مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور فؤاد بن حالة الذي شغل منصب رئيس تحرير ثم مدير الإعلام والبرامج لإذاعة فرنسا العالمية (R.F.I)، والذي ترأس القناة الفرنسية الدولية آونة إطلاقها، وكان مديراً مفوضاً لإذاعة مونتي كارلو الشرق الأوسط. إن «بن حالة» الذي يعمل رئيساً لوكالة إعلان شراء وبيع حقوق الإرسال التلفزيوني والذي أصدر كتابه الأول عام 1983 حول «الحرب الإذاعية» يتميز بخبرته الصحافية الواسعة واطلاعه على الوضعية العربية بما يجعله يطرح مسألة الانسداد الذي وصلت إليه المجتمعات العربية اليوم بما لا يمكن مقارنته مع آلية مرحلة من مراحل تاريخهم الحديث.

فكل «المحللين والخبراء الدوليين يتوافقون على القول إن المنظمة العربية هي المنطقة الوحيدة التي تعرف انكفاءً ونكوصاً على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي». وفي هذا فإنها تخضع لإكراهات مزدوجة، داخلية وخارجية، في آن واحد تأتيها من نظمها التي تتباطأ في الإصلاح السياسي والاقتصادي إن لم تعاديه؛ ومن النظم الأجنبية التي تضغط عليها لتنخرط في مسار الديمقراطية والحداثة الغربية.

وبين الضغوطات الأجنبية المستمرة لابد من التفريق حسب المؤلف بين ما تريده أوروبا من تغيير في الأوضاع العربية لكي يساهم العرب في توفير الأمن الأوروبي وبين ما تستهدفه أميركا لتوظيف هذه الأوضاع في خدمة المصالح الأميركية المختلفة لاسيما وأنها تطرح نفسها زعيمة العالم الجديد، عالم ما بعد الحرب الباردة.لقد أصبح معظم المثقفين والسياسيين يرون أن الحل للخروج من هشاشة النظم العربية ومن تفكك مجتمعاتها،

إنما يكمن في وسائل الإعلام الحديثة لأن من شأنها أن تفتح مجالاً عمومياً جديداً من الحرية والنقاش والتواصل، ليشكل أرضية التغيير وحاضنته. ولكن إذا ما كان الجميع يعترف بدور الإعلام في التغيير فهل الاتفاق قائم على مفاهيمه وأهدافه؟

هذه النظرة إلى وسائل الإعلام تترابط بالضرورة مع العولمة التي أصبحت جزءاً من المفردات اليومية المستخدمة والتي أصبحت شاملة لما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي والتي تشكل الاتصاليات الحديثة محركاً من محركاتها إن لم نقل مع المؤلف قاعدتها.

فمع الاتصاليات الحديثة أصبحت العلاقة مباشرة بين الشعوب وبالزمن الفعلي لهذه الاتصاليات. لقد أصبح العالم «قرية كبيرة»، ولكن هذا لا يعني إحلال الصداقة والتفاهم بين الشعوب بالضرورة. فالعلاقة الدينية مثلاً لم تحل دون النزاعات والاقتتال داخل أنماط الاجتماع الواسع الذي انتشرت فيه.

ولئن كانت الواقعة الدينية قد حللت من قبل المؤرخين وعلماء الاجتماع والاقتصاد والسياسة بما يمكن من استيعابها والتحكم بها في عديد من المجتمعات البشرية، فإن العلاقة الاتصالية الجديدة لا تلغي هي أيضاً النزاعات والاقتتال في الوقت الذي ما زالت تحتاج فيه إلى البحث والتحليل ويصعب التكهن بانعكاساتها التي تختلف حسب أوضاع هذه المجتمعات الفعلية.

تاريخياً بدأت مسألة الاتصال مع مختلف الحضارات السابقة، إلا أن انتشار وسائل الاتصال الحديثة قد غير المعطيات والنتائج. منذ أعوام الستينات بوجه خاص وصولاً إلى بروز «المجتمع الإعلامي» الحديث وبحيث أصبح التنافس على امتلاك هذه الوسائل وشبكاتها العالمية واحدة من الوقائع الدولية الجديدة، لماذا؟ لأن هذه الشبكات لا تبث أخباراً وحسب وإنما تنقل أيضاً إلى المتلقين معارف وأنماطاً في التفكير والعمل وتقوم بصنع الرأي العام في حين أنها توسع دائرة النفوذ والسلطة لأصحابها.

وبهذا يتعرض الكاتب إلى الاتصال العالمي وإرادة القوة. فمنذ القرن الثامن عشر كانت كل سياسة خارجية ولأية أمة من الأمم تقوم على دعائم الدبلوماسية والاقتصاد والقوة العسكرية وإذا كان هذا أمر مفروغ منه حتى اليوم فلا بد من إضافة دعامة رابعة فرضت نفسها في النصف الثاني من القرن العشرين، ألا وهي الاتصال والثقافة اللذان يصعب التمييز بينهما طبقاً لأطروحة الكاتب نفسه في أن «كل اتصال ثقافة وكل ثقافة اتصال».

لقد تم التركيز على الإذاعة كوسيلة اتصالية أساسية في المواجهات الدولية الأمر الذي قاد إلى زيادة قدرات الإرسال لإذاعة «صوت أميركا» و«راديو أوروبا الحرة» و«راديو الحرية» لا سيما في عهد «كارتر» الذي رفع حقوق الإنسان في وجه الأنظمة الشيوعية وحلفائها في العالم الثالث المعادية للامبريالية الغربية بما ولد رأياً عاماً تعددياً في شرق أوروبا وإلى حركة اجتماع انتهت بسقوط جدار برلين.

وبانتقال العالم العربي إلى عصر التلفزة، فإن البعد الثقافي برز واضحاً في السياسات الخارجية للدول، بما جعل المجال الدولي يغرق بالصورة التلفازية بعد أن كان غارقاً بالصوت المذياعي، خاصة مع انتشار الفضائيات التلفزية حيث أطلقت الآن المحطات الدولية التي تبث 24 ساعة متواصلة ناهيك عن انتشار الانترنت.

لقد لعبت الإذاعة دوراً لا يمكن تجاهله في ولادة الحركات الوطنية والقومية في العالم الثالث، وفي ضعضعة الاتحاد السوفييتي، واليوم فإن التلفزة التي لا تعرف ولا تعترف بحدود جغرافية للدول، شأنها في ذلك شأن الإذاعة في الماضي! إنما تشكل الناقل الجديد للسياسات الخارجية والحقيقة التي تقوم بصنع الرأي العام العالمي.

تكفي الإشارة إلى دور الإعلام التلفزي فيما يتعلق بثورة «الحجارة الفلسطينية» أو بشأن أحداث «البوسنة» و«رواندا» حيث أبدى هذا الإعلام المأساة المريعة لهذه الشعوب، وكان أن انعكس ذلك على الدبلوماسية الخارجية لمختلف الدول وضغط الرأي العام العالمي لإيجاد حل لها. والأميركيون بهذا موجودون على الجبهات كافة،

فإلى جانب إطلاقهم «راديو الصين الحرة» و«إيران الحرة»، فقد توجهوا نحو المنطقة العربية بإقامة إذاعة «سوا» عام 2003، ومحطة «الحرة» التلفزية التي تشكل حسب «نيويورك تايمز» المشروع الإعلامي «الأكثر طموحاً للإدارة الأميركية منذ عام 1942»، وتمويل «إذاعة سوريا الحرة» بما يخدم المضي قدماً لتطبيق الاستراتيجية الأميركية المعروفة.

في الفصل الخامس والسادس يركز الكاتب على وسائل الإعلام والديمقراطية في الوطن العربي وعلى المشهد الإعلامي والتلفزي العربي القائم ليشير إلى أن «جان جاك روسو» مؤلف «العقد الاجتماعي» الشهير كان يقول إن الديمقراطية لم توجد ولن توجد، لأنه كان يفترض سلفاً وجود دولة ـ أمة تشكل الأساس للحكم في العصر الحديث.

إلا أن عصر العولمة وانتشار الأفكار بفضل وسائل الإعلام ينقض هذا الاقتراض وبالتالي فمن الممكن تعميم الديمقراطية. إنه لا يمكن تجاهل أن البث المذياعي والتلفزي عبر العالم قد ساعد على ولادة رأي عام دولي، وانتشار فكرة حقوق الإنسان والتطلع نحو الحرية.

والعالم العربي لم يكن ولا يمكنه أن يكون خارج هذا العصر العولمي والتأثر بمساره. لكن المشكلة تكمن في أنه قد خضع بالأحرى ومنذ فترة طويلة وحتى سقوط جدار برلين إلى «الغزوات» الخارجية. لقد كان هذا صحيحاً بالنسبة «لراديو موسكو» كما بالنسبة لإذاعة الـ «بي بي سي» و«دوتش ويل» و«آر.إم.سي ـ الشرق الأوسط».. أضف إلى ذلك أن العالم العربي عرف منذ عام 1995، الإرسال الفضائي التلفزي الأجنبي يسقط على رأسه. في هذا ومع التحولات التي جرت بعد سقوط جدار برلين. فإن رياح الحرية والتعبير عن الرأي والتعددية قد امتدت إلى المنطقة العربية.

إلا أنه لابد من القول إن ذلك ظل محدوداً بحيث إن هذه المنطقة مازالت أقل مناطق العالم في التمتع بالحريات المدنية والحقوق السياسية واستقلالية الإعلام، كما يبين ذلك تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية عام 2002. هكذا فإن إشكالية الديمقراطية مطروحة على البلدان العربية ـ مفهوماً فلسفياً ذا طابع قيمي شمولي لابد من احترامه، ونظاماً سياسياً يتحقق ضمن خصوصيات جغرافية وثقافية لابد من مراعاتها طالما أنها لا تتعارض مع القيم الفلسفية

ودون أن تؤخذ ذريعة لحكم ديكتاتوري تعسفي أو نظام تقليدي قاصر ودون أن يعني ذلك فرضها من الخارج بالقوة. من هنا تشدد قمة البلدان الثمانية الأكثر تصنيعاً عام 2004 على ضرورة إقامة ضمانات فعّالة من أجل حقوق الإنسان والحريات «الديمقراطية في المنطقة العربية، وعلى أهمية إجراء تغيير في أوضاعها، وأن هذا التغيير يتعلق بإصلاحات كل بلد فيها، لأن التغيير لا يمكن فرضه من الخارج».

وأن دعم «مجموعة الثمانية» الصناعية للإصلاحات في المنطقة يتواكب مع دعمها لحل عادل، شامل ومستمر للنزاع العربي ـ الإسرائيلي». أما على المستوى الداخلي فإن الضغوط قائمة من أجل الإصلاح والتغيير حتى من قبل المنظمات العربية القريبة من النظم، كما أبدت ندوة الإسكندرية عام 2004، والتي أعلنت، فيما أعلنت عنه، المطالبة بتحرير الصحافة والإعلام من قيود الحكومات وخلق محطات تلفزية وإذاعية مستقلة في «ملكيتها وإدارتها وتمويلها».

وبالرغم من التطورات فإن التحدي الديمقراطي مازال قائماً بالنسبة للمنطقة العربية التي «مازالت خاضعة لأنواع مختلفة من الاستبداد مع الصين وبعض بلدان الجنوب الشرقي الآسيوي، لماذا هذا الاستثناء العربي!؟ إنه يرجع حسبما يستشهد الكاتب إلى الاحتفاظ بالبترول ولو عبر أنظمة ترفض الحداثة وتتحايل على حقوق الإنسان بعد أن صارع الغرب الحركة الناصرية العربية التقدمية، وإلى طبيعة المعارضات العربية اليوم التي تشكل الحركات الأصولية قوتها الضاربة بعد أن دعمها الغرب في صراعه ضد السوفييت.

والمشهد الإعلامي العربي الذي يتعرض لإغراقه بالصورة والصوت الوافدين من محطات أجنبية كما رأينا، بعيد عن أن يكون بالمستوى المطلوب قياساً بالكتلة السكانية العربية (284 مليوناً عام 2003)؛ وفي دافع من تغييب حرية مديري الصحف والصحافيين والناشرين ومراسلي وكالات الأنباء العربية الذين يتعرضون للرقابة والتهديد والتوقيف..

وهذا المشهد نفسه يخضع غالباً إلى تغطية إعلامية تدور حول المسؤولين الرسميين وما يقوم به رئيس الدولة بوجه خاص؛ وكأن الإعلام مجرد مرآة لهؤلاء يرون أنفسهم فيها. كما أن أغلب الصحافيين لا يستطيعون التمييز بين الدعاية والإعلام وبين الإعلام العادي بل والرديء وبين الإعلام الأصيل والإبداعي.

وفي هذا فإن المهنية الصحافية تكاد تكون مفقودة كما أبدت أعمال ندوة «فيلامورا» عام 2004 في البرتغال والتي خصصت قسماً من نقاشاتها حول الإعلام العربي. والنتيجة هي أن المواطنين العرب لا يثقون بهذا الإعلام الرسمي ويتحوّلون عنه ولا يتوجهون نحو المحطات الوطنية إلا فيما يتعلق بالرياضة والمنوعات الفضائية والأفلام المحلية.. بعبارة أخرى فإن الإعلام يواجه تحدياً في قدرته على القيام بمهماته انتشاراً، ومحتوى، وحرية، ومهنية، وعلاقة مع المواطنين.

والواقع أن تطوراً حدث مع ظهور جيل من المستهلكين، ألا وهو «جيل الفضائيات» والذي يتواكب مع نزعة البرجوازية الجديدة في الانفتاح على العالم، ومع الصراع الذي خاضته السلطات الرسمية والدينية ضد توجهات الجمهور نحو الأقنية الأجنبية.

هكذا تتعدد الفضائيات العربية مع «الجزيرة» و«إم.بي.سي» و«إيه.آر.تي» و«أوربيت» و«إل.بي.سي» و«نايل سات» و«الأوروبي».. وهكذا نجد أيضاً أن «التقليعة الجديدة قائمة في امتلاك كل دولة عربية تلفزة فضائية لتغطية المنطقة العربية بكاملها.

وإذا كان واضحاً أن السعودية تأخذ حصة الأسد في النظام الاتصالي العربي من أجل تدعيم إرادة النفوذ العربي والإسلامي لديها فإن مصر مازالت تحتفظ بدورها في هذا النظام منذ مرحلة «صوت العرب» في حين أن قطر قد انتزعت لنفسها دوراً ريادياً مع قناة «الجزيرة» التي يعتبرها العديدون الـ «سي إن إن» العربية.

الكتاب: صدمة الاتصال العولمي

الناشر: بيبليسيد ـ باريس 2005

الصفحات: 199 صفحة من القطع المتوسط

LE CHOC DE LA COMMUNICATION GLOBALE

FOUAD BENHALLA

PUBLISUD - PARIS 2005

P.199