مؤلف كتاب «الأحكام الصغرى» هو «محمد بن عبدالله بن العربي المعافيري الاشبيلي»، ولد «باشبيلية» عاصمة بني عباد سنة 468 هجرية، حيث كان والده من وجوه علماء «اشبيلية» استوزره بنو عباد، ونال عندهم حظوة كبيرة، وقد اختار لولده ثلة من المعلمين الأكفاء.

ولم يبلغ مؤلفنا السادسة عشرة من عمره حتى أتقن القراءات العشر، وحين سقطت دولة بني عباد، واستولى المرابطون على اشبيلية، رحل الأب وابنه إلى بلاد المشرق، حيث زار الاسكندرية والقاهرة ودمشق وبيت المقدس، وكانا في كل هذه العواصم يستمعان إلى علمائها وفقهائها، ثم ذهبا إلى الحجاز ومكة المكرمة لتأدية فريضة الحج، ثم عادا إلى الاسكندرية.

وقدر لمؤلفنا «محمد» أن يصدم بحدثين خطيرين كان لهما أثرهما في نفسه، الأول: استيلاء الصليبيين على بيت المقدس، والمجازر الوحشية التي قاموا بها في البقاع المقدسة، والثاني: وفاة والده، وذلك سنة 492 هجرياً، وقد عاد «ابن العربي» إلى وطنه المغرب، بعد غياب دام عشر سنوات أو يزيد، وقد سبقه علمه وذاع صيته، حيث تولى الشورى بين يدي أمير اشبيلية، ثم ولي القضاء فيها ولكنه ظل منصرفاً إلى العلم والمعرفة، حيث استقر فيما بعد في المسجد الذي بناه متفرغاً للبحث والتأليف، والتدريس.

وقد خلّف لنا أكثر من أربعة وتسعين مؤلفاً منها: أحلام القرآن الكبرى، أعيان الأعيان، إيضاح الصحيحين، العواصم من القواصم، قانون التأويل، قصيدة في القراءات السبع، كتاب شعراء الأندلس، وابن العربي مولع باختصار كتبه، ومن ذلك كتابه هذا «الأحكام الصغرى» وكأنه يراعي في ذلك مستويات الناس، فمنهم طويل الباع والمتوسط والعادي، وكتاب «الأحكام الصغرى» صالح لهؤلاء وأولئك، فهو نصف «الأحكام الكبرى» وزبدته وخلاصته.

وقد أعفاه من الاستطرادات التي حشد بها الأحكام الكبرى. وقد تراجع فيه عن طائفة من آرائه، وعدل بعض عباراته، واستدرك ما كان فاته، كما أنه لطف أسلوبه في كثير من مناقشاته.

ومنهج «ابن العربي» أنه يتتبع سور القرآن الكريم، سورة سورة، ويستخرج منها آي الأحكام، آية آية، فيذكر الآية، ويشرح كلماتها ويحلل معانيها، ثم يورد ما فيها من أحكام ومسائل فقهية، ويقابلها بما في ذلك السنة الصحيحة، ويتحرى وجهة الجميع في ذلك، ثم يذكر أقوال الصحابة والتابعين، وآراء الأئمة المجتهدين، ويقارن بينها.

ويرى أن الخلاف في الفروع ثروة فقهية، من محاسن الشريعة الإسلامية، وهو في الغالب يصدر بمذهب «مالك» ويناصره، وقد يخالفه، إن رأى الحجة إلى جانب معارضه، وربما رجح رأي بعض أصحابه على قوله، وناقض «الشافعي» و«أبا حنيفة» في كثير من آرائهما، وقارع الحجة بالحجة، وهو في هذا الميدان، الفارس المجلي، ويقسو على أولئك الذين تمحلوا لنصرة مذهبهم بدافع التعصب.

و«ابن عربي» حر التفكير، له اختيارات وترجيحات، يحتكم إلى اللغة في اختيار المعنى المناسب للآية، ويستعين على ذلك بأسباب النزول، ويعتمد في استنباط الأحكام على القواعد العامة في أصول التشريع، وهو شديد النفرة من الإسرائيليات يحذر ويفند روايتها، كما هو شديد الحذر من الأحاديث الضعيفة والروايات الواهية.

وقد طعن في كثير من الأحاديث تمسك بها بعض الأئمة فبين عوارها لكن الكتاب خلاصة الخلاصة منقح العبارة، لطيف الإشارة، ضمنه نحو خمسمئة آية من آيات القرآن الكريم، ونحو ألف حديث من الأحاديث الصحيحة، فقد أورد في آية «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا» نحو أربعين حديثاً من أحاديث النواهي، وأوصلها في الأحكام الكبرى إلى ستة وخمسين حديثاً.

وبذلك فإن هذا الكتاب، هو كتاب فقه القرآن والسنة معاً، يجد فيه القارئ متطلباته الدينية والدنيوية.

محمد سطام الفهد