مؤلف هذا الكتاب هو الباحث آلان شريفت المختص بتاريخ الفلسفة الأوروبية بشكل عام والفرنسية بشكل خاص. وهو يقدم هنا بانوراما شاملة عن تيارات الفلسفة الفرنسية على مدار القرن العشرين.

ومعلوم أنه كان من أغنى القرون وأكثرها امتلاءً بالتيارات والاتجاهات الفكرية المختلفة. فقد شهد في بدايته هيمنة الفلسفة الكانطية الجديدة، نسبة إلى الفيلسوف الألماني الشهير كانط. وشهد في الوقت ذاته هيمنة الفلسفة الوضعية التي تولي للعلم الفيزيائي والرياضي مكانة خاصة.

ولكنه شهد في الوقت ذاته ظهور فيلسوف كبير معارض لهذا التيار هو هنري بيرغسون (18591941). وشهد القرن العشرون بعد ذلك دخول الفلسفة الهيغلية إلى فرنسا ثم الفلسفة الماركسية على أثرها. وفي الخمسينات من القرن العشرين كانت الفلسفة الوجودية هي المهيمنة من خلال الكتابات المهمة لجان بول سارتر. ثم تلتها الماركسية في الستينات وحلت محلها.

ثم حلت محلهما كليهما الفلسفة البنيوية في السبعينات وحتى منتصف الثمانينات. وبعدئذ انحسرت الموجة البنيوية مثلما طغت لكي تحل محلها تيارات عديدة أو شخصيات فلسفية مختلفة. هكذا نلاحظ أن المدارس الفلسفية الأكثر أهمية تعاقبت على مدار القرن العشرين كله.

ثم يعود المؤلف إلى البدايات الأولى لهذا القرن الحافل بالأفكار والفلسفات ويقول بما معناه: ينبغي العلم بأن الفلسفة الكانطية الجديدة التي سيطرت في بدايات القرن العشرين كانت مستوردة من ألمانيا. وكانت قد هيمنت هناك بين عامي 18701918.

وكان لها ممثلون كبار في فرنسا من أمثال رينو فييه أستاذ الفلسفة في السوربون، وكذلك من خلال ليون برونشنيغ الذي سيطر على التعليم الجامعي لفترة طويلة. وهذه الفلسفة تستلهم فكر كانط كما هو واضح من اسمها وتعتمد على العقل والعلم فقط. وبالتالي فهي تهمل دور الخيال والروحانيات.

ولهذا السبب انتقد الفيلسوف بيرغسون تطرفها في الاتجاه الوضعي وإهمالها لكل ما عدا ذلك. وقد ولد بيرغسون في باريس عام 1859 ودرس في مدرسة المعلمين العليا مثل جان جوريس الذي سيصبح فيما بعد زعيم الحركة الاشتراكية الفرنسية وأشهر سياسي في عصره. ثم أصبح بيرغسون أستاذاً في الكوليج دوفرانس. وهي أعلى مؤسسة علمية في فرنسا، أعلى من السوربون.

وفي عام 1914 انتخبوه عضواً في الأكاديمية الفرنسية. ثم سافر بيرغسون عام 1917 عدة مرات إلى الولايات المتحدة لإقناع الرئيس ويلسون بدخول الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا.

ثم استقال بيرغسون من التعليم العالي عام 1921 لكي يكرس نفسه كلياً للشؤون الدولية والسياسية. وفي عام 1927 تلقى جائزة نوبل للآداب. وخلال العشرين سنة الأخيرة من حياته لم يؤلف إلا كتاباً واحداً هو: المصدران الاثنان للأخلاق والدين (1932). وفيه يعمق المنظور الديني لفلسفته. ثم مات بيرغسون عام 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية عندما كانت فرنسا محتلة من قبل الألمان.

ثم يتحدث المؤلف عن تيار الفلسفة الوجودية الذي سيطر على فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا التيار يقول إن الإنسان حر وليس مقيداً بالحتميات كما يقول بعضهم. وما يفعله ويختاره هو الذي يجعله كما هو ويصنع هويته وشخصيته وكينونته. وبالتالي فالإنسان مشروع مستقبلي لنفسه.

وتقول الفلسفة الوجودية إن على الإنسان أن يجد في داخله قيمه الخاصة، وإن عليه أن يحدد السلوك الذي يرغب في انتهاجه. ولكن بعض الفلاسفة انتقدوا مفهوم سارتر للإنسان وقالوا إنه لا يصمد أمام الامتحان. فليس صحيحاً أن الإنسان حر إلى الدرجة التي يتوهمها زعيم الوجودية الفرنسية.

فالمجتمع يضغط عليه ويراقبه ويحد من حريته في أحيان كثيرة. والإنسان الذي ولد في عائلة غنية أكثر حرية من ذلك الذي شاء له سوء الحظ أن يولد في عائلة فقيرة.

فالأول لا يعاني من مشاكل مادية وبالتالي يستطيع إكمال دراساته الجامعية والتوصل إلى المناصب العليا في الدولة أو في المجتمع. أما الثاني فيبقى في أسفل الهرم في معظم الأحيان إلا إذا زوده الله بمواهب خارقة أو عبقرية فذة.

وبالتالي فأين هي الحرية يا مسيو سارتر؟ إنها حرية خيالية لا حقيقة لها على أرض الواقع.

ولهذا السبب فإن البنيوية التي جاءت بعد الوجودية مباشرة انتقدت سارتر كثيراً واعتبرت تصوراته الفلسفية بمثابة المثالية لا الواقعية. نقول ذلك على الرغم من ان صاحب «الوجود والعدم» تطور لاحقاً وطعَّم وجوديته بنوع من الماركسية لكي يخرج من المثالية ويصبح موضوعياً أكثر.

وعلى هذا النحو حلّ كلود ليفي ستروس وميشيل فوكو ورولان بارت وجاك لاكان ولويس التوسير محل سارتر في الساحة الفرنسية وأنزلوه عن عرشه بعد عام 1970، ولكنهم بالغوا في الاتجاه المعاكس، فقد تحدثوا عن مشروطية الإنسان وضغط الظروف عليه إلى درجة أنهم حرموه من كل حرية.

وإذا كان سارتر قد قال إن الإنسان حر في المطلق فإنهم قالوا إنه مقيد في المطلق! وهكذا انتقلنا من النقيض إلى النقيض. وقد حاول عالم الاجتماع الكبير بيير بورديو أن يتجاوز هذه المعضلة الرهيبة عن طريق القول بأن الإنسان حر ومقيد في ذات الوقت.

وانتقد ذاتية سارتر المفرطة وموضوعية ليفي ستروس الباردة ودعا إلى اتباع خط وسطي يجمع بين الذاتية والموضوعية. وأنقذ بذلك الفلسفة الفرنسية من خطر التطرف في هذا الاتجاه أو ذاك.

أما لويس التوسير فقد حاول أن يطبق مفهوم القطيعة الابستمولوجية على فكر ماركس عن طريق القول بأن هناك قطيعة جذرية بين أعمال ماركس الشاب وأعمال ماركس الناضج، وهذا يعني أن ماركس انتقل من عهد الأيديولوجيا إلى عهد الابستمولوجيا والعلمية الكاملة بعد أن نضج فكرياً.

ولكن هذه النظرية التي عرضها في شرحه لكتاب الرأسمال وفي كتابه «من أجل ماركس» لم تقنع بعضهم على الرغم من الرواج الكبير الذي حظيت به في الستينات.

والواقع أن فلسفة التوسير تعاني من نقاط ضعف عديدة على الرغم من أهمية بعض أعماله وكتاباته، وأهم نقطة ضعف لديه هي تضخيمه لأهمية ماركس حتى لكأنه شخص معصوم تقريباً.وهذا الخطأ وقع فيه العديد من المثقفين الماركسيين في شتى أنحاء العالم وليس فقط في فرنسا.

ثم يتوقف المؤلف عند فلاسفة آخرين عديدين كجان هيبوليت الذي أمضى حياته في ترجمة هيغل ونقل أفكاره إلى اللغة الفرنسية، وكان من المساهمين في بلورة التيار الظاهراتي أو الفينومينولوجي في الفلسفة الفرنسية.

وهناك أيضاً بول ريكو الذي مات هذا العام عن عمر يناهز التسعين بعد أن بلور فلسفة كاملة عن الإنسان والمجتمع والدين والسياسة. وكان من الداعين إلى تفسير الدين بشكل عقلاني جديد لكي نخرج من جحيم التعصب وظلامية المتعصبين الضيقي الأفق.

وقال إن للدين مجاله وللفلسفة مجالها ولا ينبغي الخلط بينهما. ولكن الدين يستفيد كثيراً من الفلسفة إذا ما تبنى مناهجها العقلانية في التحليل دون أن يقضي ذلك على خصوصيته أو روحانيته أو تنزيهه وتعاليه. وبالتالي فقد أقام مصالحة ذكية بين الدين والفلسفة.

وأما الفيلسوف ميشيل فوكو فكان تأثيره على القرن العشرين كبيراً أيضاً، فقد استطاع تجديد الفلسفة عن طريق تطعيمها بالعلوم الإنسانية كعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الاقتصاد ... الخ.

وقال إن الفيلسوف لا ينبغي أن يتفلسف بشكل مجرد بعيداً عن الوقائع المحسوسة والعلوم التطبيقية كما يفعل بعضهم، ولهذا السبب فإن فوكو درس أهم المؤلفات التاريخية في عصره وأهم النظريات العلمية قبل أن يبلور فلسفته، كما قام بتحريات ميدانية على أرض الواقع لكي يدعم متانة نظرياته الفلسفية.

وعلى هذا النحو زار المصحات العقلية كثيراً قبل أن يؤلف كتابه الشهير: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. وأثبت أن الجنون ظاهرة اجتماعية بقدر ما هو ظاهرة نفسية.

بمعنى أن المجتمع هو الذي يصيب الفرد بالجنون وليس فقط اختلاله العقلي. ولهذا السبب فإن الفيلسوف الكبير دعا إلى تغيير المصحات العقلية في فرنسا وعموم أوروبا لأنها تزيد من هلع المجانين بل وتصيب حتى الإنسان الصحيح بالجنون إذا ما أدخل إليها.

وساهمت أبحاثه في إصلاح نظام المصحات العقلية وكذلك نظام السجون في فرنسا، وأثبت فوكو أن الفلسفة يمكن أن تقدم خدمات عملية للمجتمع وليس عبارة عن ثرثرات في البرج العاجي.

وأخيراً تنبغي الإشارة إلى الأبحاث الرائدة للفيلسوف جيل ديلون الذي كشف عن الآليات القمعية للمجتمع الرأسمالي بطريقة مختلفة عن طريق الماركسيين.

كما ينبغي أن نذكر أبحاث الفيلسوف جاك دريدا الذي اشتهر بتفكيك الميتافيزيقا الغربية والعرقية المركزية الأوروبية. وساهم بذلك في تحرير العقل الغربي من عنجهيته وأحكامه العنصرية المسبقة ضد الثقافات الأخرى. ومعلوم أنه كان يعتبرها دونية متخلفة طيلة عهد الاستعمار.

ثم ظهر تيار بعد هؤلاء يعيد للعقلانية الغربية أهميتها ووجاهتها بعد أن بالغ الجيل السابق في تفكيكها ونقدها، ونقصد بذلك جيل فوكو وديلوز ودريدا. وهكذا نلاحظ أن حركة التاريخ مد وجزر، صعود وهبوط، فكما تطرف في اتجاه ما جاء وقت لكي تعود الأمور إلى نصابها وربما تتطرف في الاتجاه المعاكس، وهكذا دواليك.

الكتاب: الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين

الناشر: بلاك ويل بوبلشينغ نيويورك 2005

الصفحات: 320 صفحة من القطع المتوسط

TWENTIETH - CENTURY FRENCH PHILOSOPHY

ALAN SCHRIFT

BLACKWELL PUBLISHING - N.Y2005

P. 320