندما يزورون الشرق، وكان فلوبير يزمع الإقامة مدة ثلاثة أشهر في اسطنبول لا خمسة أسابيع فقط.
ولكي يبدو أن هذه المدينة لم تكن مثل الشرق الذي يبحث عنه. ولذلك اختصر زيارته. وهو على عكس اللورد بايرون الذي أعجب بالشرق على الطريقة التركية: أي الشرق الذي يمثله الفارس التركي بسيفه القاطع، وزيه الألباني، ونافذته المطلة على البحر الأزرق.
أما فلوبير فكان يبحث عن الشرق العربي الأكثر بداوة، شرق الصحراء والخيام والجمال.. وهذا النوع من الشرق لم يجده في اسطنبول التي هي المدينة الأكثر أوروبية من بين كل مدن تركيا. ثم يردف باموق قائلاً: من بين كل البلدان التي رآها فلوبير في رحلته الشرقية كانت مصر هي التي سحرته أكثر من غيرها. ولا ريب في أنها أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على كتاباته اللاحقة.
ينبغي ألا ننسى أنه لم يكن يتجاوز التاسعة والعشرين عندما زار الشرق، وبالتالي فمعظم كتبه الأساسية لم تكن قد كتبت بعد. مهما يكن من أمر فإن فلوبير زار مدينة اسطنبول قبل مئة سنة من ولادتي، وتسكع في الشوارع والأزقة نفسها التي أمضيت حياتي فيها. وإذا كنت أتوقف عند زيارة كبار أدباء الغرب لمدينتي الأصلية فإن ذلك ليس على سبيل الانبهار بالغرب، وإنما لأن تركيا لم تكن مستعمرة من قبل القوى الأوروبية كما حصل للشرق عموماً. وبالتالي فإنني استطيع التحدث في سهولة ومن دون أية عقدة نقص عن هذه المسائل.
من أمتع فصول كتابه ذلك الفصل الأخير الذي يتحدث فيه باموق عن أمه. وهو بعنوان: حوار مع أمي. وفيه يقول بما معناه: لسنوات طويلة جداً كانت أمي تجلس في الصالون مساء بانتظار عودة أبي. كانت تنتظر ساعات وساعات. أما والدي فكان يمضي أمسياته في نادي اللعب «البريدج». ومن هناك كان يذهب إلى أماكن أخرى في المدينة لكي يقضي سهرته بمتعة أكبر ولا يعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل. ولكن أمي تكون قد تعبت من الانتظار وملت وذهبت إلى غرفة النوم.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وعندما كبرت قليلاً أصبحت سميرها ومرافقها في السهر في حالة غياب أبي. وكانت سعيدة بحضوري لأنها تستطيع أن تلعب معي بالورق وتنسى الساعات الطويلة للانتظار. وكان أبي دائماً يقول لنا قبل أن يخرج من البيت: لا تنتظروني على العشاء لأني سأعود متأخراً، تعشوا ولا تنتظروني..
وعندما دخلت إلى كلية الفنون الجميلة لكي أصبح رساماً جرت بيني وبين والدتي محاورات حامية عديدة. وكان مما قالته لي: أني أفهم رغبتك في أن تصبح فناناً. ولكن هذا الفن لا يطعم خبزاً. تذكر ذلك جيداً قبل أن تأسف على فعلتك لاحقاً. سوف تتذكر ما أقوله لك يوماً ما: أنت لست في باريس لكي تشبع الخبز من لوحاتك. أنت هنا في اسطنبول حيث لا قيمة كبيرة للفنان. فالناس هنا لا يفهمون الفن يا بني ولا يعرفون قيمته. وبالتالي فلا مستقبل لك في هذا المجال.
وعندئذ قلت لها: ولكن أنظري إلى فلوبير أعظم كاتب فرنسي في وقته. لقد أمضى كل حياته في ضواحي مدينة «روان» حيث كتب مدام بوفاري ورواياته الرائعة الأخرى. وكان يسكن مع أمه على مدار السنوات، ولم يتزوج. وقد كرس حياته كلها للفن، اقصد للكتابة الروائية.
فأجابتني أمي بسرعة: ولكني لا أريدك أن تعيش معي في البيت نفسه إلى الأبد، أريدك أن تكبر وتجد مهنة محترمة وتتزوج ويصير لك أولاد وأزورك لكي أستمتع بمرآهم.. ولكن هل كانت أمه تعرف أنه سيصبح كاتباً شهيراً مثل فلوبير؟ هل كانت تعلم أنه سيصبح فلوبير تركيا؟ هل كانت تعلم أنه سيكتب عن آثار الشرق في الغرب وآثار الغرب في الشرق؟
نقول ذلك ونحن نعلم أنه كرس روايته الشهيرة «اسمي أحمر» بوضوح المواجهة بين الشرق والغرب في نهاية القرن السادس عشر: أي عندما كانت الإمبراطورية العثمانية لاتزال في أوج مجدها. ولكن أورهان باموق ليس فقط روائياً كبيراً وإنما هو أيضاً مفكر سياسي ومناضل من أجل القضايا العادلة. وقد تحمل الكثير بسبب جرأته وانتقاده للحكومة التركية. فقد دافع عن الأرض والأكراد، وبقية الطوائف أو الجماعات التي اضطهدتها الحكومات التركية المتعاقبة على مدار تاريخها الطويل.
ولكنه يعتقد أن الكاتب ينبغي أن يكون ملتزماً بقضايا الناس المظلومين وإلا فإن وظيفته كشاهد على العصر. فهو غير راض عن بلاده لأنها تحاول خنق الحقيقة فيما يخص المجزرة الأرمنية. وقد رفضت الحكومات المتعاقبة حتى الآن أن تعترف بهذه المجزرة التي أودت بحياة أكثر من مليون أرمني عام 1915 بل وحتى قبل ذلك أو بعده.
كما أنه ليس راضياً عن اضطهاد الأقلية الكردية الكبيرة في تركيا. فحقوقها اللغوية والثقافية مهضومة. وقد قمعت الحكومات التركية التمرد الكردي بوحشية هائلة واستباحت القرى والمزارع. وكانت النتيجة ما لا يقل عن عشرات الآلاف من القتلى. وهذا لا يلقي ببلد كبير كتركيا، بلد يرشح نفسه لدخول الاتحاد الأوروبي.
الكتاب: اسطنبول
مذكرات مدينة
الناشر: فابير وفابير ـ لندن 2005
الصفحات: 348 صفحة من القطع الكبير
Istanbul
Memories Of A City
Orhan Pamuk
Faber and Faber - LONDON 2005
P. 348
