مؤلف هذا الكتاب هو الباحث آلين و. وود المختص بفلسفة كانط بشكل خاص والفلسفة المثالية الألمانية بشكل عام. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف لمحة عامة عن حياة أكبر فيلسوف ألماني في العصور الحديثة وأعماله. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ولد كانط في مدينة كونيغ سبيرغ بشمال ألمانيا يوم 22 أبريل من عام 1724.

وكان ذلك في عائلة فقيرة ومتواضعة. ولكنهم ربوه على مكارم الأخلاق منذ نعومة أظفاره، الشيء الذي ترك في نفسه أعظم الأثر حتى نهاية حياته. وقد قال فيما بعد: ما كان بالإمكان أن أتلقى تربية أخلاقية أفضل من ذلك. وعندما أصبح عمره ستة عشر عاماً سجل نفسه في جامعة المدينة وراح يدرس فلسفة لايبنتز،.

وهو أكبر فيلسوف ألماني في ذلك الزمان. وعندما أصبح في الثلاثين من عمره حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة ثم عينوه أستاذاً في الجامعة نفسها على أثر ذلك. ثم انخرط كانط بعدئذ في مطالعات فكرية واسعة شملت نيوتن وهيوم وبالأخص جان جاك روسو.

وقد اعترف بأن قراءة هذا الأخير وضعته على الطريق الصحيح والقويم، وأثارت لديه نوعاً من الثورة الفكرية. لماذا؟ لأن روسو وضع الأخلاق فوق العلم وعلمنا أن العلم من دون أخلاق لا يساوي شيئاً يذكر.

ثم تدرج كانط في المناصب الجامعية حتى وصل إلى أعلى المراتب وأصبح كبير مثقفي الألمان بدون منازع. ثم أصبح عميداً للجامعة بين عامي 17861788. وفي أثناء ذلك نشر أعظم المؤلفات الفلسفية في عصره كنقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة المحاكمة أو التمييز ... الخ.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وقد انخرط كانط في مناقشات فلسفية مع كبار مفكري أوروبا، وكانت المسألة المطروحة آنذاك تخص التنوير وكيفية الخروج من الفهم الظلامي للدين وعندئذ نشر في جريدة برلين نصه الشهير: ماهو التنوير (1784). وكان إيمانه الفلسفي بوجود الله قد حرره من القلق من النهاية أو الخوف من الموت.

ثم ألقى آخر محاضرة جامعية له عام 1796 ومات عام 1804 عن عمر يناهز الثمانين عاماً ومن يريد أن يعرف همومه الفكرية التي شغلته طيلة حياته كلها ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الأسئلة الأربعة التي طرحها عام 1793 بعد أن بلغ السبعين من العمر، هذه الأسئلة هي التالية: ما الذي يمكن أن أعرفه؟ ما الذي ينبغي أن أفعله في هذه الحياة؟ ما الذي هو مسموح لي أن آمله وأرجوه؟ ما هو الإنسان؟

هذه هي الأسئلة التي وجهت كل أعماله الفلسفية.

والسؤال الأول أجاب عنه من خلال كتابه الشهير: نقد العقل الخالص. وفيه بيَّن الحدود التي يمكن للعقل أن يذهب إليها أو لا يذهب. ويقول بما معناه: ينبغي العلم أن العقل ليس قادراً على كل شيء على عكس ما نتوهم. ولكنه قادر على أشياء كثيرة. وينبغي أن نعرف ما الذي يمكن أن يكتشفه العقل وما لا يمكن أن يكتشفه.

والشيء الذي يمكن للعقل أن يفهمه هو ظواهر العالم المادي وقوانين الكون. وهذا ليس بالشيء القليل. ولكن لا يمكن للعقل أن يفهم العالم الموجود خلف الظواهر:

أي العالم الميتافيزيقي وذلك على عكس ما توهم الفلاسفة السابقون ولذلك دعا كانط لكتابه: نقد العقل الخالص، أي نقد العقل الميتافيزيقي في الواقع، العقل المتوهم بأنه قادر على فهم كل شيء بما فيه العالم الآخر.. هذا الوهم هو الذي حطمه كانط في كتابه الشهير ذلك.

وقال للبشر: اهتموا بما تستطيعون فهمه والبرهنة عليه بشكل منطقي أو علمي واتركوا ما تبقى. لا تضيعوا وقتكم فيما لا طائل تحته. ولا تهوموا في متاهات الغيب والميتافيزيقا. يكفيكم أن تفهموا ظواهر هذا العالم المادي المحسوس.

ويكفي العقل فخراً أن اكتشف قوانين الكون على يد نيوتن، وبالأخص قانون الجاذبية الكونية ولولا هذه الاكتشافات العلمية لما توصلنا إلى اختراع الآلات التكنولوجية الحديثة التي ساعدت الإنسان على تحقيق كل أمانيه في تذليل الطبيعة والسيطرة عليها.

وبالتالي فالعقل البشري قادر على فعل أشياء كثيرة، بل وتأسيس حضارة كبيرة. وهو ما فعله في أوروبا على مدار القرون الأربعة الماضية. ولكن العقل لا يستطيع الإجابة على الأسئلة الميتافيزيقية الأساسية من نوع: ما الذي سيحصل بعد الموت؟ هل تفنى الروح مع الجسد أم لا؟

هنا تتوقف حدود معرفة العقل وتبتدئ حدود الإيمان.

وأما على السؤال الثاني: ما الذي ينبغي أن أفعله؟ فقد أجاب عليه كانط من خلال كتاب ضخم أيضاً هو: نقد العقل العملي. وفيه بلور الأخلاق بالمعنى الحديث للكلمة. وقال بما معناه: لا تفعل أي شيء للآخرين إذا كنت لا تحب أن يفعلوه لك. بمعنى آخر: هل هناك من شخص على وجه الأرض يحب أن يؤذيه الآخرون أو يسرقوه أو يقتلوه أو يعتدوا عليه؟ بالطبع لا.

ولذا فينبغي عليك ألا تفعل هذه الأشياء البغيضة للآخرين. وعلى هذا النحو تنتظم أمور المجتمع ويصبح أخلاقياً، متقدماً، راقياً. وهذا ما تحقق لاحقاً في المجتمعات الأوروبية المتقدمة حيث أصبح الناس حضاريين يتعاملون مع بعضهم البعض باحترام. ولم يعودوا يحلون خصوماتهم بالقوة العضلية أو بالضرب كما يفعل الناس البدائيون وإنما من خلال الاحتكام إلى القانون.

وبالتالي فالمبادئ التي نص عليها كانط لم تبق حبراً على ورق وإنما أصبحت بمثابة المبادئ شبه المقدسة التي يسير على هداها الشعب الألماني وبقية الشعوب الأوروبية.. وهذا يعني أن فكره طُبق عملياً على أرض الواقع وساهم في تشكيل الحضارة الحديثة كلها.. ولم يكن مجرد حبر على ورق.

بهذا المعنى فإن كانط، بعد ديكارت، هو أستاذ الحضارة الأوروبية كلها. وأما على السؤال الثالث: ما الذي يمكن أن آمله أو أرجوه في هذه الحياة؟ فقد أجاب عليه كانط من خلال كتابه الشهير: الدين ضمن حدود العقل فقط. وفيه ينتقد الأصولية المسيحية المتزمتة ويبلور الفهم العقلاني للدين في مجتمعات الحداثة.

ويرى كانط أن التعصب الديني هو سبب الشرور والحروب المذهبية التي مزقت ألمانيا وعموم أوروبا من خلال حرب الثلاثين عاماً (16181648). وقد جرت بين المذهب الكاثوليكي والمذهب البروتستانتي وذهب ضحيتها ملايين الأشخاص من كلا الطرفين.

وبالتالي فينبغي التخلي عن المفهوم القديم والظلامي للدين وتبني مفهوم يندرج ضمن إطار العقل. وعندئذ تحصل المصالحة التاريخية بين العلم والإيمان، أو بين الدين والفلسفة. وقد ساهم كانط من خلال مؤلفاته في تحقيق هذه المصالحة الكبرى.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد كان كانط مؤسساً للفلسفة المثالية الألمانية أي الفلسفة التي تؤمن بأهمية الأفكار والمثل العليا وأنها قادرة على تغيير الحياة وتحسينها نحو الأفضل.

وكان يؤمن بقدرة العقل البشري على تحقيق المعجزات على هذه الأرض عن طريق العلم الفيزيائي والرياضي الذي نبغ فيه إسحاق نيوتن. وقد استفاد كثيراً من نظريات هذا العالم إلى درجة أن بعضهم قال: لولا نيوتن لما كان كانط. فنيوتن أعطاه الثقة بنفسه وبمقدرة العلم الحديث على حل ألغاز الكون وفهم أسراره.

ينبغي العلم بأن كانط ولد وعاش في القرن الثامن عشر أي في عصر التنوير الكبير. وبالتالي فقد ساهم في تبديد غياهب الظلام المحيطة بالعقول. وحارب التعصب الديني وتأطير العقول بالقوة أو تدجينها. كما حارب الكسل العقلي والتواكل والاستسلام للمقدور. وقد عرَّف التنوير على النحو التالي:

إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد. وعرَّف القصور العقلي على أساس أنه التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار بدون استشارة الشخص الوصي علينا. وهذا يعني أننا نظل في مرحلة الطفولة العقلية حتى بعد أن نصبح رجالاً وكباراً.

ولذلك صرخ كانط قائلاً: استخدموا عقولكم أيها الناس! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم! فلا تتواكلوا بعد اليوم ولا تستسلموا للكسل والمقدور والمكتوب. تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر. فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها.

ولكن كانط لم يفهم التنوير على أساس أنه مضاد للإيمان أو للاعتقاد الديني. وإنما قال: حيث تنتهي حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان. ولم يدع كانط إلى الطاعة العمياء للقادة أو لرجال الدين كما حصل في بروسيا لاحقاً. وحارب التدجين الفكري أو التلقين الإجباري للفكر كما رأيناه.

ولكن للأسف الشديد فإن ألمانيا خرجت على مبادئه أكثر من مرة وبخاصة في المرحلة الفاشية أو الهتلرية. فقد أصبح مبدأ الطاعة العمياء هو السائد. وأصبح الألماني ينفذ الأوامر حتى ولو كانت مضادة لقناعاته العميقة تطبيقاً لمبدأ الطاعة العمياء هذه.

أما كانط فقد بنى كل فلسفته التربوية على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي عدم اتخاذ الإنسان كوسيلة وإنما دائماً كغاية. بمعنى آخر: ينبغي عدم احتقار الكرامة الإنسانية لدى الآخر بأي شكل كان. وهذا يعني أن معاملة السيد للعبد أو القوي للضعيف هي معاملة لا إنسانية لأنها لا تنظر إليه كشخص له كرامة وإنما كشخص يمكن التلاعب به واستخدامه في هذا الاتجاه أو ذاك.

يضاف إلى ذلك أن كانط هو الذي بلور مفهوم القانون الدولي لأول مرة، وهو الذي سعى إلى إقامة السلام الدائم بين الأمم. ونظرياته الفكرية في هذا المجال هي التي أدت لاحقاً إلى تشكيل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى من أجل حل الصراعات الناشبة بين الدول على أساس القانون الدولي. وهي التي أدت إلى تطوير عصبة الأمم هذه لكي تصبح الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتالي فالرجل كان من العظمة بحيث أنه تنبأ بالتطورات اللاحقة حتى بعد مئتي سنة من وقته. ولذلك فإن الكثيرين في أوروبا يدعون الآن إلى العودة إليه من أجل الخروج من المأزق الذي تتخبط فيه البشرية اليوم.

الكتاب :كانط

الناشر: بلاك ويل ـ نيويورك 2005

الصفحات: 216 صفحة من القطع المتوسط

KANT

ALLEN W. WOOD

BLACKWELL PUBLISHING NEW YORK 2005

P. 216