مشكلات الحدود العربية

مشكلات الحدود العربية

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقدم هذا الكتاب عرضا لمشكلة من أهم المشاكل التقليدية المزمنة التي تواجه عالمنا العربي وهي مشكلة الحدود العربية. ويعرض المؤلف محمد بركات من خلال كتابه الذي يمثل دراسة وافية لموضوعه لمجموعة من المشكلات والقضايا التي أثيرت على الحدود بين الدول العربية الشقيقة .

والتي ما كان حسبه ينبغي أن تكون وجعلتنا في الوقت ذاته مطمعا لأي دولة أجنبية وفقدنا هيبتنا وسيطرتنا على كياننا. كما يعرض الكتاب مجموعة المعارك التي قامت بين الدول بسبب الخلاف على الحدود الفاصلة بينها وكذلك التدخلات التي تمت لفض النزاعات والفصل في الشكاوى بين البلدان سواء من خلال جامعة الدول العربية أو من قبل أي هيئات أخرى.

وقبل أن يبدأ في الخوض في موضوعه بالتفصيل يعرض المؤلف في الفصل الأول لبعض المفاهيم والمصطلحات الخاصة بقضايا الحدود ليتعرف القارئ على وظائفها الحيوية وأهم ظواهرها الجغرافية الطبيعية، ثم يتناول بعد ذلك ما يمكن أن تتميز به تلك الحدود من خصائص عامة مشتركة.

وهل ثمة خصائص أخرى ذات خصوصية بالنسبة للحدودالعربية؟ ثم كيف نشأت هذه الحدود وماعلاقتها بالطبيعة الجغرافية للأرض. وعلى ذلك يعرض المؤلف لجوانب تتعلق بالحدود في العلوم الإجتماعية، والحدود والحروب الكبرى، ثم الوظائف الحيوية للحدود، ثم الحدود والظواهر الجغرافية الطبيعية.

ثم يعرض المؤلف في الفصل الثاني للخصائص المشتركة للحدود العربية متطرقاً الى عدد من القضايا التطبيقية من خلال تناول نشأة الحدود العربية والطبيعة الجغرافية للمكان والطبيعة القومية للسكان، الى جانب علاقة الحدود بطبيعة العلاقات القائمة بين الأنظمة الحاكمة، وأخيراً الطبيعة النفسية للحدود.

في حديثه عن نشأة الحدود السياسية العربية يشير الى أنها لم تكن معروفة بصفة عامة في المنطقة العربية وإنما كانت هناك حدود إدارية لتعيين الأقاليم والولايات التي كانت تتبع في ذلك الوقت حكم الأتراك العثمانيين.

وفي نهاية القرن التاسع عشر بدأ الضعف والوهن يلقي بظلاله على الدولة العثمانية حتى صارت هدفا للتوسع الاستعماري وخاصة البريطاني والفرنسي، فكان تحويل الحدود الإدارية الى سياسية من قبل سلطات الاحتلال التي سميت سلطات انتداب آنذاك.

ويخلص المؤلف محمد بركات من ذلك الى أن قضية الحدود إنما تعد في النهاية سابقة على نشأة الدولة العربية وأنها مفروضة فرضاً عليها.

وفي سياق استعراضه للجوانب ذات التأثير على هذه القضية يشير مثلاً الى أن المعطيات السياسية وطبيعة العلاقات بين الأنظمة الحاكمة كانت دائما أقوى تأثيرا من الحجج التاريخية والقانونية التي لم يكتب لها أن تحسم هذه الخلافات إلا في حالات قليلة. ومن ذلك مثلا أنه اذا ساد الإنسجام والوئام بين حاكمين متجاورين أقفل ملف الحدود.

والعكس اذا كان هناك خلاف بين أشخاص الرؤساء وهو الأمر الغالب في العالم العربي أو كان هذا الخلاف متعلقاً بالتوجهات العامة للحكم، ومن ذلك مثلا أن الخلاف بين حكومة السودان الخاضعة للجبهة الإسلامية للإنقاذ وبين نظام الحكم في مصر أدى الى ظهور الخلافات الحدودية بين البلدين.

يعرض المؤلف بعد ذلك في الفصل الثالث لأهم أسباب نزاعات الحدود في المنطقة العربية وعلى رأسها المياه والنفط. وحسب الكتاب فإن المياه كانت واحدة من أكثر الموضوعات إثارة للصراعات في هذه المنطقة لا سيما مع تزايد السكان وندرة موارد المياه وقلة مصادرها واعتبار الزراعة هي النشاط الرئيسي للسكان.

ويشير الى أن المياه المتوفرة في المنطقة العربية إما مياه الأنهار أوالمياه الجوفية وكل منهما كان له دور كبير في ترسيم الحدود وما ثار بينهما من منازعات. ويضرب المؤلف مثالا على دور مياه الأنهار في هذه الصراعات فيشير الى أنه بعد الحرب العالمية الثانية تم رسم الحدود الفلسطينية السورية عن طريق حوض نهري اليرموك والأردن.

كما أن نفس النهرين استخدما لتقسيم الحدود بين فلسطين والأردن وسوريا ولبنان وعند قيام إسرائيل في عام 1948 على حدود نهر الأردن وبعد احتلالها لمزيد من الأراضي العربية عام 1967 ثارت مشكلة بينها وبين سوريا بسبب حدود بحيرة طبرية وبسبب توزيع نهر الأردن واليرموك تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي حول تحديد حصة كل طرف في مياه نهري الأردن واليرموك.

كما يشير المؤلف إلى أنه اذا ما اشتركت أكثر من دولة في حوض مائي واحد فهنا يحدث النزاع حينما تقوم إحدى هذه الدول بشكل انفرادي باستغلال هذا الحوض الجوفي دون الأخرى، فهناك مثلا الخزان الجوفي الكبير الذي يقع تحت أراضي الضفة الغربية.

ويمتد داخل أرض إسرائيل ـ داخل الخط الأخضر ـ بمسافة 5% ويقع الباقي كله في أراضي الضفة الغربية ونظرا لسيطرة إسرائيل على الأوضاع منذ الاحتلال فإنها تعارض سيطرة الفلسطينيين على مواردهم المائية.

ثم يتطرق بعد ذلك الى تلك المشاكل الحدودية المتعلقة بمسألة المياه الإقليمية الحدودية في البحار والمحيطات وهو النوع الذي انعكس في نزاعات حدودية متعددة، ومن ذلك ما حدث بين العراق والكويت فقد كان من بين أسبابه الرئيسية محاولات العراق طيلة خمسين عاما المقايضة مع الكويت من أجل منفذ بحري على الخليج العربي.

ولما رفضت الكويت طلب العراق باستئجار جزيرتي وربة وبوبيان لتأمين ممر بحري له في الخليج ولما رفضت الكويت هذا أيضا كان الاجتياح العسكري للكويت سنة 1990.

ثم يتطرق المؤلف محمد بركات بعد ذلك الى دور النفط في مشكلات الحدود مشيراً الى بروز أهمية المناطق التي يوجد فيها النفط وخاصة مع تزايد أهميته بعد حرب 73 عندما تضاعفت أسعاره مرات عدة، ففي ظل هذا الوضع أصبحت المناطق الحدودية محورا هاما في معظم النزاعات الجارية في المنطقة ومن أمثلة هذه النزاعات ذلك الذي شب بين قطر والبحرين على منطقة الزبارة والجزر الثلاث التي من بينها جزيرة فشت الديبل.

حيث يوجد حقل غاز الشمال الذي يعد أكبر حقل للغاز في العالم مما جعل البحرين تحاول السيطرة عليه من آن لأخر. كما شهدت المنطقة العربية نزاعات أخرى من بينها مطالبة ليبيا تونس بمنطقة الرصيف القاري لاحتمالات وجود النفط فيها حتى تم تسوية النزاع أخيراً.

ثم ينتقل المؤلف في الفصل الرابع الى استعراض قضية أخرى من تأثيرات المشاكل الحدودية وهي التوجهات المسلحة في حل هذه النزاعات.

وهنا يشير الى أن استخدام القوة العسكرية أمر نادر في مثل هذه النزاعات مضيفا أن الواقع يشير الى ان النهج السائد كان التهديد باستخدام القوة العسكرية.

أو التظاهر بأن هناك نية حقيقية لاستخدامها سواء من خلال تحريك القوات المسلحة أو إجراء تعديل في أوضاع القوات المسلحة بما يوحي أنها تتخذ أوضاعا هجومية. وعلى هذا يعرض بعضا من صورالنزاعات العسكرية العربية والعوامل المؤثرة في التوجه العسكري للنزاعات الحدودية، ثم نتائج التوجه العسكري في هذه النزاعات.

يقدم النزاع بين العراق والكويت باعتباره النموذج الواضح على النتائج ذات التأثيرات بالغة السلبية على هذا التوجه وكذلك النزاع العسكري المصري الليبي عام 1977 بسبب المناوشات الحدودية التي حدثت نتيجة الخلافات السياسية بين نظامي الحكم في البلدين مما أدى الى حدوث تلك المواجهة العسكرية.

ويشير الى أثر آخر لهذه النزاعات يتمثل في النزاعات الداخلية حيث غالبا ما تتطور هذه المنازعات الى حرب أهلية قد يؤيدها جانب ضد آخر والنتيجة هي التورط في الحرب.

ومن أبرز الأمثلة التي يقدمها في هذا الشأن الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 التي تورطت فيها سوريا، وكذلك النزاع بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي عندما تحولت الوحدة بينهما الى اقتتال واستخدام القوة العسكرية المسلحة، الى جانب وقوع نزاعات أردنية فلسطينية في سبتمبر عام 1970.

أما عن العوامل التي تساعد على زيادة التوجه العسكري لتسوية النزاعات الحدودية فإنها تتمثل في الارتباطات الخارجية الإقليمية والدولية لبعض الدول العربية.

الى جانب تأثير عامل الحجم السكاني حيث أنه غالبا ما تجد الدول العربية الاكبر حجما، الشجاعة الكافية للجوء الى القوة العسكرية لحل النزاعات مع الأطراف العربية الأخرى الأقل حجما بينما تلجأ الدول قليلة السكان الى تجنب الدخول في النزاعات وغالباً ما أصبح العامل الإقتصادي في هذه الأيام أكثر تأثيرا.

فضلا عن ذلك فإن أهمية الجزء أو المنطقة الحدودية المتنازع عليها ومدى ثرائها من الناحية الطبيعية أو الإقتصادية كتلك المناطق التي توجد بها المياه أو ظهر فيها النفط يعتبر من العوامل التي تزيد قوة الدافع نحو التوجه العسكري.

أما عن نتائج التوجه العسكري فإنها تتمثل في استنزاف أموال عربية طائلة وإهدار امكانيات عربية ضخمة في سبيل الاستعدادات العسكرية وما يعنيه ذلك من حشد كل الإمكانيات من أجل القوة العسكرية وتعطيل كل خطط التنمية والإصلاح وخاصة تلك الدول التي تعاني من مشكلات حدودية مزمنة كالعراق والكويت، والمغرب والجزائر.

فضلا عن ذلك فإنه مع ازدياد حالات التوجه العسكري لحل هذه النزاعات حدث تمزق شديد في نفسية الإنسان العربي وضعف ايمانه بوحدة العروبة ووحدة الصف العربي وبالتالي تحطمت الكثير من الآمال العربية.

وتحت عنوان «المتهم البرئ» يتناول المؤلف دور جامعة الدول العربية. وفي سياق استعراضه لهذا الجانب يشير الى أن تدخل الجامعة العربية في تسوية المنازعات الحدودية بين الدول الاعضاء اتخذ صورا تراوحت نتائجها بين النجاح والفشل مستعرضا المساعي التي بذلتها الجامعة في هذا الخصوص من خلال استعراض سريع لعدد من مشاكل الحدود.

ويقرر ان المستقبل قد يحمل دورا أفضل للجامعة في ظل اتجاه مشروع ميثاق الجامعة الجديد الذي نص على وضع مبدأ جديد لتسوية المنازعات بصفة عامة وهو ما ينطبق على منازعات الحدود حيث جاء التعديل بنص على أنه يجب اللجوء الى الجامعة العربية لحل منازعات الدول الأعضاء بالطرق السلمية قبل اللجوء الى غيرها من المنظمات الدولية.

وأهمية هذا النص، حسبما يشير المؤلف، أنه أرسى مبدأ مهما حيث كانت النزاعات تعرض على منظمات أخرى أثناء نظرها من قبل الجامعة أحيانا وقبل عرضها على الجامعة احيانا أخرى.

ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك في الباب الثاني من الكتاب الى تناول مشكلات الحدود العربية العربية عارضا بالتفصيل لكل حالة على حدة، وهو ما يشير الى قدر من التداخل في مواد الكتاب حيث أن أغلب هذه النزاعات تعرض لها في إطارالجزء الذي يمكن اعتباره بمثابة الإطار النظري للمادة الرئيسية للكتاب.

وبعبارة بليغة يقول المؤلف إن الخوض في قضايا الحدود العربية العربية يعتبر ضربا من السباحة لاول مرة في نهر يعج بالتماسيح في ظلام دامس وهو ما يجعل من إمكان عبور النهر دون مخاطر مطلباً عزيز المنال.

والسبب في ذلك هو قلة المعلومات التي تتوفر عن هذه المنازعات الى جانب سرية التسويات والإتفاقيات التي تتم في هذا الشأن، اللهم الا اذا تحول النزاع الحدودي الى نزاع مسلح عندئذ قد يتوافر قدر لا بأس به من المعلومات ولكن الى حين فقط .. بعدها ينقطع خبر المشكلة تماماً.

ألفت عبد الله

الكتاب: مشكلات الحدود العربية

الناشر: أطلس للنشر ـ القاهرة 2005

الصفحات : 239 صفحة من القطع الكبير

طباعة Email