أراد المفكر محمد حمزة من بحثه هذا الاهتمام بمسألة «الحديث النبوي»، كما حرص على استجلاء مكانته في الفكر الإسلامي وقد دعاه إلى ذلك عدة أسباب، أهمها ان الحديث النبوي يمثل نصاً ثانياً لا يختلف في كثير من الحالات تعامل المسلم معه تقديساً وتأويلاً واستلهاماً.
والسبب الثاني أنه لم يحف الخلاف في الفكر الإسلامي، قديماً وحديثاً بأحد النصوص التي قدسها الضمير الإسلامي، مثلما حف بنصوص الحديث الشريف. ان التراث الإسلامي يضم في طياته مواقف نقدية كثيرة رفضت حجّية الحديث وطعنت في أمانة نقلته، وأهملت الحديث في التشريع منادية بأن يكون في القرآن غنى عن أحاديث وسنن يصعب التعرف على مدى صدقها.
لم يبدأ تأسيس منزلة السنة إلا مع الشافعي (ت 205 ه) حين عمل على حسم الصراع الفكري والديني وركز الأصول الفقهية في أربعة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فخول له هذا الترتيب تثبيت مشروعية السنة بوصفها نصاً ثانياً لا يقل من حيث حجيته عن النص الأول أي القرآن.
ولقد ساهم الفكر الإسلامي عن أصوله الحيّة والفاعلة طيلة عصور الانحطاط، وفي فترات انغلاق السنة الثقافية الإسلامية وتحجرها في جعل الموقف الأصولي السني يهيمن، وفي تحويل الحلول التاريخية إلى مقولات متعالية، لا أثر فيها للتاريخي وللثقافي، فأهيل بذلك تراب النسيان على المواقف المغايرة للفهم السّني وهمشت كل الآراء التي تنحو إلى التمايز والاختلاف عن تلك التي رسختها المؤسسة الدينية.
غير ان الحداثة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية المعاصرة قلبت العديد من المسلمات وأدخلت تجديداً على فهم المسلم للنصوص وتأويله لها، ان هذه المواقف سواء الداعية إلى تحديث الإسلام وتجديد أصوله أو تلك التي تحرص على استمرار رؤية تمجيدية للمنظومة الأصولية التقليدية الشديدة الدلالة على المسالك التي تتسرب منها الحداثة إلى الضمير الإنساني.
ان الدراسة الوحيدة التي يعثر عليها الباحث الذي يروم تتبع مواقف المفكرين من الحديث النبوي هي تلك التي كتبها باللغة الانجليزية المستشرق الهولندي «غينبول» حول صحة الحديث النبوي في المجادلات التي دارت بمصر في العصر الحديث لكن غينبول لم يقدر على تجاوز العرض التاريخي السريع لمختلف المواقف التي تمكّن من الإطلاع عليها.
ولا يفوتنا ان نشير إلى فصل قصير حول «الحديث النبوي» ضمّنه عبدالمجيد الشرفي كتابه «الإسلام والحداثة» وقد اتسم هذا الفصل بمنهجية علمية واضحة واحتوى على إشارات دقيقة، لكنه لا يفي بما يقتضيه موضوع البحث من توسع وإلمام بمختلف المواقف.
قصر الباحث دراسته على رصد الفكر الإسلامي دون غيره، سعياً إلى لمّس التحوّلات الفكرية التي يعيشها العالم العربي، وانصبّ اهتمامه على استجلاء منزلة الحديث النبوي في الفكر المعاصر، فلم يقتصر على الدراسات المهتمة بالقضايا المعرفية التي تثيرها علوم الحديث فحسب، بل بحث في كتابات
وفي دراسات شتى عن موقع الحديث النبوي في العقل الإسلامي المعاصر وفي لا وعي هذا العقل، وعن مكامن «السلطة» التي يمثلها الحديث النبوي في بيئية الفكر الديني.
وعمل على استطلاع مجال الإبداع والإضافة المعرفية التي قدمها كل مفكر تناول بالدرس قضايا الحديث النبوي، وإلى أي مدى لا تزال الرؤية التمجيدية لدى التيار المحافظ حريصة على إضفاء روح التماثل على مواقف السلف بطمس كل خلاف قديم نقلته كتب التاريخ مثلما هي حريصة على تحصين العقيدة الإسلامية اليوم من كل نظرة عقلانية ونقدية قد تقوّض المسلمات التي رسخت في الضمير الإسلامي.
احتوى الكتاب على: تشكل الحديث النبوي ومواقف المفكرين المحدثين من صحة الحديث النبوي والحديث بين النقد الداخلي والنقد الخارجي، إضافة إلى مقدمة وخاتمة.
لقد حاول الكاتب جمع المواقف المعاصرة الناقدة للحديث النبوي، سواء تلك التي صرّح بها أصحابها أو لمّحوا إليها، وسلك بكل المواقف منهجاً مغايراً لكتابات السلفية التمجيدية التي تروّجها اليوم الهيئات الدينية والمؤسسات التعليمية المحافظة والتي تهمّش كل حسّ نقدي في تناول التراث وتظهره للقاريء المسلم نتاجاً فكرياً هداماً وهرطقات لا صلة لها بالعقيدة الدينية الصحيحة.
ان تباين المواقف من صحة الحديث النبوي وأمانة نقلته ومن قيمة الحديث في التشريع يكشف عن تصدّع المنظومة الأصولية القديمة وعدم قدرتها على الصمود تحت وطأة الثورات الصناعية والتقنية الإعلامية، فلم يعد المؤمن في عصرنا ان يطمئن إلى معايير القدامى وان يستمر في النظر إلى العالم والأشياء عبر قيمهم التقليدية وعبر رؤاهم واجتهاداتهم في تأويل النصوص وممارسة الدين ولا ان يحتمي بالنصوص معتقداً احتواءها على كل الحلول لمعضلات الواقع. ان تشكل منزلة السنة كان عملاً تاريخياً قام به المسلمون عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم رغبة في اكساب أقواله وأفعاله حجية.
ان محاولات الباحثين المحدثين لإدخال الحداثة الفكرية على مجال قراءة النصوص التأسيسية ونقدها مثلت خطوات أولى لزحزحة الموضوعات التقليدية إلى إشكاليات جديدة من خلال دعوتهم إلى استمرار عملية نقد نصوص الحديث النبوي وإلى ابقاء هذه النصوص منفتحة ومتحركة وقابلة للتجدد عن طريق مواصلة عملية تصحيح الحديث قبولاً ورفضاً بناء على معايير اجتهادية ووفق فكر إنساني متطور.
ولا تعد هذه الدعوة نكراناً لجهود علماء الحديث في سبيل تمحيص الروايات واستبعاد الموضوع منها فحسبهم أنهم استطاعوا تخليص الحديث النبوي من عشرات الآلاف من الأحاديث المنسوبة خطأ إلى النبي.
وما كان مبدأ نقاد الحديث في ثبوت صحة أحاديث (الصحاح) طبق شروط الصحة التي وضعوها هو المبدأ الذي يتعين على المسلم المعاصر وسلوكه، فله الحق في وضع مقاييس جديدة تستجيب لروح العصر ولمقاصد الإسلام الحقيقية ولا يتم ذلك إلا بفك الصلة الرابطة بين الحديث من جهة والعقائد وأصول الفقه من جهة ثانية وإعادة تفكيك المدونة الحديثية انطلاقاً من كون الحديث النبوي في الصورة التي دوّن فيها لا يمكن عدّه تسجيلاً أميناً ومطابقاً لأقوال النبي وأفعاله أو إقرارات وإنما هو تمثل لعدد محدود من تلك الأقوال والأفعال.
ولئن لم يرتق الحس النقدي إلى مستوى النقد الجذري لأصول الرواية في الإسلام والتحليل الشامل لكل الملابسات التي أدت إلى توظيف الحديث النبوي في المجالات الدينية والاجتماعية والفهم العميق لكل الإشكاليات التي تطرحها علوم الحديث، فإن كتابات محمد توفيق صدقي وأحمد أمين ومحمود أبو رية تظهر بداية الوعي بضرورة عقلنة المقدس وتحرير الفرد أولاً من إسار النص من خلال إبقائه قابلاً للمساءلة وثانياً من هيمنة علماء الدين على ميدان المعرفة الدينية.
يقصد الكاتب إلى التوفيق بين تحليل كيفية تعامل المسلم المعاصر مع موروثه الديني، والكشف عن التحولات الفكرية التي يعيشها الفكر الإسلامي اليوم بفعل الضغوط التاريخية التي يمر بها دون ان يقدر على تجاوزها إلى مواءمة جديدة وفاعلة بين الإسلام والحداثة.
فيصل خرتش
الكتاب: الحديث النبوي
ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث
الناشر: المركز الثقافي العربي ـ المؤسسة
العربية للتحديث الفكري ـ الدار البيضاء 2005
الصفحات: 372 صفحة من القطع الكبير
