هذا الكتاب هو للدكتور عبد السلام المسدي، وزير تونسي سابق، وكاتب في اللسانيات والنقد الأدبي وأكاديمي، له العديد من المؤلفات، منها: «التفكير اللساني في الحضارة العربية»، و«اللسانيات وأسسها المعرفية»، و«قضايا في العلم اللغوي»، و«ما وراء اللغة»، و«مباحث تأسيسية في اللسانيات»، و«الأسلوبية والأسلوب»، و«النقد والحداثة»، و«مراجع النقد الحديث»، و«قضية البنيوية»، و«مساءلات في الأدب واللغة»، و«في آليات النقد الأدبي»، و«بين النص وصاحبه».
ويعدنا المسدي في كتابه «الأدب وخطاب النقد» بالخروج «عن النسق المألوف»، وكسر الكثير «من الحواجز التي يعهدها القارئ العربي إذ يتابع هموم الإبداع متوسلاً بأحمال الإرث النقدي المتجمع لدينا من الثقافة الراهنة»، وهو وعد يبشر بالكثير، لكنه وللأسف يتبخر منذ بداية الفصل الأول «النقد والتضافر المنهجي»، إذ سرعان ما يعيدنا إلى المألوف والمكرر، من خلال طرحه سؤال «ما موقعنا في سماء الأدب؟» ليضعنا من جديد أمام السؤال الذي يتكرر كثيراً في كتاباتنا العربية بلا ملل وبلا نهاية: نحن والآخر؟
وتفعل التركيبة الفكرية المربكة فعلها في النص الذي نقرأه، فنشعر أن ثمة فراغاً يملأ محتوى النص، حيث يقول «إننا نريد أن نستقبل الأدب وخطاب النقد استقبالاً متخلصاً من إحراجات الانكسار الفكري الذي ما انفك يوشح صدر الثقافة العربية: في غير مكابرة ولا لجاج فليس من شمائل المعرفة أو مستلزماتها إلغاء المضمون الفكري لإحضار الذات العاقلة»، وكأن المؤلف يمارس الكتابة وكأنها مجرد عمل تقني، يصدر عن رغبة في ممارسة هذا الفعل، من غير أن يمتلك رؤية أو منهجاً لممارستها كفعل مميزّ، يتجسد ويتراكم نتيجة خبرات مضنية.
خصوصاً وأن المسدي يفترض به مراكمة مثل هذه الخبرات، من خلال كتبه العديدة في اللسانيات وفي السياسة، والتي من المفترض أن تتواصل كمشروع ينمو ويكبر عبر قراءته وإعادة قراءته، وإرجاع مكوناته ومختلف عناصره إلى بداياتها، ثم تركيبها كبنية فكرية أو ثقافية، أي كان عليه أن يمارس خطاب النقد أولاً على ما يكتب، بدلاً من التفكك والارتباك الذي يجمع بين «إحراجات الانكسار الفكري»، و«صدر الثقافة العربية» مع «لجاج» «شمائل المعرفة» و«إحضار الذات العاقلة»،
وهو جمع ما بين إرهاصات وكلمات لا يمكن أن تنتج معرفة ولا خطاباً، ولا أي شيء آخر يمت بصلة إلى عالم الأدب والفكر. لكن المسدي يمضي في تركيب هذه الجمل البعيدة عن الأدب وخطاب النقد الذي يبحث عنه، ليعلمنا بلهجة الواثق مما يفعل بأن «أول ما نريد أن نصدح به هو أن النقد الأدبي في عصرنا الحديث قد تطور كما لم يسبق له أن تطور من قبل .
وأن تطوره قد اقتفى نسقاً فيه من التسارع وفيه من التنوع ما لم يعرفه من قبل في حياته المديدة منذ كان لنا عن اللفظ الشعري والكلمة الأدبية والقول الفني وثائق دونتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل».
في هذا المقطع الطويل، «يصدح» المسدي بكلام مسترسل، كان يمكن تكثيفه بالقول بأن النقد الأدبي قد تطور في العصر الحديث بشكل غير مسبوق، ولا جديد في هذا القول وفكرته، إذ يمكن لأي قارئ أو متعلم بسيط أن يقول مثله، لا أن يصدح كما صدح به المسدي، وأن يستمر في الصداح ليبلغنا بأن «الأمر الآخر الذي نحرص على الصداح به هو أن النقد الأدبي الحديث يتطور بنسق بالغ السرعة ولكنه نادراً ما يفرغ لنفسه ببعض الاستبطان النقدي في مستوى المعرفة الكلية».
إن ما يذهب إليه المسدي في هذا الكتاب، يتكشف لغة مقعرة، لا يمكن لصاحبها أن يكسر «الحواجز المعهودة»، ولا أن يخرج عن المألوف كما وعد، بل يكرس مدرسية مكررة ومملة، في الاسترسال والإسهاب الزائد عن اللزوم، لا يمكنها نقد الأدب ولا نقد خطاب الأدب، ذلك أن النقد فعل حضاري، يمكنه أن يحدث إرهاصات، تغير التجارب الثقافية.
ومن خلال العلاقة ما بين النقد والكتابة، يمكن للكتابة أن تتحول إلى عمل ثقافي، مدني، وإلى خطاب يمارس بناء الشخصية الثقافية والاجتماعية والفردية، وليس بإمكان المدرسية المطمئنة إلى سكونيتها أن تنتج فعلاً كتابياً حقيقياً، وأن تستوعبه في حركة نقدية، تقرأ معاييره وضوابطه المعرفية والفلسفية، وتنظر في آثاره الجمالية والاجتماعية.
ولا يمكن اختزال الأدب وخطاب النقد في خطاب منغلق لا تتأسس قراءته إلا في إطار نرجسي ضيق، لا يعكس إلا تركيبته الفردية المنعزلة، خطاب ليس له صيرورة ثقافية تعبر عن مراحل اتصاله المعرفي.
ويسترسل المسدي في تحديد التضافر المنهجي، الذي يراه قائماً على النقد وفيه، حيث يتقيد النقد بالتضافر، لكن سرّ الأسرار يراه في تفجير التضافر المنهجي للنظرية النقدية، من غير أن يبيّن كيف حدث مثل هذا التفجير، بل يقررّ أنه وبمفعول ذلك التفجير أعاد التضافر المنهجي ترتيب أوراق المنهج. وأقام توظيباً جديداً في بيت المعرفة، فأصبح التضافر ذاته محوراً من محاور التأسيس الفكري، وبالتالي عمدة من عمد النظرية العلمية.
ثم يزعم بأن الاقتران التضافري ما بين اللسانيات وبين النقد الأدبي قد وصل إلى لحظة من النضج يمكننا فيها أن نحقق نقلة إبستيمية واعية، وتتمثل في أن ترتاد اللسانيات معين الأدب لتستثمر الإنجاز التضافري لفائدتها.
وينتقل المسدي إلى علاقة الناقد بالمجتمع، ليتحدث عن الرسالة التي يحملها ناقد الأدب في المجتمع، التي تجلوها المهمة الفكرية التي ينهض بها الناقد، وتختزنها المسؤولية الثقافية. ويتصور مركباً مشتركاً يجمع الناقد بالمجتمع، ثم يأسف لاختلال الانسيابية بينهما.
ويعود ليحدد وظيفة الناقد من جديد بحسب الموقع المعرفي أو الموقع الداخلي، ويجده في ستة مواقع، أولها هو موقع راسم خريطة المسالك داخل متاهة النص الأدبي، وثاني المواقع هو موقع مؤرخ الأدب، وثالثها موقع عالم اللغة، ورابعها موقع عالم الأدب، وخامسها موقع الناقد المقارن، وسادسها موقع مؤرخ للنقد الأدبي.
في هذه المواقع نعثر على ما هو شائع بالنسبة لموقع الناقد، وما هو تصنيفي وعمومي. لكن المسدي لا يكتفي بالتعميم بل يعيد ذات المقولات التي أنتجتها ستينات وسبعينات القرن العشرين المنصرم، بخصوص علاقة الأدب بالمجتمع، وبخصوص وظيفة الناقد التي يراها «وظيفة واصفة، وهي وظيفة شارحة إذ مناط الهم فيها أن يفسر الخطاب النقدي نص الأدب فيغدو مستساغاً لدى القارئ في لفظه وفي معناه».
كما للناقد وظيفة ثانية، ترتبط بموقع آخر من المواقع الإيصالية بحكم طبيعة من يتجه الناقد بخطابه إليهم، أما الوظيفة الثالثة للناقد، فهي وظيفة انعكاسية، وظيفة ما وراء اللغة النقدية، تنتج من توجه خطاب الناقد إلى نظرائه النقاد، ويعتبرها المسدي وظيفة تأسيسية، تقوم لغتها على مفاهيم متبلورة، وتستدعي متصورات على غاية من التجريد.
لكن النظر عند نقاد اليوم يكون إما في مستوى إيديولوجي مرتبط بالمضمون والمعنى والمحتوى دون سواه. وإما في مستوى لغوي يبحث في خصائص القيمة الجمالية وحدودها، وهو مستوى ينقد قصور تصورات النقاد وإصرارهم على المحتوى دون مستوى اللغة وأسرار عالمها.
ويؤكد كبار النقاد في عالم اليوم على أن نظر الناقد يجب أن يهتم أساسا بالقيمة الجمالية للنص، ومدخل هذا الاهتمام هو المستوى اللغوي، وذلك كي يتجاوز النقد جملة الانطباعات والملاحظات بالنظر حول النص ليستحيل نظراً فيه.
وتجعل طبيعة النقد بوصفه خطاباً على خطاب في مدار خطر، حيث تكمن الخطورة في أن الخطاب الثاني يجب أن يكون متصلاً بالخطاب الأول ومفارقاً له في الوقت ذاته، ويتمثل وجه الاتصال في إدراك وتفكيك العلاقات داخل النص الأدبي ومعرفة أهم مميزاته وخصائصه وأسئلته المركزية، بينما يتمثل وجه الانفصال في استقلالية خطاب النقد عن خطاب الأدب، رغم استناده إليه.
ولا يمكن أن يحدث التواصل والانفصال إلا من خلال الاهتمام بالنص في ذاته، من غير الاستناد إلى منهج مسبق أو نظرية محددة مسقطة عليه من خارجه، وأياً كانت تلك النظرية.
إن الأدب وخطاب النقد لا علاقة لهما بـ «الخصوصية»، هذه الكلمة الطانة، التي يرتفع صوتها حيناً ويخفت حيناً آخر، والتي تجد في كلام المسدي غنائمها حين يقول «العرب أمة بيان، والعرب يتراضعون النغم ويتساقون الإيقاع ويحتسون كؤوس الشعر مهما يكن ثوبه ومهما تكن قوالبه».
و«العرب أمة تهرب من اللفظ النّابي». و«من حقنا أن نباهي الثقافات الأخرى بمخزوننا من الطاقة الشعرية».
هل الأمر يتعلق بعلاقة الوعي بالتاريخ، أم بالجمل الطانة التي توحد العرب في كل مكان وزمان؟ ألم يفقد الشعر ريادته؟ هل ندخل في جدل الصراع بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر من باب التفاخر بالمخزون الشعري؟ ألم تتقدم الرواية في الكتابة العربية، حيث استلهم نجيب محفوظ توماس مان وبقي مصرياً، واستند إميل حبيبي إلى فولتير وبقي عربياً؟وإذا كان الجنس الأدبي كونياً، فإن على نقده أن يكون كونياً كذلك، طالما أن التاريخ المعيش عالمي، وإن كان في عالميته أطياف وألوان وتراتبيات، فعلى الناقد أن يلج أبوابها الواسعة بمعرفة وتؤدة وبصيرة نافذة.
عمر كوش
الكتاب: الأدب وخطاب النقد
الناشر: دار الكتاب الجديد ـ بيروت 2004
الصفحات: 259 صفحة من القطع الكبير
