مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور باتريك تور أستاذ علم التاريخ الطبيعي في جامعات فرنسا والمسؤول عن المتحف القومي للعلوم الطبيعية في باريس. وكان قد أسس سابقاً المعهد الدولي لشارلز داروين. كما نشر قاموس الداروينية ونظرية التطور (صادر عن المطبوعات الجامعية الفرنسية عام 1996).
وقد انخرط مؤخراً في طباعة كل أعمال داروين في اللغة الفرنسية. وبالتالي فهو من أكبر المختصين الفرنسيين بنظرية داروين ومؤلفاته. ويرى المؤلف منذ البداية أننا لا نعرف جيداً حتى الآن نظريات داروين ونصوصه عن التطور على عكس ما نتوهم. والدليل على ذلك أننا كثيراً ما نتهم داروين بأنه المسؤول الأول عن النظريات العنصرية وعدم المساواة بين الأجناس البشرية، لماذا؟ لأنه ركّز كثيراً على نظرية الاصطفاء الطبيعي التي تقول بأن البقاء للأقوى في الطبيعة،
وأن مصير الضعيف الذي لا يستطيع التأقلم مع الظروف المستجدة هو الموت. ولكن هذا الكتاب يصحح الأخطاء الشائعة عن فكر العالم البريطاني الشهير ولكي ينجز ذلك على أفضل وجه فإنه يقدم لمحة تاريخية عامة عن حياة داروين وأفكاره. ويقول المؤلف إن داروين كان ابن عائلة مرموقة في انجلترا. نجده كان طبيباً وعالماً طبيعياً وشاعراً في ذات الوقت، وقد ترك وراءه كتباً عدة، وأما والده فكان طبيباً شهيراً أيضاً وعضواً في الجمعية الملكية البريطانية.
وقد ولد شارلز داروين عام 1809 في عائلة تضم خمسة أطفال. وفي عام 1817 ماتت أمه وعمره لا يتجاوز الثامنة. وقد أثر عليه هذا الحدث من دون شك وربما دفعه إلى العزلة والانغماس في المطالعة والاهتمام بالطبيعة منذ نعومة أظفاره. وبعد أن أكمل دراساته الثانوية دخل شارلز داروين إلى الجامعة عام 1825 في مدينة أدنبرة، وكان ذلك بغية الانخراط في دراسة الطب.
وفي عام 1827 انتقل داروين إلى جامعة كامبردج لإكمال دراساته العلمية هناك. وبعدئذ تبدأ رحلاته الاستكشافية الكبرى إلى شواطئ أميركا الجنوبية. وهذه الرحلات هي التي قادته إلى بلورة نظريته الشهيرة عن أصل الإنسان والتطور الطبيعي.
ولكي يقدم المؤلف فكرة واضحة عن كل ذلك، فإنه يقسم كتابه إلى تسعة فصول مع مقدمة وخاتمة.
وأما الفصل الأول فيحمل العنوان التالي «كيفية تشكل نظرية داروين». وهنا يدرس مؤلف الكتاب التكوين العلمي لداروين منذ نعومة أظفاره وحتى انتهاء دراساته الجامعية. ثم ينتقل بعد ذلك في الفصل الثاني إلى دراسة أصل الأنواع البشرية والحيوانية ونظرية الاصطفاء الطبيعي. وأما الفصل الثالث في الكتاب فمكرس لدراسة الأمثلة العملية على نظرية التطور. وهنا نلاحظ أن داروين يدرس النبات والحيوان قبل أن يتوصل إلى دراسة الإنسان.
فالإنسان، في جانب منه على الأقل، هو حيوان أيضاً، بمعنى أنه يأكل ويشرب ويتناسل ويموت مثل بقية الأنواع الحيوانية، ولكنه يتميز على الحيوان بالعقل والوعي والذكاء، وبالتالي فالإنسان في جزء منه حيواني، وفي جزء آخر غير حيواني.
وأما الفصل الرابع من الكتاب فمكرس لدراسة الموضوع التالي «نشوء الإنسان والاصطفاء الجنسي». وهنا يطبق داروين نظرية التطور على الإنسان نفسه باعتباره أرقى أنواع الحيوانات. ويجيء بعده القرد في فصيلة الشمبانزي مباشرة، ثم ننزل في المراتب الحيوانية حتى نصل إلى أكثرها بدائية. ويوضح داروين بعدئذ الفرق بين الاصطفاء الجنسي والاصطفاء الطبيعي، وكذلك العلاقة بينهما.
وأما الفصل الخامس من الكتاب فمكرس لدراسة الانفعالات الإنسانية وكيفية التعبير عنها ومدلولاتها. وفي الفصل السادس يتحدث المؤلف عن التشوه الذي تعرضت له نظريات داروين على يد البعض بسبب سوء فهمها. ومن أهم الفصول هنا نجد فصلاً بعنوان «الحضارة والنزعة المادية والأخلاق. كما يدرس المؤلف النزعة المضادة للعنصرية لدى داروين ويزيل عنه تلك السمعة السوداء التي لحقت بأعماله ونظرياته.
وفي الفصل السابع يستعرض المؤلف كل الاعتراضات التي وجهها البعض إلى نظريات داروين ويقدم الردود عليها. أما الفصل الثامن فيكرس المؤلف للتحدث عن السنوات العشر الأخيرة في حياة داروين.
هذا في حين أن الفصل التاسع والأخير مكرس لدراسة الموضوع التالي «الفلسفة الداروينية وعلم البيولوجيا الحديث». وهنا يدخل مؤلف الكتاب في آخر المناقشات الجارية حول الموضوع في الأوساط العلمية الفرنسية أو الأوروبية أو الأميركية.
ومنذ البداية يقول لنا البروفيسور باتريك تور ما يلي: إذا كان عالم الطبيعيات شارلز داروين (1809 ـ 1882) هو أكبر عالم في تاريخ البيولوجيا بعد لامارك (1744 ـ 1829) فإنه ينبغي العلم بأن فكره لم يفهم فوراً ولم يقبل إلا بعد معارك عديدة ومقاومة حقيقية.
ولكن الجميع اعترفوا به بعدئذ بأنه أكبر مؤسس لعلم الأحياء والنظرية الحديثة للتطور في التاريخ. ومعلوم أنه عرض نظريته عن التطور وأصل الإنسان والأنواع البشرية كلها في كتابه الشهير «أصل الأنواع» وكان ذلك عام 1859، أي عندما بلغ الخمسين من العمر.
وكانت هذه النظرية بمثابة الزلزال الفكري الذي زعزع كل العقائد التقليدية السائدة عن أصل الكون والإنسان. ويقال بأن الإنسان أصيب بثلاثة جروح نرجسية على مدار القرون الأربعة الماضية، فالجرح النرجسي الأول سببته له نظرية كوبرنيكوس عن النظام الشمسي، فحتى عهده كنا نعتقد أن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس تدور حولها. ولكن هذا العالم صدمنا في الصميم، وجرح أنانيتنا ونزعتنا النرجسية عندما قال لنا بأننا لا نشكل إلا جزءاً صغيراً، بل وهامشياً من الكون، ثم قال بأن أرضنا هي التي تدور حول الشمس وليس العكس.
وأما الجرح الثاني الذي أصابنا في الصميم وشكل طعنة لنرجسيتنا واعتزازنا بأنفسنا فهو اكتشاف داروين، فقد كنا نعتقد أننا من جنس وبقية كائنات الطبيعة من جنس آخر، فإذا بداروين يجيء لكي يقول لنا بأننا حيوانات مثل بقية الكائنات الحية، ولكن بشكل أرقى. وكانت هذه الصدمة أكبر من الأولى بكثير لأنها جرحت كبرياءنا وخدشت مشاعرنا، إذ قالت لنا بأننا من أصل حيواني، ولذلك فإن الكنيسة المسيحية أو الأوساط المحافظة شنت حملة شعواء على داروين بعد صدور كتابه الشهير.
واتهمته بأبشع النعوت: مادي، ملحد، كافر بالله، الخ. بل ولا تزال الأصولية البروتستانتية تلاحقه حتى الآن في أميركا وترفض تدريس نظريته للتلاميذ.
ومعلوم أن بعض المدارس هناك ترفض تدريس نظريته عن خلق العالم والإنسان ومفهوم التطور، وتحل مكانها ما قالته التوراة في سفر التكوين عن نشأة الكون والبشرية.
ولا تزال المعركة مفتوحة حتى الآن في الولايات المتحدة بين الأصوليين والتنويريين حول هذا الموضوع الخطير.
أما الجرح النرجسي الثالث الذي أصاب البشرية، فكان هو اكتشاف فرويد لنظرية التحليل النفسي والقول بأن اللاوعي هو الذي يسيّر الإنسان وليس الوعي، على عكس ما كنا نظن منذ مئات السنين.
وفي كل مرة كان الناس يقومون بردود فعل هائجة على هذه الاكتشافات العلمية قبل ان يستسلموا للأمر الواقع ويقبلوا بما يقوله العلم وليس بما يقوله الخوارنة والمطارنة وتاريخ أوروبا الحديث كله ما هو إلا تاريخ الصراع بين الكنيسة من جهة والنظريات العلمية من جهة أخرى.
ثم يضيف المؤلف قائلا: ان انخراط داروين في الحركة المضادة للعنصرية امر مؤكد ولا يقبل الشك، فقد كان يكره نظام الرق والعبودية كرهاً شديداً. وكان يعتقد بوجود أصل واحد لكل الأجناس البشرية. وبالتالي فلا فرق لديه بين ابيض واسود ولا تمييز بين هذا وذاك. فالإنسان بأفعاله وميزاته الشخصية لا بلون وجهة أو شعره. وقد تجد الإنسان الفاضل في إفريقيا السوداء أو الصين أو أميركا اللاتينية مثلما تجده في أوروبا أو أميركا الشمالية. فالخيرون موجودون في كل مكان وكذلك الشريرون.
يضاف إلى ذلك ان معارضة داروين للنظريات العنصرية التي كانت شائعة في وقته ناتجة مباشرة عن نظرياته العلمية وأفكاره الفلسفية، فقد كان يعتقد بأن الإنسان يصبح أفضل وارقى كلما تقدم في سلم الحضارة وكان يعتقد أيضا بأن البشرية كلها سائرة على هذه الطريق وليس فقط شعوب اوروبا وأميركا الشمالية.
وبالتالي فلم يكن موافقاً على النظرية العنصرية التي تقول بأن هناك شعوباً خلقت للحضارة، وشعوباً أخرى خلقت للبدائية والبربرية حتى نهاية الأزمان، هذا المنطق المتشائم أبعد ما يكون عن عقلية عالم كبير مثل داروين.
وبالتالي فلا يحق للنازية أو للفاشية ان تسطو على أفكار داروين وتقول بأنه كان من مؤيديها فهذا خطأ فاحش بل وجريمة نكراء. ومعلوم ان الفاشية الأوروبية كانت تقول بضرورة حذف الضعفاء والمرضى والمعاقين عقلياً وجسدياً من المجتمع بل وكانت النازية تدعو إلى تصفيتهم جسدياً لكيلا يبقى إلا الأقوياء والأصحاء والمتفوقون عضلياً وعقلياً.
لقد استنتجوا استنتاجات خاطئة من نظرية داروين عن الاصطفاء الطبيعي عندما قال بان الحياة هي للأقوى فهو لم يكن يقصد بذلك ان على الأقوياء ان يدوسوا على الضعفاء على العكس، لقد كان يدعو إلى مساعدة الضعيف لكي يقوى، والفقير لكي يغنى، والجاهل لكي يتعلم.
وبالتالي فكل النظريات العنصرية التي انتشرت في القرن التاسع عشر، أي في قرن الاستعمار والعرقية المركزية الأوروبية، والتي ارتكزت على علم داروين لتبرير موقفها كانت خاطئة. ولا يمكن القول بأنها كانت وفية لداروين، أو انها فهمته فهماً صحيحاً فداروين كان يعتقد بان الحضارة قادرة على تقويم نواقص الطبيعة.
صحيح انه يوجد أقوياء وضعفاء في الطبيعة، أو أصحاء ومرضى، أو أغنياء وفقراء ولكن التقدم الحضاري قادر على مساعدة الضعفاء أو الأميين أو الفقراء لكي يصبحوا أناسا طبيعيين وأسوياء وأقوياء بدورهم وبالتالي فمن أين جاءت هذه الفكرة بان داروين عنصري وانه قدم القاعدة العلمية للفاشية والنازية؟ في الواقع ان الاشاعات ذات عمر طويل وربما كانت أهم ميزة لهذا الكتاب هي أنها تصحح الأفكار الخاطئة وتبدو الاشعات الوهمية التي لا أساس لها من الصحة وهذه هي ميزة الكتب العلمية الرصينة.
الكتاب: داروين والداروينية
الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية - باريس 2005
الصفحات: 126 صفحة من القطع الصغير
DARWIN ET DARWINISME
PATRICK TORT
PRESSES UNIVERSITAIES
