مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور روبرت جيرفيس أستاذ مادة السياسة الدولية في جامعة كولومبيا في نيويورك. وهو عضو الرابطة الأميركية لتقدم العلم. كما أنه عضو الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم.

وقد كان رئيساً للرابطة الأميركية للعلوم السياسية بين عامي 2001-2002. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن السياسة الخارجية الأميركية في عصر جديد ومختلف كلياً عما سبق، فالولايات المتحدة هي الآن القوة العظمى الوحيدة في العالم، ولم يعد ينافسها أحد كما كان يحصل سابقاً أثناء الحرب الباردة قبل سقوط الاتحاد السوفييتي، وهذا ما جعل الكثير من دول العالم تتضايق من هيمنة أميركا على الشؤون الدولية.

وقد اتهمها الفرنسيون بأنها تتبع سياسة أحادية الجانب ولا تهتم برأي الآخرين، ودعوا إلى تشكيل عالم متعدد الأقطاب لا أحادي القطب. وهذا الرأي تؤيده روسيا والصين وقوى أخرى عديدة في العالم. ثم يردف المؤلف قائلاً:

ولكن أميركا بعد الضربة الكبيرة التي تلقتها على رأسها ما عاد بإمكانها أن تتراجع عن سياسة القوة. لماذا؟ لأنها إذا ما فعلت ذلك فقدت مصداقيتها. فالضربة كانت ضخمة ومهينة لأكبر قوة عظمى في العالم. وبالتالي فإن الرد عليها كان ينبغي أن يكون قوياً وساحقاً، وإلا فإن أميركا سوف تنته مصداقيتها وهيبتها في نظر العالم أجمع.

ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة ردت على الضربة الصاع صاعين وغزت أفغانستان أولاً ثم العراق ثانياً. ولكن إذا كانت الجماعة الدولية قد أيدتها في غزو أفغانستان وإسقاط النظام المتخلف والظلامي لـ «لطالبان»، فإنها لم تؤيدها فيما يخص غزو العراق.

وجرت مناقشات صاخبة في مجلس الأمن كما هو معروف ولا تزال القضية العراقية ملتهبة ومتواصلة فصولاً حتى الآن. ولا أحد يعرف ماذا ستكون نتائج هذا الغزو على المدى المتوسط أو البعيد.

ثم يتحدث المؤلف في الفصل الأول من الكتاب عن نظريات الحرب في عصر القوة العظمى التي تريد الحفاظ على السلام حتى ولو عن طريق استخدام القوة. وهنا يقوم المؤلف بجرد تاريخي لمعرفة سبب اندلاع الصراعات في العالم بين الدول المختلفة ويستشهد هنا بعبارة للسياسي الفرنسي جورج كليمنصو يقول فيها:

منذ أقدم العصور في التاريخ كانت الشعوب تهجم على بعضها البعض من أجل إشباع حاجياتها، وتحقيق رغباتها الأنانية، وأنا لم أصنع هذا التاريخ، ولا أنتم صنعتموه، ولكنه موجود، وهذه حقيقة واقعة لا حيلة لنا بها.

والواقع أن تاريخ العالم يبرهن على صحة كلام جورج كليمنصو، فعلى مدار التاريخ تصارعت القوى العظمى فيما بينها. نضرب على ذلك ما حصل بين الإمبراطورية العثمانية والدول الأوروبية، أو بين ألمانيا وفرنسا، أو بين فرنسا وإنجلترا... إلخ.

ويرى المؤلف أنه قد تحصل حرب يوماً ما بين دولتين كبيرتين كروسيا والصين، أو الصين واليابان... الخ. وهدف العلوم السياسية هو دراسة أسباب هذه الحروب والتوصل إلى استخلاص القوانين التي تتحكم بها إذا أمكن.

وأما الفصل الثاني من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي: كيف غيَّر 11 سبتمبر مصير العالم؟ وهنا يقول المؤلف ما معناه: لا يمر يوم إلا ويفكر كل واحد منا بضربة 11 سبتمبر وما نتج عنها من آلام لآلاف العائلات الأميركية وغير الأميركية ونحن نحاول أن نستخلص منها الدروس والعبر.

ولكني لا أعتقد أن أحداً منا استطاع أن يفهم حتى الآن كل أسباب هذا الحدث الضخم وانعكاساته ليس فقط على الولايات المتحدة، وإنما على العالم ككل أيضاً، فمن الواضح أن كل ما نعيشه الآن من أحداث ناتج عن 11 سبتمبر مباشرة.والحرب الشاملة على الإرهاب تشغل كل دول العالم، والكثيرون يطرحون تساؤلات حول جدوى هذه الحرب أو مدى فعاليتها.

وبعضهم يدعو إلى معالجة أسباب الإرهاب للقضاء على الإرهابيين وليس فقط إرسال الحملات العسكرية إلى أفغانستان أو العراق.

فهذا يزيد الإرهاب ضراوة ويدفع بالآلاف إلى الانضمام إلى صفوف القاعدة والزرقاوي وبن لادن... الخ، وأهم أسباب الإرهاب الصراعات الإقليمية والفقر المدقع الذي يصيب شرائح واسعة من العالم الإسلامي، وبخاصة في الأرياف وضواحي المدن الفقيرة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: إن أهم الصراعات الإقليمية التي ينبغي على الجماعة الدولية أن تجد لها حلاً هي بالطبع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والصراع الشيشاني، والصراع على كشمير بين الهند وباكستان... الخ.

والكثير من المفكرين يعتقدون بأنه لو حاولت أميركا ومعها الغرب كله أن تجد حلاً عادلاً لهذه الصراعات وبخاصة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لتراجعت شعبية الحركات الإرهابية كثيراً.

وبالتالي فالحق يقع أيضاً على القوي وليس فقط على الضعيف. فنقمة الشعوب العربية والإسلامية على أميركا والغرب لها أسباب واقعية محسوسة. وينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار إذا ما أردنا ألا تتكرر مأساة 11 سبتمبر مرة أخرى.

ثم يكرس المؤلف فصلاً لعقيدة بوش الاستراتيجية ويقول بما معناه: إن هذه العقيدة التي تبلورت بعد 11 سبتمبر وكرد فعل عليه تحتوي على أربعة أفكار أساسية، أولها الاعتقاد القوي بأن نوعية النظام الحاكم في أميركا هي التي تقرر سياسته الخارجية.

وهذا يعني ان نظام القوي هو وحده القادر على ضربة 11 سبتمبر وليس النظام الضعيف. والتصور هنا: النظام السابق لكلينتون الذي لم يتجرأ على الرد على تحديات القاعدة وبن لادن.

وأما الثانية فهي أن الحرب الوقائية هي وحدها القادرة على مواجهة الخطر الأعظم للإرهاب الأصولي. وأما الفكرة الثالثة لهذه العقيدة فهي أن السياسة الأحادية الجانب لأميركا أصبحت ضرورة قصوى في مثل هذه الظروف.وأما الرابعة فهي أن على الولايات المتحدة أن تستغل قوتها العظمى لتغيير السياسة الدولية وفقاً لمصالحها.

ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد تبلورت هذه العقيدة الاستراتيجية في الأول من يونيو عام 2002 عندما ألقى الرئيس الأميركي خطاباً مهماً أمام الأكاديمية العسكرية الأميركية.

وقد شكلت هذه العقيدة تغييراً كاملاً للسياسة الخارجية التي كانت تتبعها أميركا حتى ذلك الوقت. ومعلوم أنها كانت سياسة قائمة على الواقعية واحترام سيادة الدول الأخرى، بل والتشاور معها قبل اتخاذ القرارات.

ولكن بدءاً من الآن فصاعداً أصبحت أميركا راغبة في انتهاج سياسة أخرى قائمة على القوة لا على الواقعية والدبلوماسية ومراعاة مشاعر الآخرين.

وقال الرئيس الأميركي إن الخطر الإرهابي الذي تواجهه بلادنا حالياً يبرر هذا التغيير الكبير في سياستنا الخارجية. فالولايات المتحدة لا يمكن أن تقبل بعد الآن بأن تتعرض، هي أو حلفاؤها، للضرب مرة أخرى حتى ترد عليه، وإنما ينبغي أن تسبق العدو لى الضرب لكي تحيّده أو تشلّه حتى قبل أن يستطيع إيذاءها. وهذا ما دعي بالحرب الوقائية أو الاستباقية التي أسالت دماً كثيراً ولا تزال.

ثم يضيف المؤلف: إن ضربة 11 سبتمبر أصابت الرئيس الأميركي في الصميم وجعلته يتحول إلى شخص آخر، فهو لم «يبلع» هذه الحالة العجيبة التي تتمثل في ما يلي:

كيف يمكن للمجموعات الإرهابية أن تضرب أكبر قوة عظمى في عقر دارها بمثل هذا الشكل؟ حتى الاتحاد السوفييتي عندما كان قوة عظمى لم يتجرأ على ضرب أميركا مباشرة. وبالتالي فهذا التحدي ينبغي أن يلقى رداً صاعقاً يكون في حجمه ومستواه. ولا يمكن فهم السياسة الخارجية الأميركية إذا أخذنا هذه النقطة بعين الاعتبار.

فأميركا لن تسمح بعد الآن بأن تُضرب سفاراتها في الخارج كما ضربت في كينيا في عهد كلينتون، ثم تبقى مكتوفة الأيدي دون رد. ولا يكفي أن ترسل صاروخاً في الهواء إلى صحاري أفغانستان لكي تقمع هذا الخطر الإرهابي الذي يتحداها.

وإنما ينبغي أن تذهب بجيوشها إلى هناك لكي تقضي عليه مباشرة، ولكي تنقل الحرب إلى صفوف أعدائها والجماعات المتطرفة على حد سواء. وهذا ما فعله بوش عندما وصل إلى السلطة، وهنا يكمن الفرق بينه وبين كلينتون.

في الماضي كانت السياسة الخارجية الأميركية قائمة على المبدأ التالي: لن نضرب أحداً قبل أن يضربنا، ولن نستخدم القوة العسكرية إلا كرد على العدوان. أما الآن فأصبحت قائمة على مبدأ معاكس وهو: إننا سنضرب أعداءنا حتى قبل أن يتحركوا لضربنا، فهذه هي الطريقة الوحيدة لمنعهم من إيذائنا أو لضربنا مرة أخرى كما حصل في 11 سبتمبر.

أما النقطة الأساسية الثانية في هذه العقيدة الاستراتيجية الجديدة فهي أن على أميركا أن تنقل المعركة إلى ساحة أعدائها لكيلا تضطر إلى خوضها على أرضها بالذات، وهذه فكرة يكررها الرئيس الأميركي كثيراً في خطاباته.

إنه يقول للأميركيين بما معناه: إذا لم نخض المعركة ضد الجماعات الإرهابية في أفغانستان أو العراق أو مناطق أخرى، فإننا سنضطر إلى خوضها هنا في شيكاغو أو لوس أنجلوس أو واشنطن أو نيويورك. وبالتالي فمن الأفضل أن نذهب إليهم حيث يوجدون قبل أن يأتوا إلينا حيث نوجد.

وهناك ركيزة أخرى لهذه العقيدة الاستراتيجية هي: محور الشر. ففي رأي الرئيس الأميركي أن العالم ينقسم إلى محور خير ومحور شر، وأن علينا بالتالي أن نحارب محور الشر بكل قوانا، وهو يتمثل، أو كان يتمثل في صدام وإيران وكوريا الشمالية. ولكن المشكلة هي أن بوش قد يضيف دولاً أخرى إلى محور الشر:

أي كل الدول التي لا تخضع لأميركا. ويرى المراقبون أن هذه العقيدة الاستراتيجية قد تثير الفوضى في العالم بدلاً من أن تعيد النظام والاستقرار. وهذا ما هو حاصل حالياً. ولكن خبراء بوش يردون على ذلك قائلين بأنها فوضى خلاقة! بمعنى أنها ستتمخض لاحقاً عن نظام جديد، ونحن لا نستطيع التوصل إلى الجديد قبل موت القديم. وبين عملية الموت وعملية الولادة هناك بالضرورة مرحلة تخلخل وفوضى لابد منها.

الكتاب: السياسة الخارجية

الأميركية في عصر جديد

الناشر: روتليدج نيويورك ولندن 2005

الصفحات: 184 صفحة من القطع الكبير

American Foreign

Policy in A New ERA

Robert Jervis

Routledge - New York - London 2005