من الخصائص البارزة التي يمتاز بها المجتمع المحلي في المشرق العربي أن يتشابك في بنائه البعدان الطائفي والاجتماعي ـ السياسي لدرجة التطابق، مما يحول دون تمييزهما إلا عن طريق الفحص التحليلي المدقق، إلا أن هذه الظاهرة لقيت في الواقع تجاهلا وجرى إغفالها في الفضاء الفكري،
فقد اقتصر المتخصصون في سيسيولوجيا وانثروبولوجيا المشرق العربي في بحثهم على نظرية المجتمع الشعبي، بانصرافهم إلى البحث عن المشكلات المتعلقة بالإنماء الاجتماعي والاقتصادي وقضايا التغيير الثقافي المترتبة عليه، أما المسائل المعقدة التي تطرحها حياة المجتمعات المحلية،
فلم تحظ إلا بقسط يسير من الدراسة، ومعها المسائل المتعلقة بالبعدين المقدس والدهري، الأخروي والدنيوي، الطائفي والسياسي ودورهما الفاعل في حياة المجتمع المحلي. .لهذا يقدم لنا الكاتب روبير بندكي عبر صفحات كتابه «الشعائر بين الدين والسياسة» دراسة ميدانية انثروبولوجية مقارنة للاحتفال الديني في المجتمع اللبناني المعاصر، توخي فيه مقاربة العلاقات المعقدة بين المقدس والدهري وروافدهما من أخروي ـ دنيوي في المجال الاجتماعي الثقافي، وطائفي ـ سياسي في ميدان تنظيم الحكم والدولة
وقد اختار مناسبتين احتفاليتين أقامهما أعضاء جماعتين طائفيتين في بلدتين لبنانيتين هما: شعائر جناز المسيح في قرية ـ بنايا ـ وهي قرية مسيحية روم ـ كاثوليكية واقعة في محافظة جبل عامل، وقد هجرها أهلها إبان الحرب الطائفية الأخيرة. وشعائر عاشوراء في مدينة النبطية وهي حاضرة منطقة جبل عامل في جنوب لبنان. ولا يخفى ما لهذين الاحتفالين من أهمية قصوى بالنسبة للجماعتين الطائفتين وللبلدتين على حد سواء.
إذ يجري فيهما إحياء ذكرى - الحدث التأسيسي ـ لكلتا الجماعتين الذي يلخص لب التعاليم الدينية ويعبر عن مضمونه المحوري تعبيرا رمزيا مكثفا ومقتضبا لا يلبث الاحتفال به أن يبعث المحتفلين على أن يعيشوا خبرة وجدانية عميقة، في عملية تأوينهم لهذا الحدث التأسيسي. في إطار سعي الكاتب لاستنباط السمات الشكلية المشتركة بين هذين الاحتفالين. أن خبرة هؤلاء المحتفلين يكون من ناحية معرفية ـ روحية فهي تعبر عن نظرة تفسيرية أو تأويلية إلى البيئة المحيطة بهم،
بحيث يضفون معنى ذاتيا على الموقف التفاعلي المتمثل في الاحتفال بالعيد. من ناحية أخرى تكون خبرتهم اجتماعية ـ ثقافية إذ أن عملية إضفاء المعنى الذاتي على المواقف الواقعية إنما تجري في فضاء زماني ـ مكاني محدد هو مجتمع محلي معين يتميز بتراث ثقافي متنوع المعالم فهو عربي لبناني، حضري مسيحي أو مسلم شيعي ـ لقد تمثل أعضاء المجتمع المحلي هذا التراث إبان مسار التنشئة الاجتماعية ـ الثقافية واستنبطوه حتى غدا إحدى سمات شخصيتهم.
إن الطائفية عملية ذهنية راسخة في الطابق غير الواعي لخبرة الأفراد المعرفية ـ الروحية وشكل من أشكال التنظيم المجتمعي، وهي ظاهرة مركبة معقدة بلغت بحكم صفة عدم الوعي اللاصقة بجوهرها، درجة من الألفة تحول بالكثيرين دون الانتباه إلى خطورتها، بل وتحدو بهم إلى اعتبارها أمرا بديهيا.
يرى المؤلف أنه يجب على البحث الأنثروبولوجي طرح هذه الظاهرة على بساط النقد والمساءلة النقدية و لفت نظر الرأي العام إلى خطورتها. وهكذا غطى الكاتب في مبحثه الأول الاحتفال السنوي بشعائر جناز المسيح وهي إحدى أكثر اللحظات كثافة معنوية وعمقا وجدانيا في الروزنامة الطقسية للكنيسة الشرقية. يجري الاحتفال بها يوم الجمعة العظيمة، وهو يوم ذكرى موت يسوع المسيح، في كنيسة الرعية وقد أخذ الاحتفال طابعا خاصا فالبلدة تمر بمرحلة حاسمة من حياتها الاجتماعية،
إذ عاد عما قريب معظم أهلها الذين هجرتهم الحرب الأهلية ـ الطائفية الأخيرة التي حولت القرية إلى ساحة حرب بين الطائفتين المسيحية والدرزية والتي أدت إلى تدمير بعض المباني ومنها الكنيسة التي يعتبرها الأهالي من أقدم كنائس المنطقة والتي تعود ملكية أرضها إلى (آل كورة ) الأسياد الذين يمنعون الأهالي من إعادة بنائها. لقد رصد الكاتب حركة العودة هذه مع نماذج إقامة السكان ( دائمة ـ مؤقتة ) مع طبيعة عملهم إضافة إلى أن أحد الباحثين كان قد شارك في الحفل يقول:
في يوم الجمعة العظيمة، قرع شخص باب منزلي بقوة، فتحت لأجد الأستاذ نعمة الله يعتذر ويقول: أبونا أود دعوتك إلى احتفال ديني سيقام في بيتي ! ستجد أشخاصاً مثقفين يعجبونك ! فقد استنكف أبونا ( كريزوستوم ) عن إرسال كاهن إلينا.. مع أنه أتى إلى بعلايا ـ وهي قرية مجاورة ـ للاحتفال بجناز المسيح ـ كانت لدينا كنيسة أهدموها.
أما في المبحث الثاني وهو أكبر المباحث فقد غطى فيه المؤلف الاحتفالات العاشورائية، منذ بدء نشوئها إلى يومنا هذا، يقول بما معناه: إن عاشوراء عيد تذكاري تدور احتفالاته حول شخصية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب في موقعة كربلاء في العاشر من أكتوبر عام 680 حيث يتم إحياء هذا الحدث التاريخي عبر الأيام العشرة الأولى من شهر محرم من كل عام، يتحول فيه هذا الحدث التاريخي في عملية تأوين إلى حالة معاشة والى خبرة فكرية ـ روحية،
وقد صاغ المرجع الديني اللبناني محمد حسين فضل الله في خطبة عيد عاشوراء 2003 المضمون الفكري لهذه الخبرة الذهنية «إننا نحب الحسين ونعيش حضوره فهو ليس بعيدا عنا في مدى القرون لكننا نشعر بأنه معنا، والشيعي يعيش هده الخبرة الذهنية وهو يرثي الحسين في شعائر البكاء. فالبكاء هو روح العاطفة ودموع القلب لمن نحبه».
لقد نشأت شعيرة مجلس العزاء في خضم الصراع بين السلطة الأموية وزمرة التوابين في السنوات الأولى بعد استشهاد الحسين، كذلك بدأت الزيارات إلى قبر الحسين في كربلاء منذ وقت مبكر على الرغم من حملات الاضطهاد التي شنتها السلطات الأموية والعباسية لهذا تحولت كربلاء منذ ذلك الحين إلى مزار يأتيه عدد كبير من المسلمين الشيعة، لهذا السبب عمل المتوكل العباسي على هدم قبر الحسين وتسويته بالأرض.
لقد كانت سياسة الحكومات المتعاقبة متبدلة ومتغيرة بحسب الأوضاع الاجتماعية والسياسية وبحسب المصالح والميول الدينية والسياسية، فقد تغير ميزان القوى لصالح الشيعة خلال حكم معز الدولة البويهي 936-967 الذي تشيع لهم وهو أول من جعل مراسم العزاء الحسيني عادة تتبع سنويا في بغداد بشكل علني وبمرافقة موسيقى جنائزية رسمية.
ثم ينتقل الكاتب للتحدث عن مكونات الاحتفال العاشورائي الذي يتكون من: مجالس العزاء ومواكب العزاء والتشبيه أو الإخراج المسرحي لواقعة استشهاد الحسين.
أما مجالس العزاء فتقام في ردهة مسجد أو حسينية أو في بيت أحد الوجهاء وتتم في إطار هيكلية شعائرية ثابتة تضم تلاوة نص قرآني وصلاة على محمد وآله، ثم خطبة أو موعظة من مواعظ آل البيت وأخيرا الرثاء وفيه يتحول الخطيب من الحديث عن واقعة تاريخية إلى مناقشة شأن من شؤون الساعة، أما مواكب العزاء فهي عبارة عن مجموعة من الناس تشكل مسيرة دينية في ظاهرها بينما تنطوي على بعد اجتماعي سياسي قوي،
ويتشكل كل موكب رئيسي من ثلاثة مواكب: أولهما موكب اللطم وبه يقوم المحتفلون بلطم صدورهم بالأيدي وهم يرددون بعض العبارات الدينية أو الردات المتعلقة بالوضع السياسي والاجتماعي القائم. ثاني المواكب هو موكب الضرب بالجنازير الحديدية وبه يضرب المشاركون ظهورهم وأكتافهم بالسلاسل الحديدية وهم يرتدون ثيابا سوداء طويلة.
أخيرا موكب التطبير أو الضرب بالقامات وبه يجرح المحتفلون رؤوسهم الحليقة بالقامات والسيوف على إيقاع لحن موسيقي جنائزي، وعلى إيقاع الطبول والأبواق ترتفع وتيرة الضربات وقد يسقط البعض مغشيا عليه وقد سبق أن توفي البعض منهم متأثرا بجراحه، كما يلاحظ وجود بعض الأطفال في هذا النوع من المواكب التي يتقدمها حاملو الرايات البيضاء المضمخة بالدم وقد رسم عليها سيفان متقاطعان وبينهما رأس مقطوع دامٍ يرمز إلى رأس الحسين كما تحمل بعض هذه المواكب تابوتا صغيرا يرمز إلى نعش الحسين مع بعض الكتابات الدينية.
أما الإخراج المسرحي أو التشبيه لمعركة كربلاء فهو يستلهم حبكة الأحداث كما وردت في كتب المقتل، وهي المسرحية الوحيدة في التاريخ الإسلامي، ينوه الكاتب إلى أنه ما لبثت الممارسات الطقسية المرتبطة بشعائر مواكب العزاء أن بعثت على الجدل الفقهي لدى مجتهدي الشيعة وعلمائهم، فقد افترقت آراؤهم بين مؤيد ومعارض لها، فمن المعارضين:
الشهرستاني ومحسن الأمين الذي وضع برنامجا إصلاحيا قصد به تطهير الشعائر الحسينية من العناصر الفولكلورية ومنها مواكب الضرب بالجنازير ومواكب التطبير وكذلك الإخراج المسرحي للمعركة ويتمثل هذا الاتجاه في الوقت الحاضر بمحمد حسن فضل الله.
يرى الكاتب أن الفكر الديني الشيعي يتمحور حول فكرة الألم المنجي، التي ترسخت بفعل إخفاقات الشيعة في المجال السياسي وتعرضهم للاضطهاد وكانت التقاليد اليهودية القديمة قد عرفت هذه الفكرة، أما في المسيحية فقد غدت هذه الفكرة المحور اللاهوتي والأخلاقي الذي يحكم فهم المؤمن لعلاقته بإيمانه، وان موت يسوع المسيح هو نموذج لتضحيات كل الذين يقبلون الألم أو الموت في سبيل إنقاذ غيرهم، أما الإسلام السني فلم يعرف هذه الفكرة لغياب العنصر المأساوي.
بعد ذلك ينتقل الكاتب ليطلعنا على وقائع احتفالات عاشوراء في لبنان الذي يأتي بالمرتبة الثانية بعد العراق من حيث أهمية الحدث في الحياة الوطنية حيث يعم المناخ الاحتفالي إبان عشرة عاشوراء المناطق الشيعية من بعلبك شمالا إلى بنت جبيل جنوبا مرورا ببيروت والنبطية، والحقيقة أن ثلث الشعب اللبناني ينتمي إلى الطائفة الشيعية وهذا يعكس تأثير هذه الطائفة على الحياة الاجتماعية والسياسية والوطنية اللبنانية،
لقد عاش شيعة الجنوب اللبناني معاناة فقدان فلسطين والاحتلال الإسرائيلي لهم وقد اعتبروا أن هذا ظلم مأساوي وخيانة في حق الأرض المقدسة، لهذا تجري عملية «تأوين» معركة الطف في كربلاء في ضوء الحدث الفلسطيني وقد أذكى هذا الشعور نفر من المثقفين الشباب الذين تأثروا بالايدولوجيا البعثية، لهذا جرى استبدال الثنائية الضدية الحسين/ يزيد، بثنائية فلسطين /الصهيونية، حيث يشترك كل من الحسين وفلسطين في القدسية نفسها،
إضافة إلى أن سبب كلتا الكارثتين هي خيانة الأتباع إذ يرى الشيعة أن الكوفيين المعاصرين قد تقاعسوا عن الدفاع عن فلسطين ، يدلل على ذلك ظهور مواكب لكل من حزب الله وحركة أمل إلى جانب المواكب الشعائرية وقد حملوا لافتات كتب عليها شعارات تمجد المرجعية المعاصرة لكل منهما، فموكب حزب الله بزيه الأسود يردد مثلا: الله واحد والخميني قائد وحزبنا حزب الله !، وموكب حركة أمل بزيها الأصفر تردد:
لا اله إلا الله وعلي ولي الله ! إلا أن بعض المصادمات وقعت بين الفصيلين مما حدا برجال الدين الشيعة إلى اتخاذ قرار بتغييب التنظيمات الحزبية الأمر الذي أسفر عنه فقدان الكثير من رونق وبهاء هذه الاحتفالات لما لهذه التنظيمات من إمكانيات مادية وبشرية ، ثم ينقلنا الكاتب إلى جو الاحتفال ومدى تأثيره على كل من المشاركين والمتفرجين، ليخلص إلى تحديد الهوية الشيعية، أما بالنسبة للمتفرجين على العرض المسرحي فقد وصفهم الكاتب بأنهم بداية كانوا يدردشون
ويدخنون إلى أن وصل العرض المسرحي إلى مشاهد المبارزات واستشهاد أبطال المعركة حيث بدأ البعض منهم بالبكاء وقد بلغت المشاركة الوجدانية ذروتها عند مشهد استشهاد الحسين إذ انفجر معظمهم في البكاء وهم يشاهدون الشمر يقطع رأسه، ان مناخ مجلس العزاء قد استحوذ على جمهور المتفرجين حتى لتختفي المسافة الذهنية بين ما يجري على المسرح وما يعيشه المتفرجون من خبرة المشاركة الوجدانية التطهيرية التي تعم كيانهم وتتغلغل إلى أعماقهم اللاشعورية
فقد اندمج في خيالهم الحدث المسرحي في الحدث التاريخي الماضي، أما ذروة الحماس الجماعي الجارف فيحيط بجماعة موكب التطبير وهم يضربون رؤوسهم المدماة بأيديهم اليمنى على إيقاع الدعاء حيدر حيدر! وهم غائبون عن الشعور الواعي وقد غاصوا في نوع من الوجدان الديني.
أما في المبحث الثالث والأخير فيتناول فيه الكاتب التجلي القدسي للمجتمع المدني في شعائر الاحتفال في الحدث التأسيسي لكلا الطائفتين المسيحية الروم كاثوليكية، والمسلمة الشيعية، فيرى أن كلا المجتمعين المحليين هما صورة لمجتمع القهر المقدس. الذي يعبر عن نفسه بواسطة الرموز الطقسية ضمن موضوعات لاهوتية مشتركة لكلا الاحتفالين .
وفاء الخطيب
الكتاب: الشعائر بين الدين والسياسة
في الإسلام والمسيحية
الناشر: دار مصر المحروسة ـ القاهرة 2005
الصفحات: 260 صفحة من القطع الكبير
