مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ الفرنسي الشهير آلان ديكو. وهو صاحب المؤلفات العديدة عن تاريخ فرنسا وشخصياتها، وكذلك شخصيات وأبطال بعض الأمم الأخرى. كما أنه عضو في الأكاديمية الفرنسية. نذكر من بين كتبه السابقة: دانتون وروبسبير (1979)، فيكتور هيغو (1984)، الثورة الفرنسية محكية للأطفال (1988)، قصص خارقة للعادة (1993)، موناكو وأمراؤها (1996)، كان ذلك هو القرن العشرون (أربعة أجزاء، 1996 ـ 1999) الخ..

وفي كتابه الأخير، وبعد ان تجاوز الثمانين، يروي آلان ديكو أهم قصة بالنسبة له: قصة حياته. فقد ولد عام 1925 في شمال فرنسا في عائلة بورجوازية. وعندما بلغ سن الحادية عشرة مرض مرضاً خطيراً واعتقد الأطباء أنه سيموت. ولكنه قرأ قصة اليكسندر دوما: الكونت دي مونت كريستو، فعاش ونسي الموت أو مرّ من جانبه.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبين العاشرة والعشرين من عمره كتب، احدى عشرة مسرحية، ولكنها جميعها لم تر النور. وفي التاسعة عشرة، اصبح رئيس تحرير جريدة للشبيبة. وفي العشرين عاش أول قصة حب في حياته. وفي الثانية والعشرين نشر أول كتاب له. ولكنه في ذات الوقت دخل الى المصح بعد اصابته بمرض السل، وعندما بلغ السادسة والعشرين دشن على الراديو برنامجاً شهيراً باسم: منبر التاريخ.

وقد دام ستا وأربعين سنة! واستمعت إليه كل فرنسا نظراً لطابعه التشويقي والطريقة الرائعة التي رويت فيها قصص تاريخ فرنسا. ومعلوم أن آلان ديكو حكواتي من الطراز الأول. ومن يستمع إليه مرة يجذبه كالمغناطيس اليه فلا يكاد ينساه، و لكن هل حصل ان دام برنامج اذاعي مدة نصف قرن تقريباً؟! شيء عجيب ولا يكاد يصدق. والدليل على ذلك هو ان الان ديكو لا يكاد يصدق ان ذلك قد حصل بالفعل.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وعندما بلغت التاسعة والعشرين من عمري سلموني مسؤولية برنامج تلفزيوني بعنوان: الكاميرا تستكشف العصور والأزمان. وقد رويت فيه قصص الملوك والأبطال في العصور الخوالي. ولقي البرنامج نجاحا منقطع النظير، ودام عشر سنوات.

ثم أوقفوه وهو في أوجه.. وعندما بلغ آلان ديكو الرابعة والأربعين عام 1969 سلموه برنامجاً تاريخياً، آخر على التلفزيون الفرنسي وكان بعنوان: آلان ديكو يحكي.. وقد دام عشرين سنة، واستمعت إليه كل فرنسا، وكانت تحبس أنفاسها كل مساء وهي تستمع لهذا المؤرخ المنقطع النظير وهو يروي بصوته المعروف أهم حكايات التاريخ. وما كان أحد يستطيع أن ينام قبل أن يستمع إلى البرنامج بكليته. كان ذلك حدثاً في تاريخ فرنسا والتلفزيون الفرنسي.

وقد نشر مضمون هذه البرامج لاحقاً في ثمانية وستين مجلداً!.. وفي عام 1976 عينوه استاذاً لعلم التاريخ في الجامعة على الرغم من أنه لا يمتلك الشهادات العلمية التي تخوله لاحتلال هذا المنصب. ولكن شهرته كانت قد طبقت الآفاق وأصبح الرجل أسطورة ولكنه أصيب بذبحة صدرية في العام نفسه، فأجروا له جراحة القلب المفتوح ونجح فيها.

وفي عام 1979 انتخبوه عضواً في الأكاديمية الفرنسية وهو في الرابعة والخمسين من عمره وهذا أكبر تكريم يمكن أن يحظى به كاتب فرنسي منذ أيام فولتير وفيكتور هيغو. ولكنه أصيب عام 1987 بذبحة صدرية ثانية أشد خطراً من الأولى ومع ذلك فقد تجاوز المحنة ولم يمت وأضاف قائلاً: ليس الذنب ذنبي إذ بقيت على قيد الحياة!

وفي أواخر الثمانينات أصبح وزيراً في الحكومة الفرنسية غصباً عنه! وقد فعل المستحيل لكي يتحاشى المنصب لأنه يبعده عن هوايته المفضلة: كتابة التاريخ ولكنه لم يستطع ان يعتذر، أو قل لم يستطع ان يتملص فرئيس الوزراء ميشيل روكار ألح عليه في استلام وزارة الفرانكوفونية لأنه أشهر مؤرخ في فرنسا، وأكبر ضليع في لغتها وتاريخها،

ثم لأنه عضو في الأكاديمية الفرنسية وبالتالي فقد اجتمعت فيه كل الصفات الضرورية لاستلام هذا المنصب الهادف إلى نشر اللغة الفرنسية وكذلك الثقافة الفرنسية في شتى أنحاء العالم كما ويهدف إلى الدفاع عنها في مواجهة الهجمة الانغلوساكسونية.

ثم يتحدث آلان ديكو عن زيارته للبابا من أجل أخذ نصائحه ومشورته بخصوص الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت في أوجها آنذاك ومعلوم ان الجنرال ميشيل عون كان محاصراً في قصر بعبدا تحت وابل من الحمم والقنابل وكذلك كانت المناطق المسيحية تتعرض لقصف شديد

ولذلك طلب الرئيس ميتران من وزرائه أن يقطعوا إجازاتهم الصيفية لكي يذهبوا إلى العواصم العربية من أجل تهدئة الموقف في بيروت وأرسل بعضهم إلى القاهرة، والبعض الآخر إلى عمان أو الرياض وطلبوا من آلان ديكو وزير الفرانكوفونية ان يذهب إلى بيروت بعد مقابلة البابا في مقره الصيفي في إيطاليا.

وعندما دخل على البابا أحس بالخشوع والرهبة ككل مسيحي ووجد البابا في حالة غضب شديد لأن الجماعة الدولية تسكت على ما يجري في لبنان من مجازر تصيب المسيحيين بشكل خاص وقال للوزير الفرنسي: ينبغي أن تفعلوا كل شيء لإيقاف المجزرة.

ثم نهض البابا وانتهت المقابلة خلال نصف ساعة فقط وكان البابا يوحنا بولس الثاني قد ختمها بقوله:

أنا لا أستطيع إلا أن أصلي..

وأما أنتم فعليكم ان تتحملوا مسؤوليتكم كاملة ووعده آلان ديكو بالتحرك في كافة الاتجاهات من أجل ايقاف الحرب الأهلية الدائرة في بلد عزيز على روما وفرنسا والغرب كله لأنه صلة الوصل بين المسيحية والإسلام، أو بين العرب وأوروبا.

ثم قال له البابا: هذه الحرب عبثية ولا معنى لها فالطائفة المسيحية كانت تعيش في وئام وسلام مع المسلمين فلماذا تغيرت الأمور إذن؟ لماذا يقتلون بعضهم بعضاً؟ إنهم ينتمون إلى الشعب نفسه هذه المجزرة ينبغي أن تتوقف، وفي أسرع وقت ممكن.

ثم يروي آلان ديكو بعدئذ قصة رحلته إلى بيروت في ظروف خطرة جداً وقد حطت به الطائرة في قبرص أولاً قبل أن يأخذ القارب لكي يلتحق بالشواطئ اللبنانية ومعلوم أن مطار بيروت كان مقفلاً بسبب الحرب الأهلية.

ثم يروي آلان ديكو بعدئذ قصة رحلته إلى رومانيا بعد سقوط الشيوعية. ويقول بأن ثلث الشعب الروماني يتحدث الفرنسية. وهذا شيء لا يعرفه الكثيرون.

والواقع ان العلاقة بين الشعبين الروماني والفرنسي عاطفية جداً. فرومانيا هي البلد الوحيد الذي يتحدث لغة لاتينية قريبة من الفرنسية في أوروبا الوسطى والشرقية. انها الوحيدة التي لا تنتمي إلى اللغات السلافية.

وهناك استقبله السفير الفرنسي وكبريات الشخصيات الرومانية. وتمت المحادثات بين الطرفين بالفرنسية. وهذا ما أثلج صدر الوزير المسؤول عن الفرانكفونية. وتحدث له المسؤولون الرومانيون عن حاجيات البلاد بعد سقوط الشيوعية. وقالوا له بان الحالة الاقتصادية متدهورة إلى أقصى حد. ونحن بحاجة إلى المساعدة يا سيادة الوزير. ووعدهم آلان ديكو بتقديم كل ما هو ممكن.

ثم قالوا له بان الألمان يرسلون آلاف المبعوثين إلى دول أوروبا الشرقية والوسطى لسد المكان الفارغ الذي خلفه السوفييت وراءهم. فلماذا تبقى فرنسا غائبة عن المسرح. فنحن بحاجة إلى اللغة الفرنسية ونريد تعليمها ونشرها في بلادنا. ولكننا لا نمتلك البنى التحتية اللازمة لذلك. فلا توجد عندنا مبان مدرسية ولا كليات جامعية صالحة لذلك.

ثم قال له السفير الفرنسي في العاصمة بوخارست: ان الأكاديمية الرومانية تريد ان تستقبلك بكامل أعضائها لكي تلقي محاضرة عليهم. وفوجئ آلان ديكو بالطلب، فهو لم يكن في البرنامج الرسمي ثم انه لم يحضر أي شيء ولم يكتب أي محاضرة.

فكيف يمكنه ان يحاضر لكبار علماء ومثقفي رومانيا بدون أي تحضير.

وحاول ان يعتذر، ولكن السفير ألح عليه قائلاً: لقد أخبرتهم بقبولك ولا أستطيع ان أتراجع. فحاول ان ترتجل شفهياً أي موضوع يا فخامة الوزير.. وهذا لا يستعصي عليك وأنت أكبر متحدث في اللغة الفرنسية.

ثم يردف آلان ديكو قائلاً: وطيلة الليل وأنا أحك رأسي لكي أجد موضوعاً أتحدث عنه أمام الأكاديمية الرومانية.

وفجأة لمعت في رأسي الفكرة التالية: لماذا لا أتحدث لهم عن ملحمة الحرية ومسارها في أوروبا منذ الثورة الفرنسية عام 1789 وفي سقوط الشيوعية عام 1989: أي طيلة مئتي سنة! وكانت فكرة مناسبة جداً لأنهم كانوا قد حصلوا على حريتهم للتو بعد طول نضال وصراع.

ثم يختم آلان ديكو كلامه قائلاً: وفي الصباح الباكر عندما توجهت إلى الأكاديمية الرومانية استقبلني أعضاؤها وقوفاً. ثم ألقيت محاضرتي وتحدثت عن نضال الشعب الفرنسي والإيطالي والألماني والاسباني.. إلخ، لنيل حريتهم. وشرحت لهم مدى صعوبة التوصل إلى الحرية، وكيف ان ذلك لا يحصل إلا بعد مخاض عسير ونضالات هائلة. ثم تمنيت لهم وللشعب الروماني حظاً سعيداً بالحرية.

وعندما أنهيت كلامي وجدت الدموع تنسال على خدود الكثيرين منهم. وبذلت جهداً كبيراً لكيلا تسيل دموعي.

الكتاب: كل الشخصيات المذكورة

حقيقية مذكرات

الناشر: بيران ـ باريس 2005

الصفحات: صفحة من القطع الكبير

Tous les personnages sont vrais

Memoires

Alain Decaux

Perrin - paris 2005

p. 585