يمكن للقاريء التعرف على عالم الروائية البريطانية هيلاري مانتيل الأدبي من خلال ما وصفها به الناقد غابرييل أنان في ملحق مراجعة الكتب «ذا نيويورك ريفيو أوف بوكس»، «تشترك مانتيل مع الأديب الكبير غراهام غرين في العديد من النقاط.
فهي أكثر من تفوق في كتابة الكوميديا السوداء، وتستطيع أن تجعل القاريء يقشعر من الرعب وعلى الأخص في المواقف التي يتصاعد التوتر والقلق فيها، وغالباً ما تنشد شخصياتها الخلاص، وتعمد في بعض الأحيان إلى تصويرها من خلال إحدى الشخصيات التي تشابه في صفاتها رجل الدين».
ولا أدل على إبداعها وتميزها ككاتبة من حصدها للعديد من الجوائز في بريطانيا. ويذكر النقاد بأن مانتيل تعتبر الرائدة بين معاصريها من الكتاب في تناولها لمواضيع مختلفة الأجواء والبيئة، ابتداء من التاريخ من خلال روايتها «مكان أكثر أمناً» وتتناول فيها تاريخ الثورة الفرنسية،
حيث تصف أماكن بعيدة كل البعد عما اعتاد السواح ارتيادها، لتنتقل بروايتها «تغير في الجو» إلى جنوب افريقيا، لتصل إلى المملكة العربية السعودية من خلال روايتها «ثمانية أشهر في شارع غزة»، ولتتحول بعدها إلى مواضيع الجريمة والسياسة والواقع الاجتماعي في كل من روايتها الأولى «كل يوم هو عيد الأم» والثانية «حيازة الفراغ».وتتمثل قوة مانتيل في أسلوبها، الذي تسيطر عليه منذ بداية الرواية وحتى نهايتها،
وفي كل كتاب من كتبها، يتجلى إبداعها في صياغة الجمل التي تبقى في الذاكرة والتي تلخص ببراعة ودقة واختصار صفة إحدى الشخصيات أو المواقف. كما تتميز بوصفها للمكان، على الرغم من كونها من بيئة مختلفة وزمن آخر.
وتتجلى في كتبها الكوميديا وروح الدعابة إلى جانب الشر والسوداوية، كما تحكي عن واقع الحياة بعيدا عن المجاملة والتصنع، مما يجعل كتبها كئيبة أو ثقيلة الوطأة بالنسبة لبعض القراء. وشخصياتها غالباً ما تتخبط في مسارها، ومعظمهم يتقبل قدره. وما يثير الدهشة قلة الحواجز التي تحد من العدالة الإنسانية في الحياة، وربما هو الجانب الوحيد في كتبها الذي لا يبدو واقعيا بصدق.
قدمت مانتيل في روايتها الأخيرة «ما وراء السواد» عملاً استثنائياً، حيث اختارت لحبكتها موقعا أثيريا في منتصف المسافة الفاصلة بين الفردوس والجحيم، بين الأحياء والأموات. كما اعتمدت على اللحظات التي تكمن بين الصحوة والنوم، حيث يصعب علينا أن ندرك من نحن، ولماذا، لتحولها إلى رواية تجعل من اللامعقول معقولاً.
فهي تقدم عالما بديلا بصورة منطقية مقنعة، وتستغل مهارتها غير العادية في الوصف التي لا يضاهيها فيها إلا جراهام جرين في رواياته الأولى، مثل «العميل السري» و«صخرة برايتون».
وتقدم في الرواية شخصيات بعضها من عالم الأموات والبعض الآخر في المسافة الفاصلة ما بين الموت والحياة ممن كانوا يتبنون الشر في حياتهم، إلى جانب شخصيات بالكاد تنتمي إلى عالم الأحياء، وإن كانت تدعي بأنها من الأحياء. وهذه الشخصيات تبرز من خلال الصفحات، قوية وحيوية لكأنها تعيش أو تحتضر في الباب المجاور لنا. وبعد أن تزود القاريء بتلك المرجعية،
يمكنه دخول عوالم رواية «ما وراء السواد» التي تتحدث فيها المؤلفة عن الروحانيات على خلفية مدروسة لواقع بريطانيا المتدهور سواء على صعيد البيئة والتلوث الذي سمم الأرض بالاشعاعات والنفايات السامة التي تصرف في مجاري المياه المستخدمة من قبل الإنسان، أو على صعيد الواقع السياسي والإرهاب. تلك هي بريطانيا في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الجديد الذي تبني عليها مانتيل روايتها».
وتحكي الرواية قصة أليسون، وهي وسيطة روحانية من الريف في الخمسينات من عمرها، ومساعدتها كوليت البراغماتية، ذات العقل المدبر. يتمثل عمل أليسون في اتصالها بالأموات ونقل رسائلهم إلى الحاضرين الأحياء الذين يتجمعون حولها في المراكز أو في قاعات الكنيسة بعدما شاهدوا ملصقاتها الإعلانية، مع حرصها على تجاهل أي معلومات يمكن أن تجرح مشاعر السائلين مع إصرارها على تفادي ذكر كلمة الموت أمامهم.
وأليسون عانس بدينة ذات فكر محدود أقرب إلى السذاجة، تسكنها الهواجس المرتبطة بالعنف الذي تعرضت له في طفولتها، حيث تستمر الأصوات طويلاً في رأسها بعد انتهائها من العروض. وفي المساء تذهب إلى سريرها مع كوب من الحليب آملة في النوم، إلا أنها تدرك بعد مضي زمن قصير بأن النوم سيجافيها، فتنهض والعرق يتقطر منها لتبدأ بالبحث عن شيء تأكله.
وقد ورثت موهبتها من جدتها إيمي. ومن المواقف الطريفة التي تضمنتها الرواية، حديث أليسون عن والدتها غلوريا التي لم تكن لها أية معرفة بطهي الطعام، وإن كانت إحدى الأرواح تملي عليها الوصفات. وكثيراً ما كانت الأرواح تسخر من والدتها باعطائها وصفات غير صحيحة، تكون نتيجتها سيئة تماماً. أما كوليت فهي إنسانة تفتقد إلى الحساسية وتهتم بالشؤون الأرضية، مثل الضرائب والميكروفونات وشراء الطعام خلال إقامتهم في سلسلة من الفنادق الرخيصة خلال تجولهم في ضواحي لندن.
تبرع مانتيل في رسم هاتين الشخصيتين المتناقضتين اللتين تربطهما صداقة قوية، فكل منهما تعتمد على الأخرى، فأليسون الضعيفة تكملها قوة كوليت وصلابتها، وعمل أليسون يوفر لكوليت مهمة جديدة في الحياة، بعد علاقتها الفاشلة مع زوجها التي اضطرتها إلى هجره والعمل مع أليسون.
ولا يتمثل أفضل ما في الرواية في أليسون، على الرغم من أنها رسمت بمهارة، بل بتلك المساحة المخادعة التي تكمن في ما وراء السواد والتي تمثل بريطانيا الوسطى. تلك المساحة الفارغة المفصولة، التي تهيمن على الذات بصورة قاتلة.
وبطل تلك المساحة الغامضة هو الدليل الروحي لأليسون ويدعى موريس، وتصفه أليسون بكونه شخصية سيئة متبجحة تحب الاستعراض والسوء.
كان موريس في حياته من الأفراد الذين كان يترددون على منزل والدتها التي كانت تعمل كغانية والتي قتلت في ظروف غامضة. وهو لا يمل من تعذيب أليسون بعد موته كما كان يفعل خلال حياته، مستخدما كافة أساليب العنف وسوء التصرف، ولتعزيز ذلك يدعو أفراد العصابة الذين كانوا يخيفون أليسون في طفولتها بعد أن اغتصبوها، للانضمام إليه بعد انتقالهم إلى عالم الأموات.
كانت عصبة الأشرار هذه ترافقها في حلها وترحالها وتجلس معها في السيارة في المقعد الخلفي، وإن لم تستطع كوليت رؤيتهم، إلا أنها كانت تدرك وجودهم من بعض أفعال العنف التي كانوا يرتكبونها بين الحين والآخر سواء في المنزل أو في الخارج.
وتتجلى روح الكوميديا السوداء في رسم مانتيل لهذا العالم، فبعض الأموات يحبون الكذب أيضا، ويزودون أليسون بمعلومات زائفة فيما يتعلق بالأسئلة التي يطرحها عليها الأحياء، ويسكنهم أيضا رغبة حب الظهور والاستعراض.
وحينما تفشل كوليت في تنظيم العمل لتحقيق دخل مادي، تفكر في حل آخر، وهو كتابة قصة أليسون كوسيط روحي، وهكذا تبدأ أليسون برواية قصتها في حين تسجل كوليت الحوار على آلة تسجيل، وعلى الرغم من أن هذا السرد ينهك قوى أليسون، إلا أنها تصر على المتابعة وذلك بسبب إصرارها على إنهاء الوضع الذي هي فيه بأية صورة كانت.
فموريس وأتباعه يطاردونها ليلاً ونهاراً، وعلى الرغم من أنها تنجح أحياناً في أسر موريس في صندوق مما يمنحها الراحة لمدة من الزمن، إلا أن موريس عاجلا أم آجلا يتمكن من تحرير نفسه ليعود إلى سيرته الأولى.
وحينما تستعد كوليت لتدوين ما سجل في الجهاز، تكتشف الاثنتان بأن الكلام قد تم محيه لتسمعا ذبذبات صوتية وضجيج، وبعد تكرار المحاولة مرات عدة، تدركان بأن موريس خلف تلك المكيدة، وقد هدد أليسون بشأن كتابة قصتها. إلا أن أليسون التي يستنزفها الصراع تزداد إصرارا على وضع حد لهذه المعاناة بأية صورة كانت.
وحينما تقرران الانتقال من البيت القديم إلى منزل جديد في منطقة سكنية حديثة لم يسكنه أحد من قبل، يبدأ التحول حيث تتضاءل أصوات الأرواح في رأس أليسون ومع مضي الوقت، وتكتشف أخيرا الوسيلة التي تمكنها من التحرر من موريس وأتباعه والخلاص من لعنة الماضي المتمثل في ما وراء السواد، وذلك في الباحة الخلفية للمنزل الجديد.
موريس المحبط
كانت أليسون عبقرية في وضع المساحيق، تمتلك علبا ممتلئة بالمساحيق وتستخدمها جميعا. تحملها في أكياس بلاستيكية يمكن غسلها، وفي العلب أماكن مخصصة للفراشي والزجاجات صغيرة الحجم.
فإن دفعتها الروح لاختيار اللون المشمشي كظل للعين، فإنها تعلم في أي كيس عليها أن تبحث. كان هذا الأمر يثير دهشة كوليت، فهي كلما خرجت لشراء قلم شفاه جديد لنفسها، عادت بقلم تبين لها فيما بعد بأنه ذات لون أقلام الشفاه السابقة التي لديها، التي كانت على الدوام بذات لون شفتيها.
وسألت، «ماذ يدعى هذا اللون؟»
راقبت أليسون نفسها في المرآة، وقطعة من القطن في يدها، وأضافت لمسة غير مرئية لشفتها السفلى. «يدعى دونو. لم لا تجربيه؟ ولكن احضري لي الشراب أولا». وتحركت يدها باتجاه غطاء أحمر الشفاه. وكادت تقول لكوليت، لا تدوسي على موريس.
كان على الأرض بين الجالس والمستلقي، مستندا على الجدار، وساقاه القصيرتان منفرجتين، وأصابعة تلعب بأزراره الطائرة. وحينما عادت كوليت داست فوقه مباشرة. وكالمعتاد لم تلحظ ما جرى، لكن موريس فعل. وبدأ يشتم قائلا «يالها من بقرة متكبرة»، وكانت كوليت قد غادرت. «اللعنة، وجه أبيض لمسخ. إنها مثل الغول. من أين أتيت بها، اللزجة، من ساحة الكنيسة؟».
لعنته أليسون في سرها. لم يتقبل موريس كوليت طيلة السنوات الخمس التي عملت كوليت خلالها معها، والزمن يعني القليل لموريس. وسألته، «ما الذي تعرفه عن ساحات الكنيسة؟»، وتابعت «أراهن بأنك لم تحظ أبدا بجنازة مسيحية. أحذية اسمنتية مع غطسة في النهر، اعتمادا على الناس الذين كنت تعاشرهم. أو ربما تم نشرك بالمنشار الذي كان لك؟».
انحنت أليسون باتجاه المرآة مجددا، وطلت الفم بمادة لماعة بواسطة فرشاة دقيقة كانت تدغدغ وتوخز، مما جعل شفتيها تنكمشان. راق لها تعبير وجهها في المرآة فبالغت فيه، مما دفع موريس للضحك عاليا.
مقتطف من رواية «ماوراء السواد»
الكتاب: ما وراء السواد
الناشر: هنري هولد ـ لندن 2005
الصفحات: 384 صفحة من القطع المتوسط
Beyond Black
Hilary Mantel
Henry Hold - London 2005
