عن دار أوريون في بريطانيا صدرت النسخة الروسية من رواية «موت أخيل » الجزء الرابع في سلسلة روايات المفتش فاندورين للروائي والكاتب الروسي «بوريس اكونين». يعتبر بوريس أكونين من رواد الرواية البوليسية الروسية لمرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي، وهو بوجه عام مؤلف غزير الإنتاج، كتب روايته الأولى، سنة 1998 في فترة لا تتعدى الستة أسابيع.
يلفت الانتباه إلى رواياته إلقاؤها الضوء على أوضاع روسيا المعاصرة من خلال مفارقات تاريخية ذكية وسرعته في التأليف، حيث تأتي رواياته الأخرى، إحداها مؤلفة من عشرة أجزاء، والأخرى ما بين أربعة وثلاثة في معدل قياسي بالنسبة للفترة التي استغرقتها كتابتها. يقول أكونين عن شخصيته الرئيسية، فاندورين: «على الرغم من أنه شخص، إلا أنه لا يبدو واثقاً جداً من نفسه، متأمل، لا يكسب دائماً، وإذا حدث لك، فهو يأسف له في بعض الأحيان.
هذه إحدى الملامح المعروفة لدى المثقفين الروس ». فاندورين بطل رواياته الثلاث السابقة الذي يلتقيه القارئ أيضاً في روايته الجديدة موت أخيل منذ ترجله من القطار قادماً من اليابان حتى لحظة انهماكه في ملاحقات تجري أحداثها في العوالم السفلية الواقعة في قلب موسكو القرن التاسع عشر ويتورط فيها كبار رجال السياسة.
تقع أحداث الرواية في سنة 1882 وتبدأ بعودة المفتش البسيط إلى حد السذاجة إيراست بيتروفيتش فاندورين 26 سنة إلى موطنه موسكو قادماً من اليابان التي أمضى فيها 6 سنوات مكنته من التدرب على بعض فنون القتال. في هذه الأثناء يبدو منهمكاً في التفكير بما ينبغي له القيام به، مستغرقاً في تحليل الأحداث التي مر بها هناك، يسيطر عليه شعور قوي بالإحباط خاصة فيما يتعلق بتقييم مغامرته السابقة، المغامرة التي يعرض القارئ لتفاصيلها في رواية « المناورة التركية ».
إلا أن ما ينتظره كما يتكشف من تفاصيل الرواية يبدو أكثر إشراقاً مما يتصوره بانضمامه إلى لجنة مكونة من المفتشين السريين مهمتها مراقبة العوالم السفلية، في قلب موسكو، الشهيرة بالعنف والاكتظاظ بمافيا الفساد السياسي والأخلاقي يصبح أكثر تفاؤلاً تجاه إمكانية التغيير في روسيا ربما على يد أشخاص مثله.
على الرغم مما يستغرقه التفكير في ذلك من وقته وإحاطته بنوع من الشعور بالفوضى، إلا أن فاندورين يجد نفسه في موقف يتطلب المبادرة في أعقاب موت صديقه الجنرال سوبوليف « أخيل » الذي يموت بصورة مفاجئة ليعثر على جثته في غرفة كان يستأجرها بأحد فنادق موسكو ترك لديه تساؤلاً حول مساعده القوقازي وهو ما يكفي للشروع في أي مهمة يعتبرها بطولية رغم أنها تبدو في كثير من الأحيان مثل محاربة طواحين الهواء.
في هذه الرواية يطلق أكونين صورة مختلفة لشخصياته الرئيسية ومنها فاندورين وغريمه « النذل ذو الشخصية الكارزمية شديدة الجاذبية». ففي المشاهد التي تلي افتتاحيته يتجسد الصراع بينهما على نحو شبيه بما يفعله لاعبا الشطرنج الذكيان اللذين يواجه كل منهما صعوبة في التغلب على الآخر. على نحو سريع يبادر رجل التحري الطيب بتنفيذ مهمته متنكراً في أزياء مختلفة، متسلحاً بأساليب وأدوات إضافية اكتسبها أثناء رحلته إلى اليابان، وهو ما يبدو مضحكاً في بعض المشاهد والأحداث التي تجري أثناء قيامه بالبحث.
لكن إلى أي مدى تبدو كارزمية الشخصيات، التي يعتمد عليها أكونين مهمة بالنسبة للعمل الروائي؟
بالنسبة لفاندورين يجسد هذا البطل شخصية مواطنه الروسي التي تحتاج قراءتنا لها إلى شيء من حدة الذهن. هذه الشخصية الشكاكة، المثقفة، الأنيقة، الثرية على الرغم من كل شيء، التي تعاني في الوقت ذاته من نوع مزمن من الإحباط تنتمي للطبقة الوسطى من المجتمع الروسي المعاصر، نشأت من البيرسترويكا والحقبة الهلنيستية وهي التي كنا نراها إما ممسكة بموروثها الثقافي السوفييتي ( يشير أكونين إلى تولستوي ودستويفسكي ) بيد أوبالمناداة بالثورة عليهما باليد الأخرى دونما خيار ثالث يقع بينهما.
يقول أكونين واصفاً حالة فاندورين: «إن الطبقة الوسطى هي حاملة لواء التغيير في روسيا المعاصرة، حاملة لواء الثورة. هذه الطبقة لم تكن موجودة سابقا. إنها مليئة بالحياة، والنشاط وهي بحاجة إلى كل ما تحتاج إليه أي طبقة أخرى كالأيدلوجيا، والأخلاق، والجماليات وغيرها. أكونين نفسه يحمل هذه المواصفات.
فهو مثقف، مهتم بالأدب، نشط يبحث عن الحياة الأفضل وبعد فترة من الركود الإبداعي الذي ظلت تعاني منه الساحة الثقافية في روسيا «بعد فترة من الزمن أصبح لدي الكثير حينها قررت أن أكون مثالاً يحتذى به في كتابة الرواية بالشكل الذي أعنيه، وهكذا ولدت روايتي الأولى ».
في روايته (موت أخيل) يقدم أكونين شخصية البطل النذل المرسومة ببراعة شديدة بحيث لا يمكن سوى الاعتراف بأنها صورة شديدة الجاذبية لشخصية ذكية. ينتمي أخميس إلى فئة اجتماعية غير متجذرة في المجتمع الروسي، طبقة الأقنان، من بقايا الأخوة المورافيين (من الأصول الجرمانية الشمالية)، محتقر من قبل الآخرين بالنظر إلى غرابة ملامحه وبشاعته.
في طفولته تمر أمام عينيه مشاهد عنف ووحشية وقسوة لا يمكن وصفها أو تفسيرها وعندما يصبح يتيماً يخوض غمار صراع مرير مع الحياة. والواقع أنها شخصية بائسة ما تلبث أن تتحول نحو ما يصفه مؤلف الرواية بالمافيوزية. يستأجره بعضهم للقيام بدور القاتل، وبدوره يتحول أخميس إلى قاتل محترف يمارس مهمته بدم بارد.
إن هاتين الشخصيتين تتقابلان وبينهما تظهر فئة ثالثة لا تكاد ترى بسبب الضبابية التي تحيط بنشاطها. وهي الفئة التي تتحكم في المشهد العام في المجتمع الروسي، مجتمع الإقطاع الذي يكرس دور السادة والعبيد، وهي التي يوجه إليها أكونين تهمة الفساد. الفساد بكل أشكاله السياسي والاقتصادي والأخلاقي.
ومن جهة تلعب المفارقة التاريخية دوراً في تعريفنا بها حيث يوحي أكونين بأن الحقبة تعيد إحياء نفسها (الناس، كما يبدو، كانوا قد عايشوها في حقبة الفساد الكبرى في روسيا القيصرية وهاهم يعايشونها في تاريخ روسيا المعاصر ) وبينما هو يشير إلى ذلك يلمس القارئ لغة ساخرة بسيطة تثير في النفس شعوراً بالمرارة.
نشر بوريس أكونين أولى رواياته البوليسية في سنة 1998 وهي أعمال معظمها مترجم إلى اللغة الإنجليزية وحسب تأكيده يرى أن روايته بالإضافة إلى بوليسيتها إلا أنها رواية تاريخية « الواقع أن هناك الكثير من أوجه الشبه الموجودة في تاريخ روسيا القيصرية وروسيا المعاصرة، حيث إننا نواجه اليوم المشكلات نفسها التي واجهتنا سابقاً. غير أن علينا أن نعيش هذه المرحلة، هكذا يبدو المنطق، إنه شيء حتمي، لكن على الرغم من أن هذا لن يستمر إلى الأبد إلا أنها سنوات محسوبة علينا.»
في هذا الإطار يشير إلى الدور الذي لعبته هذه المفارقة التاريخية في نشأة الطبقة المتوسطة الروسية، المعروف عنها ميلها إلى الثقافة ولا سيما الإبداع الأدبي الذي تشير إليه حالة النهم الشديدة إلى القراءة المتزامنة مع خلو الأسواق من الإبداع الذي يجسد الأوضاع الحقيقية لهذه الشريحة.
في هذه الأثناء، في غياب الرقابة الأيديولوجية الصارمة، تبرز مجموعة من الأصوات القصصية الجديدة ربما أتى اسم أكونين في مقدمتها بوصفه مؤلف الرواية الأكثر عمقاً، على الرغم من تطلعاته التجارية وربما أيضاً وصفه لروايته بأنها رواية تاريخية، بالإضافة إلى أسماء أخرى منها على سبيل المثال، « تتيانا تولستايا » مؤلفة رواية « ثاركيس » التي تتحدث عن معاناة امرأة روسية، و«الكسندرا مارينيا » من أهم كتاب الرواية البوليسية المعاصرة.
يتميز الأدب الروسي الجديد بنوع من الإلتزام إضافة إلى رواجه داخل روسيا نفسها وهو من جهة لا يمكن النظر إليه على أنه أدب أوروبي (حسب مقولة لدستويفسكي). ربما تساءل أحدنا هنا، هل يعيد تاريخ روسيا نفسه، بما في ذلك تاريخ روسيا الأدبي الذي شهد تجديداً على أيدي كتاب مثل غوغول ودستويفسكي وتولستوي ومكسيم غوركي، حين لعبت الرواية الروسية الكلاسيكية دوراً مهماً في توضيح الكثير من المفاهيم المتعلقة بتطور المجتمع ؟
ضيف موسكو
بصعوبة بالغة توقف قطار الصباح القادم من سانت بطرسبورغ في محطة نيكوكلافسكي، كانت سحابة من الدخان الخارجة من محركه لا تزال ملفوفة حوله، مد المرشدون درجات السلم القصير ورفعوا أيديهم باتجاه قبعاتهم المستدقة الرؤوس تحية للقادمين، في تلك الأثناء وثب شاب ذو مظهر أنيق لافت خارجاً من إحدى عربات الدرجة الأولى. كان مظهره وهو يندفع خارجاً شبيهاً بإحدى تلك الصور التي تعود الناس على مشاهدتها في أغلفة مجلات الموضة الباريسية لعام 1882. كان شاباً طويل القامة، أنيق المظهر، عريض الكتفين؛ وكان ينظر إلى ما حوله بعينين زرقاوين.
كان المسافرون القادمون في قطار سانت بطرسبورغ لا يزالون تحت حصار سائقي عربات الأجرة، الذين يعمل غالبيتهم في فنادق مختلفة بموسكو. كان شجار قد نشب بينهم على الفوز بالرجل الأنيق ذي الشعر الداكن.
صرخ الأول: سيدي، هيا تفضل وأقم لدينا في المتروبوليتان.
قال الآخر دافعاً إياه بمنكبه «حسناً إذن، لا بد من أن تشرفنا بالإقامة في لوسكوتنايا. لو استأجرت شقة بخمسة روبلات أو أكثر بقليل، فسأوصلك بالمجان. قال الثالث مشاركاً في المشاجرة» لا بد وأن فندقنا ، فندق درسدن هو الفردوس المثالي الذي ستنعم فيه بالهدوء والسلام. صرخ الأخير «لقد أقام أفضل الكتاب في فندق دوسوس: دستويفسكي، وتولستوي كلهم» .
مقتطف من رواية «موت أخيل»
