عرفت هيلاري مانتيل بأنها كاتبة لأكثر المواضيع تطرفا في السوداوية أو بالأحرى صعوبة وتعقيدا، ولكأن ما تكتبه ينبع من أعماق قاع بئر مظلمة، إلا أن مراوحتها في مساحات الأسى تضاء بومضات من الجمال وبسخرية خادعة تحمل الطرافة والدعابة. وعلى الغالب فإن سخريتها الحادة تصدمنا، وتأتي بصورة تعاكس ما ألفته إرادتنا، حيث نغرق في آلام متواصلة مكثفة تحررنا الكاتبة منها لاحقا بدفقات من ثورات حنان وتفجرات للسعادة.

ويجمع النقاد بأنه لا يتمكن سوى كاتب يملك خاصية من الغضب ومهارات غامضة، من كتابة رواية على هذا النسق وتكون مقبولة، عداك عن استدراج القارئ إلى كل ما هو مخيف بأسلوب مشوق وآسر وطريف. إنها الكوميديا السوداء.

ولتعريف القارئ بعوالم هذه الرواية والغموض الذي يشملها، أجرت الناقدة ريشيل كوك من ملحق الكتب لصحيفة «ذا أوبزيرفر» لقاء مع مؤلفتها هيلاري مانتيل، وبعد التمهيد للمقابلة بعرض ملخص لقصة الرواية، تقول مانتيل بصوت خفيض، «أعتقد بأن مشاهد الوسيط الروحاني تزدهر في المدن وفي المجتمعات المنعزلة. لا أحد منهم أتى من أي مكان. إن الصلة بين الذاكرة والمكان قد بترت.

وهذا يثير الاهتمام، فالحركة الكبيرة باتجاه تاريخ العائلة، ومحاولة بحث الناس عن جذورهم وهويتهم يعود لفقدانهم معنى كل ذلك. والاقتلاع من الجذور له علاقة كبيرة بمشهد الوسيط الروحي. والحاجة النفسية تدعو إلى الجمع ما بين: ندمنا وشعورنا بمضي الزمن، وفيها إرهاصاتنا المكبوتة وقلقنا. والناس يحاولون البحث عن نوع من الارتباط أو التواصل.

تعيش مانتيل حاليا وكسابق عهدها بعيدا عن أجواء الكتاب في لندن، وقد قالت مازحة ذات مرة بأنها تحب أن تتخفى بدور ربة منزل ريفية، حيث تتمكن من تأمل العالم بصورة أفضل ومن كتابته أيضا. وبيتها الكامن خلف بوابات كهربائية، بسيط وحافل بالسكينة، وأرضيته مغطاة بالسجاد المخملي والطاولات. وهذا يعكس شخصيتها الداخلية البعيدة عن صخب الحياة.

ووصفت الصحافية مانتيل حينما قامت في بداية اللقاء بإعداد الشاي وقدمته مع بسكويت الشوكولاته، بأنها شخصية لا يوحي فيها سوى عينيها الزرقاوين الخرزيتين، وأسلوبها في الكلام من خلال جمل متكاملة ومعبرة، بأنها تكسب رزقها من خلال عملها ككاتبة رواية جادة، ساخرة، راصدة بحزم، وفي بعض الأحيان حادة وقاسية.

ومعظم رواياتها كما تبين تهتم بالقوة الداخلية وكيفية التعامل معها. وتقول، «في أغلب الأحيان، أتناول حالة التحويل، والخيميائية، وهواجس الحاضر. وأيضا تلك المساحة المجهولة في داخلنا الأشبه بغرفة مغلقة ومعتمة. إن شخصياتي على الدوام على حافة محنتهم الذاتية. هناك دائما شيئ ينشدون معرفته بإلحاح، لكونه السبب في استمرار حياتهم.

«بدأت بروايتي «ما وراء السواد» قبل سبع سنوات بعد فترة قصيرة من وفاة الأميرة ديانا. كانا وقتا عاصفا». وبروح تملكها الفضول، مضت مانتيل لتقابل وسيطا روحيا محترفا. وتقول، «لقد دهشت بشخصية الوسيطة.. كيف نهضت بحذر.. شدني ثوبها الذي كان أشبه بالكوكتيل. كذلك نكاتها البسيطة (مثل أليسون)، كانت واحدا من الأشخاص الذين تحدثوا عن روح السخرية الخبيثة التي اتصف بها، كما شدني كيفية تعاملها مع مساحة الغرفة. وهكذا بت أسيرة شخصيتها».

وتتابع قائلة، «وبعد ذلك وفي الممر، شاهدت امرأة أخرى تضغط بيدها على قطعة من اللباس معلقة على صورة الوسيطة في الردهة. كانت مساعدة الوسيطة. ودارت التساؤلات في ذهني، ما هي نوعية هذا العمل؟ وكيف يكون عليه الحال حينما تذهبان إلى بيتهما؟ وهكذا بدأت بهذا التأمل الإنساني الصرف».

ولكن هل مانتيل تؤمن بالوسيط الروحي؟، « أنا لا أؤمن وفي ذات الوقت أؤمن». وعلى الرغم من أنها التقت بالعديد من الوسطاء الروحانيين، إلا أن هذه الوسيطة قامت بشيء مذهل. وتقول، «لقد أتت إلي وإلى زوجي قائلة بأن لديها رسالة. وقد وصفت بالتفصيل صديق لنا كان قد مات قبل خمس سنوات، وهو رجل له صفات متميزة جدا. لم يكن هناك مجال للشك أو الالتباس بشأن ما قالته. وليست لدي أية فكرة كيف قامت بذلك، أو من أين أتت تلك المعرفة؟».

في رواية «ما وراء السواد» تحوم الأشباح الشريرة على حافة كل صفحة من صفحات الكتاب، التي تحتل جزءاً منها أيضا ذكريات طفولة المؤلفة. وذلك يتشابه مع ما ورد في روايتها «التحرر من الشبح» حيث تتحدث عن الضياع والبحث عن الهوية. وتصف فيها مانتيل ذكرياتها حينما كانت في السابعة من عمرها، وتلك الروح الشريرة التي كانت تسكن أسفل حديقتها ديربيشاير.

وتقول بهذا الشأن، «لقد منحتني طفولتي إحساسا قويا بأنني مسكونة. لم أكن أعرف إن كانت الصور التي رأيتها لأشخاص في خيالي تنتمي للعالم الآخر أم لأناس بائسين في الواقع، كل ما أدركه بأنها تلك هي الطريقة التي قدم بها العالم نفسه إلي. وأنا نقلت تجربتي بصورة واضحة إلى أليسون.

وأعتقد أن الوقت الذي أمضيته في كتابة بعض الروايات، يجعلني أرفض فكرة عدم انتمائي لشخصيات تلك الأعمال. فهي تقتحم عالمي وأنا بدوري أقتحم عالمها». تبتسم وتتابع: «أمضي وقتا طويلا في مخاطبة الأموات، ولكن نظرا لأنني أتقاضى أجرا على ذلك، فلا أحد يظن بأنني مجنونة».

بدأت مانتيل الكتابة حينما كانت في العشرين من عمرها، حينما كانت تعيش في أفريقيا مع زوجها، جيرالد، الذي كان جيوليوجيا. وتوضح قائلة: «لا أعتقد بأنني كنت سأفكر بالكتابة إن كانت حالتي الصحية افضل مما كانت عليه. كنت أفكر جاهدة بأية صورة سأترك بصمتي في هذا العالم. كل ما كنت أجيده هو الجلوس على الأريكة مع دفتر الملاحظات».

وعلى الرغم من آلامها الشهرية المستمرة كان الأطباء يخبرونها بأن ما تعانيه مجرد وهم نفسي، وقد وصفوا لها حبوبا مهدئة. بعد ذلك بدأت تقرأ بنفسها الدراسات الطبية حول ما تعانيه. وحينما بينت للأطباء احتمال العلة التي كانت تشكو منها، أثبتت الفحوصات الطبية صحة قولها،

إلا أن الحالة كانت متأخرة وكان الحل الوحيد هو إجراء عملية لإزالة الرحم والمبايض، كانت حينها في السابعة والعشرين من عمرها فقط. وفي خلال ساعتين حرمت من خصوبتها. وصفت مانتيل ما مرت به بأسلوب بعيد عن الشفقة وأقرب إلى الشفافية مثل روايتها «التحرر من الشبح».

وتبدو رواياتها للوهلة الأولى بأنها جميعا متشابهة، إلا أن التعمق فيها يكشف غنى وثراء موضوعاتها، ففي روايتها «في مكان أكثر أمنا»، تتناول فوضى الثورة الفرنسية، وفي «ثمانية أشهر في شارع غزة» تستعرض مناورة النساء في السعودية، وفي «تجربة حب» كتبت عن التقدم بالعمر. ومما لا شك فيه أن مانتيل إنسانة ذات فراسة وبصيرة قبل أن تكون كاتبة موهوبة.

وعن ذلك تقول، «أنا دوما أدفع بنفسي خارج حدود قدراتي، في محاولة لمعرفة ما الذي يمكنني عمله. وعليك (كامرأة كاتبة) بالطبع تجاوز حدودك. وحينما تكتبين لا تكوني رجلا أو امرأة، ولكن حينما يقرأونك، فإنهم يصنفونك كامرأة. ورواية «تملك الخلاء» التي جرت أحداثها في عام 1984، كانت عملا عن حالة الأمة بصفة عامة، ولكن نظرا لكونها كتبت من قبل امرأة، فقد صنفت كعمل عائلي في إطار كوميديا سوداء.

«نعم، كنت فيما مضى أخشى من أن يرفع علي الفيتو. ولكن بعد نشر عدد من الكتب، أشعر بالمزيد من الثقة. وحينما يسأل الناس «من أين تأتي الكتب؟»، فإنني من خلال روايتي «التحرر من الشبح» آخذ القارئ معي لأقول له «هل تريد حقا أن تعرف؟».

«تأتي الكتابة من تلك المنطقة غير المأهولة. ولكن مع إحساس بالغاية أيضا. أردت أن أكف عن الاعتذار بسبب صحتي، وأردت أن أصنع شيئا ذا جدوى. ما كان يروعني أنه لا يزال يقال للفتيات الشابات، «تمالكي نفسك، أنت تفكرين بذاتك كثيرا، وليس لديك أي ألم» ، وما حدث لي لا يزال مستمراً. وأنا سعيدة لأن هذا الكتاب أتى بنتيجة، وذلك لكوني تحدثت مع الأطباء.

كما تتحدث روايتها «التخلي عن الشبح» عن الاختفاء الغامض لوالد مانتيل، وجاك المستأجر في بيت العائلة الذي أخذ يحل بالتدريج مكان الأب، وهكذا كان على مانتيل أن تدعي أمام صديقاتها في المدرسة بأن جاك متزوج من والدتها. وتعقب على ذلك بقولها، «كانت تلك الذكريات ذات فائدة أيضا، فبعدما نشرت الرواية وجدت نهاية قصتي في الواقع.

فقد عثرت على والدي الذي تزوج مرة ثانية من أرملة لديها ستة أطفال. وأكبرهم امرأة في عمري، كتبت لي بعدما قرأت روايتي تلك، والتقينا وزودتني بالكثير من المعلومات. وخلال المقابلة، نهضت مانتيل لتعود وبيدها صندوق، وأشارت إليه قائلة بأنها كانت تلعب بهذا الشطرنج في طفولتها.

ومانتيل على قناعة بأن العمل على كتاب إنما ينمو من تلقاء نفسه وليس من خلال تعبئة الصفحات. وهي تكتب يوميا وإن كان بصورة غير منتظمة، حيث يفرض إيقاع العمل نفسه عليها. وفي الظاهر تبدو شخصيتها كما ذكرت الصحفية في البداية هادئة إلا أنها تتميز ببصيرة تفوق بثلاث مرات أي شخص آخر.

«حينما أسافر إلى أي مكان فأنا لا أنسى تأمل المشهد أمامي من نافذة غرفة الفندق، وبدلا من الذهاب إلى المتاحف والمعارض أذهب إلى المقهى. فإن تأملت المحيط من حولك بسكون، سيدهشك الإحساس بهواء المكان». وفي النهاية ضحكت وقالت، «يكفي أن ترسليني لإحضار البريد، وسأعود محملة بالكثير».

حقائق عن هيلاري مانتيل

ولدت هيلاري مانتيل في غلاسكو، ديربيشاير في بريطانيا في 6 يوليو عام 1952.

درست القانون في مدرسة لندن للإقتصاد وجامعة شيفيلد. عملت كموظفة في الشؤون الاجتماعية، وعاشت في بوتسوانا لمدة خمس سنوات، تبعتها أربع سنوات في المملكة العربية السعودية، قبل عودتها الى بريطانيا في منتصف

الثمانينات.

وفي عام 1987 حصلت على جائزة ذكرى يفانيبول على مقالها عن جده، كما عملت نقادة للأفلام في مجلة «ذا سبيكتيتور» من عام 1987 وحتى 1991. وهي من الكتاب الذين حصدوا عددا كبيرا من الجوائز، منها:

جائزة ساوثرن آرت للأدب عن روايتها «الفيضان» عام 1990

جائزة ذا شيلتنهام عن ذات الرواية عام 1990

جائزة ذكرى وينيفريد هولتباي عن ذات الرواية عام 1990

جائزة ساندي إكسبريس بوكي عن روايتها «مكان أكثر أمنا» عام 1992

جائزة هاوثردون عن روايتها «تجربة في الحب» عام 1996

رشا المالح