انتشرت في السنوات الأخيرة من القرن الماضي ظاهرة يلاحظها معظم المهتمين بالشأن الثقافي، وخاصة الذين يعيشون في الغرب، تمثلت في مهرجانات أدبية تعقد من حين لآخر في مدنٍ نادراً ما تحفظها الذاكرة العربية.

تلك المهرجانات يرتادها عدد من المثقفين الذين يعيشون في الغرب حيث يقرأون أشعارهم ضمن احتفالية مترجمة إلى لغات أخرى ألمانية وهولندية وفرنسية وغيرها لجمهور جاء إلى مهرجان للشعر العربي يقام في مدينتهم.

في تلك المهرجانات يشارك شعراء لا أحد يعرفهم في بلدانهم، وقليلاً ما يكون لهم أثر في ذاكرة ثقافية هنا أو هناك ولكنهم يمثلون جوقة تشبه الطيور المهاجرة يحطون رحالهم في سهول خضراء، أو على ضفاف بحيرة ما، وسرعان ما يظهر ملصق في مقهى متواضع يدعو السكان المحليين إلى أمسية شعرية لشعراء عرب اختاروا مدينتهم الهادئة ليقولوا فيها لواعجهم.

ومن مكان لآخر يذهب هؤلاء مستفيدين من حرية الحركة في الاتحاد الأوروبي، يدعمهم عمدة إحدى البلدات فيقدم لهم صالة لقراءة الشعر، ولا تتأخر صحيفة محلية عن طبع دعوات وملصقات لوضعها في البريد المجاني أو على واجهة متجر البلدة الكبير أو مقهاها الرئيسي.

هؤلاء الذين ينتشرون في أصقاع أوروبا هم ذاتهم الذين لا تكاد الذاكرة تحفظ اسماً لواحد منهم، ليس لأنهم مجهولون في أوطانهم فقط، بل لأنهم لا يصنفون في قائمة الشعر ولا ينتمون إلى إحدى مدارسه، ولم يكن لهم حضور في جلساته.

شعراء يمثلون كتلة واحدة شكلاً ولوناً وتصنيفاً، بينهم علاقة وطيدة، تجمعهم أهداف مشتركة، وتضمهم سبحة خيطها معلق في أوروبا وحباتها من كل مكان، يرشحون أصدقاءهم لجميع مهرجانات الشعر، وهاجسهم أن يكونوا تحت الضوء، في أي مكان، وليس مهماً أن يكون شعرهم متميزاً أو حتى جيداً،

فبعضهم لا علاقة له بالشعر ولربما كان رساماً، أو صحفياً جوالاً، أو مغامراً يبحث عن لقمة العيش، فمن الذين سينقد شعرهم ويقومه في تلك البلاد؟! هذا إذا قلنا أن الترجمة تقتل نصف الشعر، والنصف الأول تتكفل به موهبتهم المتواضعة.

من إيطاليا إلى هولندا مروراً بمدن سويدية أو سويسرية أو ألمانية يتداعى رهط من هؤلاء يقدمون أنفسهم للغرب باعتبارهم شعراء عرب يمثلون أوطانهم بكراسات فيها أحلامهم أو فيها رسائل مراهقتهم ليقدموها إلى جمهور معظمه جاء من خلفية ألف ليلة وليلة، جمهور قليل بعضه من المتقاعدين، وبعضه من منظمات المجتمع المدني والجزء الباقي شعراء مشاركون في المهرجان يصفقون لأقرانهم ويستحسنون كلامهم.

ظاهرة بدأت أواخر القرن الماضي ولكنها تمتد إلى أوائل قرننا الحالي وتزداد كلما ازداد عدد المهاجرين إلى أوروبا كل سنة، شعراء لم يسمع بهم أحد، ولم يخبر شعرهم، أحد يطلون من منابر الغرب ويكرسون أنفسهم عبر جملة مشاركات كشعراء مشهورين لكن لا أحد يحفظ مقطعاً واحداً من شعرهم. لأنهم ببساطة مجهولون.

hussain@albayan.ae