مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والصحافي توم برينتايس المختص بتاريخ اسبانيا. ويقدم المؤلف في هذا الكتاب الجديد لمحة عامة عن هذا البلد العريق منذ أقدم العصور وحتى اليوم، والكتاب يتخذ الطابع التاريخي والسياحي في آنٍ معاً.

ومنذ البداية يقول بما معناه: إن اسبانيا بلد يقع جنوب غرب أوروبا. وهو يستقبل عشرات الملايين من السياح كل عام، وذلك نظراً لجمال طبيعته واعتدال مناخه وامتلاكه شواطئ طويلة على البحر الأبيض المتوسط. واسبانيا مفصولة عن فرنسا بجبال عالية شهيرة تدعى جبال البيرينيه. كما تمتلك حدوداً برية طويلة مع البرتغال.

وجبل طارق هو الذي يفصل بينها وبين المغرب، أي أفريقيا. أما الشمال الغربي لاسبانيا فيقع على المحيط الأطلسي وهكذا نلاحظ أن اسبانيا واقعة على بحرين لا بحر واحد.

ثم يستعرض المؤلف التاريخ القديم لاسبانيا ويقول: في القرن التاسع قبل الميلاد غزاها الفينيقيون واليونانيون وسواهم وأقاموا مكاتب صرافة في موانئها المتوسطية. ثم غزاها الرومان في القرن الثاني قبل الميلاد.

ولهذا فإن لغتهم الأساسية ودينهم وقوانينهم آتية من جهة الرومان ثم غزاها الفانداليون في القرن الخامس بعد الميلاد وبعدئذ فتحها العرب المسلمون القادمون من جهة شمال أفريقيا عام 711م.

وهنا يتوقف المؤلف عند العصر الذهبي لأسبانيا الإسلامية، وما يدعى بالأندلس ويقول: هذه هي التسمية التي اختارها العرب لذلك الجزء الذي احتلوه من اسبانيا وقد كان فتح العرب للبلاد مباغتاً وسريعاً بشكل مدهش ثم أسسوا هناك خلافة قرطبة التي ازدهرت فيها العلوم والآداب والفنون بين عامي 750929م.

ثم جاء بعدها عصر ملوك الطوائف الذي استمر من عام 1039 إلى عام 1094م. وبعدئذ جاءت سلالة الموحدين من المغرب الأقصى للسيطرة على اسبانيا وإلحاقها بالمغرب.

وقد استمرت من عام 1147 إلى عام 1212. ثم تلتها مملكة غرناطة التي كانت آخر مملكة للعرب في الأندلس. وبسقوطها عام 1492 سقط آخر حكم لهم هناك وبعدها لم تقم قائمة للمسلمين في تلك البلاد التي أخذ المسيحيون يستعيدونها كلها.

ويعترف المؤلف بأن العرب قدموا لاسبانيا أشياء كثيرة في مجال التقنيات الزراعية والاقتصادية وقد استمرت الأندلس العربية مدة ثمانية قرون، ووصلت اسبانيا آنذاك إلى ذروة المجد والحضارة على جميع الأصعدة والمستويات.

ومعلوم أن الفلسفة العربية ازدهرت هناك على يد ابن الطفيل وابن رشد وابن باجة وقد شكل المسيحيون مدارس لترجمة كتبهم إلى اللاتينية بعد استعادة اسبانيا من أيدي العرب.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد أصبحت اسبانيا في القرن السادس عشر أعظم قوة في أوروبا بفضل اكتشافها لأميركا وجلب الذهب بكميات كبيرة من هناك ولكن عظمة اسبانيا سرعان ما أصيبت بجرثومة الانحطاط بسبب الحروب المكلفة التي خاضتها ضد الخارج ثم بسبب الحروب الأهلية في الداخل.

وفي القرن الثامن عشر حصلت صدامات بين العائلات الطامحة إلى عرش اسبانيا، وقد أضعفتها هذه الصدامات والنزاعات الداخلية كثيراً وفي بداية القرن التاسع عشر غزا نابليون بونابرت اسبانيا وهذا الحضور الأجنبي أدى إلى اندلاع الثورات في البلاد.

وفي القرن التاسع عشر فقدت اسبانيا معظم مستعمراتها مثل كوبا، والفلبين، وبورتوريكو ... الخ. وكان ذلك بعد هزيمتها في الحرب التي خاضتها مع الولايات المتحدة.

ثم انعزلت اسبانيا بعد عام 1898 عن بقية أوروبا ودخلت في نوع من التخلف الزراعي والصناعي والعلمي والفكري وأصبحت هي في جهة، وبقية أوروبا المتقدمة في جهة أخرى وفي بدايات القرن العشرين كان واضحاً أن قطار الحضارة قد سبقها كثيراً ثم دخلت في حرب أهلية مرعبة بدءاً من عام 1936 وانتهت بانتصار الجنرال فرانكو واليمين الاسباني.

ولم تلحق اسبانيا بركب الحضارة الأوروبية إلا بعد موت فرانكو عام 1975، ثم بالأخص بعد دخولها الاتحاد الأوروبي عام 1986. عندئذ انتصر النظام الديمقراطي فيها كلياً وهزمت التيارات الفاشية والأصولية المتخلفة واستطاعت اسبانيا أن تحقق في ربع قرن ما حققته البلدان الأخرى في قرن أو أكثر.

وهي الآن عبارة عن نظام ملكي دستوري من الناحية السياسية. فالملك ذو سلطات رمزية فقط بمعنى أنه يشكل هيبة عليا لكي تتوحد الأمة حول شخصه والملك الحالي هو خوان كارلوس وقد استطاع إنقاذ اسبانيا عندما حاول بعض الضباط اليمينيين القيام بانقلاب عسكري ضد الحكم الديمقراطي.

وأما صاحب السلطة الفعلية فهو رئيس الحكومة الذي ينتخب عادة لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد. ورئيس الحكومة الحالي هو الزعيم الاشتراكي ثباتيرو الذي خلف خوسيه ماريا أزنار على رأس السلطة التنفيذية للبلاد. وكان رئيساً للحزب اليميني في البلاد.

والبرلمان الاسباني مشكل من 350 نائباً ينتخبون من قبل الشعب لمدة أربع سنوات. واسبانيا مشكلة من أربع عشرة جماعة حضرية ذات استقلال ذاتي.

وهذا يعني أن البلاد ليست مركزية بشكل ضيق وإنما تعطي الكثير من الاستقلالية الذاتية للمناطق والأقاليم المختلفة. بالطبع فإن العاصمة تظل هي مدريد بالنسبة للجميع. ولكنها لا تتدخل في شؤون المناطق إلا إذا اقتضت الحاجة ذلك. فأهل مكة أدرى بشعابها.

وقد اتخذت اسبانيا مؤخراً موقفاً مضاداً لموقف حكومة أزنار السابقة من حرب العراق. فسحبت قواتها من هناك ولم تعد تتبع السياسة الأميركية بشكل أعمى. ولكنها في ذات الوقت قوت من عزمها على محاربة الإرهاب بعد ضربة مدريد المؤلمة جداً في 11 مارس 2004.

فملاحقة المتطرفين والمتشددين أصبحت على قدم وساق. والواقع أن الضربة آلمتها كثيراً لأنها أدت إلى سقوط مئتي قتيل ومئات الجرحى الآخرين.

وفي ذات الوقت نلاحظ أن رئيس الوزراء الاشتراكي الجديد اتبع سياسة التقارب مع العالم العربي والقوى التقدمية والإنسانية فيه. وهو يعتقد بإمكانية حوار الحضارات لا صدامها على عكس صقور واشنطن وصموئيل هنتنغتون.

ويتميز رئيس الوزراء ثباتيرو بنزعة إنسانية عالية وبثقافة واسعة وبرغبة في مد جسور التواصل بين اسبانيا والمغرب العربي بشكل خاص ثم العالم العربي والإسلامي ككل بشكل عام.

وأما فيما يخص الناحية السياسية فيقول المؤلف بأن اسبانيا أصبحت بلداً سياحياً من الدرجة الأولى في السنوات العشر الماضية على الأقل. بل وتفوقت على فرنسا من هذه الناحية.

ومعلوم أن فرنسا كانت تستقبل أحياناً من السياح أكثر من عدد سكانها. ففي العام الماضي مثلاً زارها اثنان وستون مليون سائح، هذا في حين أن عدد سكانها لا يتجاوز الستين مليون نسمة.وهذا حظ كبير للبلاد لأنه يدخل إليها العملة الصعبة من الخارج. فكل سائح مهما كان متواضعاً يصرف مبلغاً من المال أثناء إقامته.

وتستفيد التجارة وكل مرافق البلاد من ذلك. وكلما زاد العدد زاد الربح. فما بالك باثنين وستين مليون سائح؟! وأما فيما يخص اسبانيا فيقال بأن عدد زوارها تجاوز الثمانين مليوناً في إحدى السنوات!! وهذا أكبر من عدد سكانها بمعدل الضعف. فسكان اسبانيا لا يتجاوزون الأربعين مليوناً إلا قليلاً.

وبالتالي فقد أصبحت صناعة السياحة هي المصدر الرئيسي للدخل في البلاد. وشواطئ اسبانيا مشهورة، ومناظرها الطبيعية خلابة وساحرة كما قلنا.

وقد أصبحت «ماربيا» منتجعاً سياحياً لكبار أثرياء العالم. وربما تفوقت على الشاطئ اللازوردي الفرنسي أو على الريفييرا الإيطالية. وهناك يصرف الأغنياء فلوسهم بالملايين. ومن بينهم أغنياء العرب بالطبع.

ومن أجمل أقاليم اسبانيا إقليم الأندلس. ويمكن للسائح أن يصل إليه بالطائرة عن طريق مطار «مالاغا». ومن هناك يتوجه نحو مدينة صغيرة تدعى «أنتيكيرا». وهي مدينة ذات بنايات بيضاء ويبلغ عدد سكانها أربعين ألف نسمة.

ومن انتيكيرا يتوجه إلى غرناطة التي تبعد عنها مسافة 85كم فقط. ويبلغ عدد سكانها مئتين وخمسين ألف نسمة. وهي مدينة مشهورة بجامعتها وأجوائها الثقافية والفنية الراقية.

وبإمكان السائح أن يزور هناك قصر الحمراء الشهير الذي يشهد على عظمة الحضارة العربية ـ الإسلامية في الأندلس. وهو يقع على هضبة مليئة بالغابات والأشجار ويطل على كل المنطقة. إنه لمنظر رائع وساحر حقاً، وينبغي أن يزوره الإنسان ولو لمرة واحدة في حياته.

وبعد غرناطة يمكن للإنسان أن يزور قرطبة عاصمة الحضارة الأندلسية ومركز مجدها. وهي تبعد مسافة 175كم عن غرناطة. ويمكن للباص أن يقطعها في ساعتين ونصف. وعندما يصل المرء إلى غرناطة تبهره عمارتها وآثارها وغناها الفني العريق وجمالها.

ومن قرطبة يمكن للمرء أن يتوجه إلى أشبيلية عاصمة إقليم الأندلس حالياً ورابع أكبر مدينة في اسبانيا. فعدد سكانها يتجاوز السبعمئة ألف نسمة.

وهذا يعني أن نصف سكان إقليم الأندلس يعيشون فيها. وهي تقع في منطقة زراعية غنية جداً بالحبوب والمحاصيل والقطن والخضروات والرز وكروم العنب. فزوروا أشبيلية أيها السادة زوروها!حقاً إن إقليم الأندلس هو جوهرة اسبانيا. ومن يزره يستمتع بحضارات الماضي والحاضر على حد سواء.

الكتاب: اسبانيا

الناشر: بنغوين بوكس ـ لندن 2005

الصفحات: 672 صفحة من القطع المتوسط

SPAIN

TOM PRENTICE

PENGUIN BOOKS - LONDON 2005