أشرف على تأليف هذا الكتاب الجماعي الضخم كل من الباحثين لورا ماركوس وبيتر نيكولس المختصين بتاريخ الأدب الانجليزي في العصور الحديثة. وساهم في تأليفه العديد من الباحثين والاكاديميين الآخرين من مختلف الاختصاصات. فبعضهم تحدث عن الشعر الانجليزي في القرن العشرين والبعض الآخر تحدث عن المسرح، والبعض الثالث عن الرواية .. الخ. ويرى المشرفان العامان على الكتاب ان القرن العشرين بالنسبة لانجلترا يبتدئ بعد العهد الفيكتوري الطويل.
بل ويمكن القول بأنه يبتدئ حتى قبل موت الملكة فيكتوريا، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1890 أحس الانجليز بان العالم القديم يحتضر وان الجديد يولد أو على وشك الولادة. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) لكي تسرع في عملية الانتقال من حال الى حال،
فقد شعر الناس عندئذ ان كل الحضارة أو الثقافة الأوروبية السابقة قد انهارت. وبالنسبة للأدب يمكن القول بأن المنعطف الكبير حصل عام 1922 مع انطلاقة الثورة الحداثية. فقد شهد ذلك العام ظهور عملين أدبيين من طراز عال هما: رواية «أوليس» لجيمس جويس، وقصيدة «الأرض الخراب» ل ت. س. ايليوت. ثم ظهرت أشعار عزرا باوند المضادة للميوعة الرومانطيقية،
وقد رأى فيها النقاد عصراً جديداً للشعر ولا ينبغي ان ننسى تأثير الشاعر الكبير ييتس الذي ظل مهيمناً على الشعر الانجليزي وكان بمثابة جسر يصل بين القرن التاسع عشر الفيكتوري والثورة الحداثية التي ظهرت في بدايات القرن العشرين. وهي الثورة التي أسست التجريب في الأدب والشعر. وعندئذ شهدت الرواية الانجليزية تحولات كبيرة وحققت إنجازات رائعة على يد جوزيف كونراد، ود.ه. لورنس، وفيرجينيا وولف، وجيمس جويس، وآخرين.
ثم يردد الكتاب قائلاً: ان تطور الأدب الانجليزي بين الحربين العالميتين عكس القلق الاجتماعي والسياسي للشعب الانجليزي. وهذا أمر طبيعي. فالأدب مرآة الحياة والمجتمع على الرغم من كل ما يقال عن الفن للفن أو عدم الالتزام في الأدب.
والواقع ان الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في الغرب عام 1929 وصعود الأيديولوجيات الفاشية التوتاليتارية على المسرح الأوروبي ساهما في دفع الأدباء إلى الالتزام والانخراط في الهموم الاجتماعية والسياسية للشعب. ولذلك فإن الشعراء الكبار من أمثال أودين، وسبندر، وسواهما راحوا ينخرطون في المعارك السياسية أكثر مما فعل ت ـ س ـ ايليوت أو عزرا باوند في وقتها.
ثم يردف الكتاب قائلاً: وبعد العقم الذي شهده المسرح أثناء الفترة الفيكتورية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر راح هذا الفن يشهد انتعاشاً ملحوظاً على يد جورج برنارد شو وآخرين.
بالطبع فإن جوزيف كونراد هو أحد كبار الروائيين الانجليز في القرن العشرين. نقول ذلك على الرغم من انه بولوني الأصل. ولكنه اختار الفن الانجليزية وحياة البحارين. ورواياته تعكس روح المغامرة التي عاشها على البواخر في شتى أنحاء الأرض، كما وتعكس الشعور بالوحدة الميتافيزيقية أو الوجودية للإنسان على هذه الأرض. ولهذا السبب فإنه يصعب تصنيف أعماله في خانة محددة أو مدرسة ضيقة.
وأما د. ه. لورنس (1885 ـ 1930) فقد تأثر بأجواء المدنية التي ولد فيها والتي كانت مليئة بمناجم الفحم والعمال والواقع ان الطفل لورنس كان متمزقاً بين أب عامل يتسم بالخشونة والفظاظة وأم مثقفة تريد تربية أولادها بشكل جيد لكي يتحاشوا وضع العمال ويصبحوا موظفين كباراً في الدولة.
ومنطقة ايست وود التي ولد فيها كانت تجمع بين شيئين مناقضين:
جمال المناظر الطبيعية التي يتمتع بها الريف الانجليزي، وخشونة الحياة الصناعية للمعامل والمناجم وهذه الازدواجية التناقضية انعكست في كل رواياته وكتاباته. وقد ابتدأ د. ه. لورنس حياة التشرد والتسكع عام 1912. وفي عام 1912 أصدر روايته الأولى تحت عنوان: أبناء وعشاق.
وهي رواية شخصية تعكس السيرة الذاتية للمؤلف وتتمحور الرواية حول موت الأم. وهنا نجد الموضوع الأساسي الذي يشكل الهاجس المركزي لكتابات المؤلف: ونقصد به موضوع الجنس المقموع من قبل التقاليد الاجتماعية والعائلية والأخلاق التقليدية.
وفي عام 1915 ظهرت روايته التي تحمل عنوان: قوس قزح. ويمكن ترجمة العنوان أيضاً بالوهم أو السراب. وهو يتحدث فيها عن حياة عائلة على مدار ثلاثة أجيال. وبالتالي فهي ثلاثية على طريقة نجيب محفوظ. أو قل ان نجيب محفوظ كان على طريقته أو طريقة اميل زولا لانه، وقد منعت الرقابة هذه الرواية لأنها تحتوي على مقاطع جنسية صريحة أو جريئة أكثر من اللزوم.
وفي 1920 أصدر د.هـ لورنس رواية بعنوان: نساء عاشقات وفيها يصور أجواء التفكك المرعب والأسود الذي أصاب الحياة الانجليزية من مختلف النواحي وربما كانت مآسي الحرب العالمية الأولى هي السبب في ذلك.
أما روايته الأخيرة التي أشهرته أكثر من غيرها لأنها أخرجت سينمائياً فهي: عاشق الليدي تشاترلي (1927). وفيها نلاحظ عودة الكاتب إلى الطبيعة الرائعة للريف الانجليزي وهي الأجواء التي سيطرت على رواياته الأولى. كما ونلاحظ حنين المؤلف إلى انجلترا العتيقة: أي انجلترا الفلاحية و الزراعية التي كانت في طور الانقراض بسبب الثورة الصناعية. ولكن الرقابة الانجليزية منعت هذا الكتاب مرة أخرى بسبب احتوائه على مشاهد جنسية صارخة. ولذلك فإن المؤلف نشر روايته في الولايات المتحدة الأميركية.
بالإضافة إلى كونه روائياً من الطراز الأول كان د.ه. لورنس شاعراً ورساماً وكاتب مقالات من الطراز الأول أيضاً. بل وكان كاتب قصة قصيرة أيضاً. وعلى الرغم من أنه أثار الفضائح في عصره بسبب تركيزه على الجنس إلا أنه لم يكن كاتباً رخيصاً على عكس ما توهم الكثيرون. وإنما كان مستكشفاً رائعاً للكائنات الإنسانية وأسرارها.
وأما عن جيمس جويس (1882 ـ 1941) فيقول الكتاب بما معناه: لقد ولد في دبلن عاصمة ايرلندا الشمالية، وقد تأثر منذ طفولته بتعاليم اليسوعيين المسيحيين. وبعد أن حاول إكمال دراساته الجامعية في دبلن راح يتخلى عنها ويكرس نفسه للأدب والكتابة فقط.
وفي عام 1904 غادر ايرلندا نهائياً بصحبة نورا بارناكل التي تزوجها عام 1931. وقد عاش في ايطاليا بين عامي 1905 ـ 1915. وفي عام 1920 استقر جيمس جويس في باريس حيث أصدر روايته الخالدة أوليس عام 1922. وقد مارست تأثيراً كبيراً على كل الأدب الحديث.
ثم ينتقل الكتاب بعدئذ للتحدث عن إحدى أهم الروائيات في تاريخ الأدب الانجليزي: فيرجينيا وولف (1882 ـ 1941). وكانت فيرجينيا من عائلة برجوازية راقية. فوالدها كان أحد مثقفي العهد الفيكتوري وقد رباها على حب الأدب والثقافة.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
وبعد موت والدها عام 1904 ذهبت مع أخوتها إلى مدينة بلومسبوري حيث سكنت في بيت كبير واسع. وقد تحول هذا البيت لاحقاً إلى مركز ثقافي وأدبي مشهور. وكانت رواياتها الأولى كلاسيكية أو تقليدية، ولكنها بدءاً من رواية غرفة جاكوب الصادرة عام (1922) راحت تشكل أسلوبها الخاص القائم على تيار اللاوعي:
أي دراسة كل ما يخطر على وعي الفرد العميق من خواطر وأفكار حتى ولو كانت مرعبة أو إباحية لا يتجرأ على البوح بها لأحد. وراحت فيرجينيا وولف تمارس التجريب في الفن الروائي حتى توصلت إلى أسلوب فريد من نوعه في الكتابة. ولكن أزماتها النفسية كانت حادة جداً.
ولذلك حاولت الانتحار مرة ومرتين حتى نجحت في الثالثة وقتلت نفسها عن طريق الغرق في النهر. وبالتالي لم تحمها عبقريتها من الجنون. وأما فيما يخص الشعر فيقول مؤلفو الكتاب ما معناه: كان ويليام بكريتيس (1865 ـ 1939) وهو بطل التجديد الشعري على المفترق الواقع بين القرن التاسع عشر والعشرين.
وكانت أشعاره الأولى متأثرة بالطابع الرومانطيقي الجديد والطابع السري الذي يعتقد بوجود قوى خفية في العالم غير القوى المرئية. كما واشتهر ييتس بالعودة إلى الأساطير السلتية القديمة. ولكن لقاءه بامرأة تدعى مودغون غير مجرى حياته كلها. فقد كانت ذات نزعة قومية ايرلندية قوية. وقد أحبها طيلة حياته وأخلص لها وتأثر بتيارها السياسي.
ولذلك أصبح شعره ملتزماً أكثر ومنخرطاً في القضايا الاجتماعية والسياسية لعصره. ويمكن القول إن شعر ييتس انطلق من النزعة الرومانطيقية الجديدة لكي ينتهي في النزعة التجديدية والتجريبية الحديثة. ثم يتحدث الكتاب عن شاعر آخر كان له تأثير كبير على الحداثة الشعرية الأوروبية والعربية على حد سواء هو: ت.س. ايليوت. ومعلوم أنه ولد في أميركا عام 1888 ودرس في جامعة هارفارد. وتشكل لديه تصور مضاد للرومانطيقية في الحياة والأدب.
وفي عام 1914 التقى بعزرا باوند الذي شجعه على الكتابة والمجيء إلى لندن لأن الأجواء الأدبية فيها أفضل. وفي البداية كانت أشعاره متأثرة بالرمزيين على الرغم من شكلها الجديد. وفي عام 1922 أصدر قصيدته الشهيرة: الأرض الخراب. وقد جعلته مشهوراً بين ليلة وضحاها. وقد استخدم فيها تقنيات متفككة لكي يدل على تفكك الحضارة الحديثة. وأصبحت القصيدة نموذجاً للشعر الطبيعي في كل أنحاء العالم وليس فقط في البلدان الانغلوساكسونية.
ثم التحق ت.س. ايليوت عام 1927 بالكنيسة المسيحية وأصبح متديناً بالفعل. وراح ينتقد الحداثة أكثر فأكثر ويعبر عن فراغها وعبثيتها. وبدا انه يبحث عن انبعاث روحي في عالم لا روح فيه. وقد اتهمه بعض النقاد بالرجعية من الناحية الفكرية والسياسية لأنه التحق بالكنيسة ورجال الدين. والواقع أنه كان محافظاً جداً. وهنا يكمن وجه التناقض في شخصيته. فهو من جهة طليعي جداً كشاعر، وهو من جهة أخرى تقليدي يريد أن يعود إلى الوراء كمفكر.
THE CAMBRIDGE HISTORY OF
TWENTIETH - CENTURY ENGLISH
LITERATURE
LAURA MARCUS AND PETER NICUOLLS
CAMBRIDGE UNIVERSITY PRESS 2005
P.900
