عرب وعثمانيون.. رؤى مغايرة «أحدث كتاب في سلسلة » الجانب الآخر .. إعادة قراءة للتاريخ المصري» يقدم خلاله المؤلف الدكتور محمد عفيفي صورة دقيقة لحالة مصر تحت الحكم العثماني لكونها حقبة تاريخية لها ما لها وعليها ما عليها، منتقدا عملية التعميم التاريخي لتلك الفترة التي وقع فيها العديد من المؤرخين بوصفها أسوأ مرحلة تاريخية في حياة مصر.
في البداية يقول د. محمد عفيفي إنه عندما يتطرق المرء إلى الحديث عن الفترة العثمانية يصطدم بحقل الأيديولوجيات والخلافات النظرية الجدلية وأول هذه المسائل بماذا يمكن وصف ضم الدولة العثمانية للعالم العربي هل هو فتح أم غزو؟ مشيرا إلى ان الصورة التقليدية والخطاب السائد عن أوضاع العالم العربي في العصر العثماني محمل بالأيديولوجيا والأفكار المسبقة.
من هنا يقترح إعادة تشكيل الصورة من جديد في هذا الكتاب الذي يتكون من أربعة فصول الأول جاء بعنوان «العرب والعثمانيون بين الايديولوجيا والتاريخ»،.
مستشهدا في بداية هذا الفصل بمقولة المفكر اللبناني رضوان السيد إن العثمانيين بدوا في الكتابات القومية العربية علة العلل في الانحطاط العربي، كما بدوا فرسان الجهاد و رمز قوة الإسلام ومجده في كتابات الإسلاميين في العقود الثلاثة الأخيرة».
وأشار المؤلف إلى ان النظرة المثالية للدولة العثمانية «ورمز قوة الإسلام ومجده لم تكن فقط وليدة العقود الثلاثة الأخيرة ولكنها نظرة تتردد في لحظات الترقب وانتظار الجديد إذا نجد هذه النظرة عند أحد كبار الزعماء الوطنيين في مصر في مطلع القرن العشرين وهو محمد فريد.
وخاصة مع بدايات الانهيار السريع للدولة العثمانية ومشروع الخلاص الأخير «الجامعة الإسلامية» على يد السلطان عبد الحميد وارتباط الحزب الوطني بالانتماء إلى الدولة العثمانية في محاولة لنزع الشرعية عن الاحتلال البريطاني في مصر
وفي ظل هذه الظروف التاريخية يصدر محمد فريد كتابه الشهير «تاريخ الدولة العلية العثمانية» موضحاً في بدايته ان الهدف الأساسي لكتابه هو إبراز الرسالة الإلهية للدولة العثمانية في نجدة الأمة الإسلامية» .
ويعلق المؤلف على ما كتبه محمد فريد بالقول إن ذلك لم يكن في الحقيقة تاريخاً للدولة العثمانية وإنما رسالة ايديولوجية من مفكر شرقي مسلم رأى السقوط الوشيك للدولة فأراد ان يستوحي الماضي لعله يجدي نفعاً في الحاضر المرير كما لا ننكر الارتباط المهم لمحمد فريد سواء بالخديوي عباس حلمي الثاني أو السلطان عبد الحميد الثاني.
أما التيار القومي فيشير المؤلف إلى ان عبد الرحمن الرفاعي مؤرخ «تاريخ الحركة القومية» يعد أبرز من يمثله فأعماله تعتبر من أهم الأعمال التي أدت إلى ترسيخ صورة معينة عن الدولة العثمانية طيلة الفترة الليبرالية التي عاشتها مصر منذ إعلان استقلالها عام 1922 حتى قيام ثورة 1952.
وربما امتد تأثيره حتى إلى عملية التأريخ لهذه الفترة أيضا وينتمي الرافعي إلى ما يمكن تسميته تجاوزا «المؤرخين الهواة» فثقافته الحقوقية انطبعت على طبيعة كتاباته التاريخية وأحكامه القيمية فعندما يبدأ عبد الرحمن الرافعي تأريخه للحركة القومية يبدأ ذلك بقدوم الحملة الفرنسية .
ونمو الوعي القومي لمقاومتها متجاهلا بذلك الفترة السابقة على الحملة الفرنسية محملا تاريخ الفترة العثمانية في صفحات قليلة يصف فيها هذه الفترة إجمالاً قائلا «كان لنظام الحكم الذي رزحت تحته البلاد من عهد الفتح العثماني أسوأ الأثر في حالتها السياسية والعمرانية» .
وهكذا يقع الرافعي في نفس المشكلة الأساسية التي يقع فيها من يؤرخ للفترة العثماني ألا وهي التعميم التاريخي فالرافعي هنا في الحقيقة يؤرخ للفترة القصيرة السابقة على الحملة الفرنسية ولكنه يسحب هذه المقولة على بقية القرون الثلاثة السابقة على الحملة الفرنسية. هذا إذا سلمنا جدلا بانهيار الأوضاع في مصر في تلك الفترة.
ويشير المؤلف إلى تراجع التيار الليبرالي القومي أمام التيار الإسلامي بعد هزيمة 1967 وظهرت الكتابات التي تعيد قراءة التاريخ من منظور إسلامي وتركزت معظمها على تجربة الدولة العثمانية باعتبارها «آخر خلافة إسلامية» والذي أعقب سقوطها في نظر الكثيرين اقتسام العالم العربي والإسلامي بين دول أوروبا فضلا عن ظهور المشكلة المستعصية في التاريخ العربي المعاصر.
إلا وهي مشكلة فلسطين حيث حاول البعض التركيز على دور الدولة العثمانية في الحيلولة دون السقوط الكبير لفلسطين في أيدي اليهود وفي ذلك المناخ ظهر الجزء الأول من العمل الضخم للدكتور عبد العزيز الشناوي والمعنون «الدولة العثمانية.. دولة إسلامية مفترى عليها».
بجانب التيارات الأيديولوجية السابقة ودورها في كتابة التاريخ العثماني يقدم المؤلف تطبيقا آخر هو المدارس الإقليمية لكتابة هذا التاريخ منها المدرسة المغاربية التي تميزت بطابع خاص في الاهتمام بالتاريخ العثماني فضلا عن التجاوب والقبول مع الفترة العثمانية على عكس التطور التاريخي للمدارس المشارقية، سواء الشامية منها أو المصرية.
ويأتي ذلك نتيجة الظروف التاريخية المصاحبة لمجيء العثمانيين إلى بلاد المغرب إضافة إلى طبيعة الاستعمار في تلك المنطقة بعد الفترة العثمانية.
أما المدرسة المصرية فقد وقعت الدراسات العثمانية في مصر منذ البداية في أزمات أيديولوجية كبيرة أثرت على تطور الاهتمام بالفترة العثمانية ذاتها لعل أول هذه المشاكل مشكلة «التحقيب» أي وضع إطار زمني للفترة التي اصطلح على تسميتها الفترة العثمانية.
أما المشكلة الثانية : وهي تركيز معظم الدراسات التاريخية الأكاديمية على عصر محمد علي وأسرته لذلك أصبح إهمال الفترة السابقة متعمدا أما المدرسة الشامية فقد تأثرت في كتابة التاريخ العثماني بالصدام الشديد الذي حدث بين العرب والترك منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى سقوط الدولة العثمانية وصراع القومية العربية أمام محاولات التتريك والمذابح الجماعية لجمال باشا في الشام.
ويختتم المؤلف هذا الفصل بالقول إن الدراسات الوثائقية في العقود الأخيرة تظهرنا على عالم عثماني لا ينتمي إلى صنف الشياطين الأشرار ولا إلى صنف الملائكة الأطهار.
الرحالة المسلمون وصورة مصر
في بداية هذا الفصل يؤكد المؤلف على ان معظم المؤرخين قد درجوا إلى وقت قريب عند التطرق إلى العصر العثماني إلى وصفه بالتدهور والانحدار وذلك بسبب الانسياق إلى النظر إلى الفترة العثمانية في تاريخ مصر من منظور غربي.
من ناحية أخرى وصم الكثيرون العصر العثماني بالتدهور دون مراجع لمفهوم التدهور وأبعاده المختلفة ومدى انطباق ذلك على العصر العثماني وعقد هؤلاء مقارنة من وجهة نظر «قومية» بين ذروة المجد في عصر سلاطين المماليك وبناء مصر الحديثة على يد محمد علي وهكذا سقط العصر العثماني بين مجدين.
لذلك يقدم في هذا الفصل معالجة لصورة مصر عند الرحالة المسلمين لتأكيد مدى الاستمرارية أو انقطاعها في مكانة ودور مصر في المحيط الذي قدر لها ان تتعايش فيه وتكيف دورها التاريخي معه وبيان النظرة الشرقية لصورة مصر إزاء النظرة الغربية لها من خلال شهادات رحالة مسلمين تغطي فترة القرون الثلاثة محط الدراسة مدعمة بكتابات رحالة المشرق والمغرب حتى تتكون لدينا صورة مصر بشكل اقرب إلى الدقة.
في الفصل الأخير من الكتاب يشير المؤلف إلى انه حتى وقت قريب لم تكن لدينا صورة واضحة عن أحوال المجتمع العربي في العصر العثماني إذ سادت نظرة سوداوية لهذه الصورة إلا ان العقود الأخيرة شهدت صورة علمية في معالجة دراسة مجتمع الولايات العربية في العصر العثماني من خلال المصادر التاريخية الجديدة إذ تمت إعادة النظر في المقولات القديمة عن المجتمع العربي استنادا، إلى مصادر محلية جديدة يأتي على رأسها سجلات المحاكم الشرعية .
ودفاتر الإدارة فأضافت هذه المصادر أبعادا جديدة في دراسة المجتمع العربي تتجاوز التاريخ السياسي إذ أظهرت لنا هذه المصادر مدى تطور المدينة وعمرانها والعلاقة بينها وبين الريف والمعاملات المالية المختلفة وشراء وإيجار العقارات والتعريف بالقوى الاجتماعية التي كانت فاعلة في السوق المالية والتجارية والعقارية .
ومسيرة الحياة اليومية للطوائف الحرفية وذكر أماكن التسلية والمقاهي ومعالجة المخالفات الأخلاقية والإشارة إلى التعايش بين السكان ورصد دور المرأة في المحكمة الشرعية من حيث الأحوال الشخصية والمعاملات المالية وأيضا دراسة العلاقة بين السلطة والأهالي .
كما أبرزت هذه المصادر الدور المهم الذي لعبه العلماء كوسطاء بين السلطة والرعية كما اهتمت وثائق المحاكم الشرعية بتركات المتوفين وما يترتب على دراستها من معرفة حجم الأسرة وتركيبها ومصادر الثروة فضلا عن تنوع الأملاك لمختلف الفئات الاجتماعية.
وفي الختام يؤكد المؤلف انه مهما يكن من أوجه النقد لفترة الحكم العثماني للعالم العربي إلا ان هذا الحكم قد ساعد على إيجاد وحدة سياسية واقتصادية من نوع خاص بين الولايات العربية لأول مرة ربما بعد ضعف الدولة العباسية.
فضلا عن حرية الهجرة والتنقل بين بلدان العالم العربي كما اننا لا نستطيع أن ننكر أهمية الفترة العثمانية في الوقوف أمام التدخل الأجنبي وحماية المجتمع العربي لفترة طويلة من عوامل التخريب.
فيصل حماد
الكتاب: عرب وعثمانيون
الناشر: دار الشروق ـ القاهرة 2005
الصفحات: 100 صفحة من القطع المتوس
