في رواية «المئذنة»، تتأرجح البطلة نجوى، الشخصية الرئيسية بين مكانين رئيسيين، الخرطوم ولندن، كذلك تتأرجح بين مشاعر كثيرة وذكريات تتوزع على جغرافيا غير متجانسة.
وفي كل من هاتين المحطتين لا يمكن إلا الجزم بأنها تعيش خارج إطار المكان. هنا تقدم الروائية السودانية المغتربة ليلى أبو العلا نموذجاً إضافياً واستثنائياً، ينضم إلى تلك النماذج التي عودتنا على تقديمها أقلام العديد من الكتاب العرب المهاجرين، من أوروبا وأميركا على وجه الخصوص، عند مناقشتها قضايا شخصيات تعاني من التمزق بسبب وقوعها تحت وطأة البحث عن هوية.
المئذنة، ثالث رواية للكاتبة بعد «المترجمة»، و«ألوان الطيف» يضاف إلى ذلك قصة «المتحف» التي فازت بجائزة كاين 2000 للإبداع الأفريقي.
تعالج هذه الرواية على نحو يتميز بالسلاسة وعدم التشنج مأساة بطلتها نجوى وهي امرأة أربعينية تعاني من الإحباط الشديد بسبب ما تتعرض له من صدمات، ربما كانت أهمها صدمة تنقلها بين الخرطوم ولندن حيث تنجح ليلى أبو العلا في حملنا للوقوف على تراجيديا إنسانية معاصرة وشاملة.
تبدأ أحداث الرواية بالعودة زمنياً إلى الوراء، إلى حقبة الثمانينيات، في الخرطوم، حيث تعيش نجوى وتنتمي إلى طبقة النخبة السياسية باعتبارها ابنة مسؤول سياسي مهم، مقرب إلى الرئيس. تمارس بطلة المئذنة، وهي طالبة جامعية، سلوكاً حياتياً يومياً مستوحى من علاقتها القوية بالغرب، لندن.
حيث تمضي إجازاتها الصيفية ثم تعود إلى بلادها لتنقطع علاقتها بالواقع المحلي. في الجامعة ترتبط بعلاقة حب بأحد زملائها، أنور، ومن خلال هذه العلاقة يكتشف القارئ جزءاً من شخصيته الراديكالية التي تزدري كل شيء بما في ذلك ممارسات حبيبته نجوى وممارسات أبيها السياسية التي يوجه لها انتقادات لاذعة في خطبه.
في انقلاب مفاجئ يلقى القبض على والد نجوى ثم ينتهي الأمر بإعدامه وفي هذه الأثناء تلوذ أسرته بالفرار إلى المنفى «لندن» لكي يشعر القارئ بأن المؤلفة تسدل الستار على مرحلة زمنية لن تعود إليها هذه الشخصية إلا في خيالها.
في لندن تقدم المؤلفة الجزء الثاني المهم من حياة بطلتها حيث يمكن اعتباره كذلك لأنها تبدو كمن يقف على مفترق طرق إضافة إلى أن هذه الجزئية تبدو مشحونة بكم أكبر من الصراع والعلاقة الموضوعية بالحياة على الرغم من تناقضاتها.
في دراما عائلية سريعة تنقل لنا ليلى صورة محزنة عن حياة الأسرة في المنفى. وتحت وطأة الشعور بالقهر تفقد نجوى أخيها الذي يزج به في السجن بعد سلسلة من المشكلات السلوكية من بينها الإدمان والمشاجرات .
ومنها مشاجرته الأخيرة مع رجال الشرطة. خلال فترة زمنية قياسية أيضاً تموت أمها التي كانت تصارع المرض لتجد نفسها وحيدة منقطعة الصلة عاجزة عن القيام بأي شيء سوى التفكير في الخلاص «لقد سقطت في هذا العالم. تزحلقت حتى وصلت إلى مكان ضيق تحت سقف منخفض لا يسمح بحرية الحركة».
في بداية رحلتها الصعبة تعمل نجوى خادمة ومربية لدى أسرة عربية مقيمة في لندن. في هذه الأثناء تأتي علاقتها بمستخدمتها كمنعطف طرق. فبينما هي في بيتها، تستحضر ذكرياتها في بلادها الأصلية تتقاطع هذه الحالة مع حالة الحب التي تعيشها مع شقيق هذه المرأة. هنا تقدم المؤلفة مقارنة جميلة بين شخصيتي تامر حبيبها الحالي وأنور حبيبها السابق.
أنور كان يختلف معها بشكل راديكالي على الرغم من حبه لمظهرها الخارجي، هي وتامر يتفقان في الكثير من التوجهات الفكرية والحياتية. والحقيقة أن هذا الصراع الثقافي الحضاري يبدأ في حياة نجوى قبل وصولها إلى لندن.
ففي الخرطوم كان التقاطع بينها وبين الآخرين واضحاً. ثمة شعور بحالة من الاغتراب كان يلوح في الأفق. إذ أن الأمر لا يتعلق بخطيبها أنور المثقف اليساري وحده بل يتعدى ذلك ليشمل مجتمعاً بأكمله لم تكن تربطها به علاقة حميمية باعتبار أنها كانت قد وقعت تحت سيطرة الانبهار بالثقافة الغربية في كل تفاصيل حياتها.
أما استحضارها لذكريات حبها السابق فهذه واحدة من الاسترجاعات الكثيرة التي تقدمها لنا ليلى أبو العلا بجمالية ووصف رائعين، ولغة لا يمكن تجاهلها سواء في بنائها أو في قدرتها على الإمساك بالمضمون، حيث يسبقها استرجاع لشخصيات وأماكن وأحداث سياسية مهمة عاصرتها بطلتها في خرطوم الثمانينات.
في أعمالها تهتم ليلى بمناقشة قضيتين مهمتين. قضية المرأة المسلمة المهاجرة إلى الغرب. وقضية الإنسان المغترب بوجه عام وإشكاليتها الحضارية. باعتبارهما تجربتين أحدهما لكل منهما ملمس خاص. وبشيء من الحذر تطل على كل منهما. الإطلالة على التجربتين تأتي في كل واحدة من روايتيها «المترجمة» .
حيث بطلة الرواية سمر و«المئذنة»، نجوى، كل منهما تعيش في المنفى ثم تكتشف نفسها وتختبرها. هاتان الحياتان على الرغم من أنهما قد تتداخلان في ذهن القارئ باعتبار ان حياة كل بطلات ليلى أبو العلا تبدو متشابهة بالنظر إلى إشكالية الهوية والرغبة في الخلاص التي لا تتحقق إلا من خلال الدين.
إلا ان عدم التجزئية هذا يقابله نوع من الاختلاف في ذهن ليلى أبو العلا التي تعيش في قلب التجربة وتوافينا بتفاصيلها وهي تقف على أرض الواقع مؤكدة أنهما لا تمتزجان مع بعضهما إلى حد ضياع ملامح كل منهما في الأخرى.
وأن لكل واحدة منهما وجهها الخاص الواضح. حيث مقابل السذاجة التي تبدو على ملامح بطلة المترجمة تظهر نجوى في رواية «المئذنة» أكثر صلابة ورغبة في التخلص من صدمتها، صدمة المفاجأة بوجودها في مكان مختلف بكل المقاييس.
والإصرار على التمسك بهويتها الدينية. كما أن ليلى تبدو هنا أكثر تعاطفاً مع نجوى التي تصحح نفسها في النهاية، كما يظهر من قصة الحب التي تربطها بتامر. أما قضية الإنسان المغترب فهي تركز على معالجة قضية الانتماء. بمعنى الرغبة في الانتماء إلى المجتمع، مجتمع المنفى، الذي يعيش فيه وليس المجتمع الذي خرج منه بالتأكيد.
غير أن ما يطفو على السطح هو المعاناة من الحياة فيما يشبه المنفى بداخل المنفى. هنا تجسد معاناة نجوى مثالاً حياً.فبينما كانت تعيش في قلب حياتها الأولى في الخرطوم، ها هي الآن تعيش على هامش حياتها الثانية في لندن.هذا هو وضع بطلة رواية «المئذنة» التي تفيض عباراتها بمشاعر الاغتراب والعزلة والرغبة في التخلص من مأزقها تقول «لقد هبطت إلى جوف هذا العالم.
انزلقت تحت سقف منخفض في مكان ضيق لا يسمح بحرية الحركة».إن هذا المكان الذي يشكل إطار المأزق الجغرافي والنفسي والثقافي يحتوي في داخله على تفاصيل تستحق التأمل حيث تعاني نجوى من انعدام فرص الحوار مع الآخر، لا احتكاك حقيقياً، لا صراع واضح المعالم، لا انتماء بمعنى الكلمة، وبدلاً من ذلك يلتقط القارئ جواً مشحوناً بالتقاطعات.
التقاطع العقائدي، التقاطع بين الثقافات والعزلة. وها هي امرأة في حالة انتظار لما يخبأه القدر لا تملك شيئاً سوى انفعالاتها. الكثير من هذه الانفعالات، التآسي على الماضي، الإحباط الناجم عن الفقد، فقد الوطن الأصلي، فقد المكانة الاجتماعية، فقد أفراد أسرتها وآخرهم أمها.
النقمة على الحياة التي هبطت لكي تصبح في قاعها. ثم الخوف مما يخبئه المستقبل، والحلم بالخلاص.ثم الاقتناع في النهاية بأن الوطن الأصلي لم تعد له ذات الأهمية وهذه ورطة أساسية.
شهدت السنوات الأخيرة من عمر الرواية (على مستوى العالم) تغيرات مهمة أولها ولادة نوع أدبي (فريد) على يد كتاب عرب وآسيويين وأفارقة مغتربين، الذين يكتبون باللغات الإنجليزية والفرنسية على وجه الخصوص. وعلى الرغم مما يوجه إلى هذا النوع من الكتابة من انتقادات تتعلق بافتقاده الهوية إلا أن ثمة ما يشير إلى هوية إنسانية شاملة تقف كوسيط بين أكثر من ثقافة.
ولو جاز لنا أن نسميه بالأدب (بالإبداع المهجن) فإن الإعجاب به سيكون هو ما ينبغي قوله هنا على الرغم من بعض التحفظات على كتابات معينة يبدو أصحابها للقارئ كما لو انهم متطفلون ! من بين الكتاب الذين يشاد بهم من الذين يطرحون تجاربهم الشخصية والتجربة الإنسانية بوجه عام الكتاب المسلمون الذين يعيشون في الغرب.
الواقع أن أصوات هؤلاء الكتاب لا تبدو على الإطلاق متشنجة أو متوغلة في صراعات وفلسفات سياسية وأخلاقية صعبة يبدون بعيدين عنها ولكنها تتمحور كلها حول الرغبة في وضع حد لحالة اللا إنتماء التي يعيشها هؤلاء في بلدانهم (بلدان المهجر). وهو أمر واقعي باعتبار أن ما ينقصهم هو هوية المكان الذي ينتمون إليه.
إن ليلى أبو العلا كما تقول محررة الغارديان «تمتلك العالم بين أناملها» ويضاف إلى ذلك قدرتها على تحريكه وإعادة رسمه بالكيفية التي تراها معبرة عن نفسها وعن الآخرين.
غير أن ما يهم القارئ أكثر من أي شئ آخر هو اكتشافها أو كشفها عن ذاتها على نحو شديد الوضوح.
حقائق عن ليلى أبو العلا
ليلى أبو العلا روائية سودانية مهاجرة ولدت في الخرطوم عام 1964 وتعيش في بريطانيا، مولودة لأب سوداني وأم مصرية، عملت أستاذة جامعية. تلقت تعليمها الأساسي في مدارس أميركية خاصة، والعالي (شهادة الدكتوراه) في بريطانيا. تنقلت بين السودان وبين العديد من الدول منها مصر وإندونيسيا والإمارات ثم بريطانيا.
بالإضافة إلى حياتها في بريطانيا تعرف ليلى أبو العلا في الأوساط الثقافية الأفريقية، وتحديداً لدى كتاب ومؤسسات مثل جائزة الإبداع الأفريقي التي فازت بأول جائزة لها بعد تأسيسها عن قصة «المتحف». كما رشحت روايتها «المترجمة» 2001 للحصول على جائزة أورانج للإبداع الروائي النسائي.
تتميز أعمالها الروائية بتسليطها الضوء على حياة المهاجرين إلى الغرب والتركيز على المأزق الذي يواجه المرأة المسلمة المغتربة.
رواية «المئذنة» بلومزبري 2005 آخر أعمالها الروائية.
من أعمالها الروائية «ألوان الطيف» 2001.
حائزة على العديد من الجوائز الإبداعية. أعمالها مترجمة إلى العربية.
الكتاب: المئذنة
تأليف: ليلى أبو العلا
الناشر: دار بلومزبري ـ لندن 2005
الصفحات: 288 صفحة من القطع المتوسط
Minaret
Leila Aboulela
Bloomsbury - London 2005